ليبيا: مزيد من الفوضى على الطريق

تم نشره في الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • جانب من الدمار الذي لحق بمطار طرابلس جراء الاشتباكات بين الميليشيات - (أرشيفية)

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 30/8/2014

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في السنوات الثلاث التي مرت منذ استولى الثوار المبتهجون على العاصمة الليبية، طرابلس، سار ذلك البلد مترنحاً من أزمة إلى أخرى، لكنه استطاع بطريقة ما أن يبقى واقفاً على قدمية. ومع ذلك، فإنه يبدو الآن آخذاً في الغرق، تحت ثقل الكثير جداً من البنادق والفصائل، مع وجود القليل جداً من المؤسسات التي يمكن أن تصلح العيوب التي تكونت في ظل دكتاتورية معمر القذافي الفوضوية. والذي يذهب بالأمور إلى مزيد من السوء هو أن ليبيا أصبحت الآن تنذر بأن يكون فيها زوج من الحكومات التي نصبت نفسها بنفسها، وبرلمانان: واحد تم انتخابه في حزيران (يونيو)، في حين رفض الآخر حل نفسه. وهناك مجموعة متنافرة من الميليشيات التي تدعم كلاً منهما، وقوى إقليمية متنوعة تساندهما: في 18 و23 آب (أغسطس)، قامت طائرة مجهولة، والتي تبين لاحقاً أنها كانت تتمركز في مصر، وإنما يقودها طيارون من الإمارات العربية المتحدة، بقصف أهداف في طرابلس. وباختصار، أصبحت ليبيا تضم الآن جميع المكونات اللازمة لقيام حرب أهلية طويلة الأمد، بما في ذلك المتدخلون الأجانب.
بالنسبة لأولئك الليبيين الذين يشتكون من اللامبالاة التي تتعامل بها القوى الغربية بينما ينزلق بلدهم في دوامة الفوضى، جلب الكشف عن أن قيام سلاح جو عربي بتوجيه ضربات بالسر ضد  أحد الأطراف في معركة بين الميليشيات في طرابلس قدراً من الارتياح. وكذلك فعلت الأخبار عن أن مسؤولين أميركيين غضبوا من هذا التدخل. ويتساءل أحد الأثرياء المؤيدين للجانب المقابل: "لماذا كل هذه الضجة الكبيرة؟ لا يبدو أن الأميركيين يأبهون بالوضع الذي تعاني منه ليبيا".
لكن الضربات الجوية لم تؤثر مع ذلك على نتيجة المعركة التي شلت العاصمة الليبية لأكثر من خمسة أسابيع. وقد انتهت هذه المعركة يوم 23 آب (أغسطس) عندما تغير المسيطرون على الجائزة التي نشب القتال من أجل الحصول عليها، مطار المدينة الدولي (أو ما تبقى منه). وكان المنتصرون هم أولئك الذين تعرضت مواقعهم لقصف الطائرات الغامضة: تحالف من الميليشيات، أهمها الوحدات القادمة من المدينة الميناء المزدهرة مصراته، التي انضمت إلى كل من الإسلاميين، والأمازيغ (أو البربر) ومقاتلين آخرين قادمين من عدة مدن وبلدات أصغر في الجانب الغربي من ليبيا. وقد تمكن هؤلاء من إلحاق الهزيمة برجال ميليشيات من بلدة الزنتان الجبلية الغربية المحافظة، والتي كانت تسيطر على المطار منذ سقوط القذافي في العام 2011.
بالنسبة للزنتان، يشكل فقدانها أكثر أصولها الاستراتيجية أهمية ضربة كبيرة. وكان قائد بارز في هذه الميليشيا قد تباهى ذات مرة بأن المطار "يساوي أكثر من ألف وزارة". ويقلب هذا التطور الجديد ما كان يشكل ميزاناً دقيقاً للقوة في طرابلس، ويثير احتمال وقوع المزيد من العنف مستقبلاً. وقد كتب أحد رجال ميليشيات الزنتان في حسابه على الفيسبوك: "المعركة خُسرت، لكن الحرب بدأت فقط".
هذه الحرب مرتبطة بصراع ليبي أوسع إطاراً على القوة أيضاً، والذي عادة ما يُختزل إلى رواية مضللة عن إسلاميين ضد غير إسلاميين. وفي حقيقة الأمر، فإن ما يجري هو معركة أقل اتصالاً بالأيديولوجية بقدر ما تشكل تدافعاً بين جماعات المصالح المتنافسة المتجذرة في الديناميات المناطقية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا. وفي هذا الصراع، يقوم كل طرف بنسج روايته الخاصة: يزعم المصراتيون، الذين يمتلكون أقوى ميليشيا في البلاد، وحلفاؤهم بأنهم يكافحون ضد محاولة للثورة المضادة، والتي تديرها شخصيات مرتبطة بالنظام القديم؛ ويعترف الزنتانيون، المتحالفون مع جماعات ذات ميول أكثر ليبرالية، بأنهم يقاتلون ضد السيطرة الإسلاموية.
تتلقى عناصر كل من الجانبين دعماً من رعاة إقليميين ومن خصوم الإسلام السياسي، خاصة دولة قطر والإمارات العربية المتحدة. وكانت هاتان الدولتان الخليجيتان المتنافستان هما الأبرز من بين الدول العربية التي ساعدت على الإطاحة بالقذافي، حيث أرسلتا حفنة من الطائرات المقاتلة كجزء من الحملة التي قادها حلف الناتو، لكنها تدعمان الآن فصائل مختلفة على الأرض أيضاً. وكانت قطر قد واجهت اتهاماً بأنها تفضل القوى الإسلامية، بينما تفضل الإمارات الميليشيات الإقليمية وذات التوجهات القبلية، خاصة ميليشيات الزنتان.
البرلمان الليبي الجديد الذي تم انتخابه في اقتراع حزيران (يونيو) الذي كان أداء الإسلاميين فيه سيئاً، شجب أولئك الذين استولوا على مطار طرابلس. ومن مدينة طبرق الشرقية، حيث كان منعقداً لأن طرابلس وبنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، أصبحتا خطرتان للغاية، أعلن هذا البرلمان أنه يعتبر تحالف الميليشيات المنتصر، الذي يعمل تحت اسم "الفجر الليبي" منظمة إرهابية. وفي الأثناء، دان تحالف "الفجر" هذا البرلمان على انحيازه وعلى دعوته لتدخل أجنبي. كما حث البرلمان السابق، المؤتمر الوطني منزوع المصداقية، إلى الانعقاد ليسمي حكومة  "الإنقاذ الوطني" الخاصة به.
جاء قرار خوض معركة المطار في وقت يتعثر فيه خليفة حفتر، الجنرال السابق المتحالف بشكل فضفاض مع الزنتان، في حربه المعلنة ضد الإسلاميين في شرق ليبيا، على الرغم من الدعم الذي يتلقاه من مصر والإمارات العربية المتحدة. وفي هذه الأثناء، تصبح الحكومة الهشة في ليبيا أكثر اهتزازاً باطراد. وقد أصبح معظم أعضائها متناثرين خارج طرابلس؛ وقال سبعة منهم مؤخراً أنهم سيستقيلون. ويخشى العديد من الليبيين من سيناريو يعمد فيه المجلس التشريعي المنتخب، الذي يتمتع باعتراف دولي وتدعمه قوات السيد حفتر والميلشيات القبلية في الشرق، إلى التعايش مع برلمان ينصب نفسه بنفسه في العاصمة والذي تدعمه ميلشيات مصراته وحلفاؤها.
في الرد على هذه التطورات، انضمت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى الولايات المتحدة في التعبير عن القلق من الضربات الجوية المذكورة. وقال مبعوث الأمم المتحدة المقبل، بيرناردو ليون: "إن التدخل الخارجي لن يساعد ليبيا في الخروج من الفوضى". ويوم 27 آب (أغسطس)، أيد مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة قراراً يعزز حظر الأسلحة الحالي المفروض على ليبيا، وربما يقود إلى فرض عقوبات ضد قادة تحالف "الفجر" وقادة آخرين.
من جهتهم، أنكر مسؤولون مصريون تورط بلادهم في الغارات، بينما لم تصدر الإمارات العربية أي تعليق. لكن الدولتين، إلى جانب حلفاء عرب آخرين مثل العربية السعودية والجزائر، لا يخفون قلقهم من أن ليبيا تقف على حافة التحول إلى دولة فاشلة، وأنها يمكن أن تصبح ملاذاً للجهاديين الإقليميين. ويقول الليبيون الذين نادوا بالتدخل الأجنبي أنهم سعيدون بأن أحداً ما قد اتخذ إجراء ويأملون بأن يتكرر ذلك مرة أخرى. ومع ذلك، وبالحكم من نتيجة غارات طرابلس، فإن الأمر سيتطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد إسقاط بضعة قنابل لترجيح كفة الميزان.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Libya: Anarchy looms

التعليق