أبو رمان يناقش سر داعش ومدى خطر التنظيم على الأردن

تم نشره في الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014. 12:04 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014. 12:08 مـساءً
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)
  • جانب من محاضرة (داعش الظاهرة والحقيقة)-(من المصدر)

عمان- الغد- اعتبر الكاتب والباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية الدكتور محمد أبو رمان، أن الأساس الصلب في فهم صعود تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ"داعش"، وتنظيمات أخرى متشددة، يكمن في أنها ابن شرعي للمجتمعات العربية، وانعكاس أمين وصادق لطبيعة التحولات الخطيرة التي تحدث في العديد من هذه المجتمعات، بأزمات داخلية ذات أبعاد سياسية واقتصادية، أو اجتماعية مركبة.

 وناقش أبو رمان خلال محاضرة له في مكتبة مؤسسة عبد الحميد شومان الاثنين الماضي، 4 أسئلة قال إنها رئيسية لفهم نشأة التنظيم والسر في تصاعد قوته وانتشاره، بالإضافة إلى حجم الخطر الذي يشكله على الأردن.

 وتاليا النص الكامل للمحاضرة التي حملت عنوان "داعش الظاهرة والحقيقة"، وأدارها الدكتور كامل أبو جابر:

من أطرف التبريرات التي سمعتها من المسؤولين العراقيين، بعدما سيطر تنظيم "داعش" (اختصاراً للدولة الإسلامية في العراق والشام) على الموصل بسهولة بالغة، قول أحدهم غاضباً "نحن نتعرّض لغزو خارجي". ووجه الطرافة في الأمر أنّ المسؤولين السوريين كانوا يشتكون من أنّهم يتعرّضون لغزو خارجي من داعش (القادمة من العراق)!

 أمّا زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، فقد دخل، بصورة مختلفة، على خطّ السجالات بشأن داعش، عندما طالب التنظيم بأن يعود إلى العمل والقتال ضمن منطقة وجوده الأساسية في العراق، بينما يترك لجبهة النصرة اختصاص العمل في سورية.

المفارقة تكمن في أنّ الأغلبية العظمى من تنظيم داعش في العراق هم من العراقيين السنّة، والحال كذلك بالنسبة لجبهة النصرة في سورية، فأغلبيتها من السوريين.

المعنى مما سبق أنّ الأساس الصلب في فهم صعود هذه الجماعات والحركات يكمن في أنّها ابن شرعي للمجتمعات العربية، وانعكاس أمين وصادق لطبيعة التحولات الخطيرة التي تحدث في العديد من هذه المجتمعات، بأزماتٍ داخليةٍ ذات أبعاد سياسيةٍ واقتصاديةٍ، أو اجتماعية مركّبة.

هذه هي الخلاصة التي سأحاول البرهنة عليها في هذه المحاضرة، من خلال محاولة الإجابة على أربعة أسئلة رئيسة:

الأول- هل داعش صناعة محلية أم لعبة أو مؤامرة إقليمية ودولية؟

الثاني- ما هو سرّ داعش؛ كيف نفسّر هذا الصعود السريع والانتشار الكبير لهذا التنظيم ولذلك الفكر؟

الثالث- هل الاختلاف بين داعش وتنظيم القاعدة مجرد اختلاف ثانوي تكتيكي أو سياسي أم أنّ هنالك تبايناً أيديولوجياً وفكرياً بدأ يتسع بين الطرفين؟

الرابع- هل نحن، حقّاً، محصنون في الأردن من "خطر داعش"؟

-1-

داعش منّا ونحن منها!

السؤال الأول: هل داعش "كائن غريب" أم منبثق من السياق الموضوعي الراهن؟

مثّلت المشاهد الدموية والنزعة التكفيرية العصابية لدى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) صدمةً شديدة للرأي العام العربي؛ إذ ذُهل وهو يشاهد مقاطع الذبح والقتل للبشر، التي تقدّمها الآلة الإعلامية لهذا التنظيم وأنصاره في سياق الافتخار والسرور والبهجة!

ولأنّ المثقف العربي واقع في غرام نظرية “المؤامرة”، انبجست التحليلات والتفسيرات المتضاربة التي تربط صعود هذا التنظيم وأعماله بأجندات دولية وإقليمية، فمن يتحدث عنه بوصفه “أداة إيرانية”، ومن يُجهد نفسه بوضع تحليلات وقراءات تضع التنظيم في سياق أجندة صهيو- أميركية تهدف إلى تقسيم المنطقة على أسس طائفية- دينية- عرقية.

ولا غرو عندئذٍ أن يتسمك هذا "النفر المثقف" بقصص مزوّرة مفبركة سخيفة منسوبة لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون تصف التنظيم بأنّه "صناعة أميركية"، أو يكرّر قصصًا خيالية تتحدث عن تدريب "الخليفة البغدادي" على يدّ الموساد، فنجد مثل هذه العناوين الضخمة المضحكة تتصدر الإعلام المصري المشغول بربط كل شيء "إسلاموي" بالمؤامرة الكونية على "أمّ الدنيا"!

في المحصلة، نفض المثقفون والوعّاظ والسياسيون والتيار العام في الشارع العربي أيديهم من هذا "التيار المتوحّش" بوصفه غريبًا عن البيئة العربية؛ وكأنّه ليس إنتاجًا صادقًا وأمينًا للواقع الراهن، ومؤشّرًا موضوعيًّا للمدى الذي يمكن أن تصل إليه الانهيارات السياسية والأخلاقية والثقافية والمجتمعية. أو كأنّه "كائن غريب" عن مخرجات الأنظمة السلطوية الفاسدة من جهة، والسياقات الاجتماعية المتردّية من جهة ثانية، وجمود المنظومة الفقهية والفكرية والاختلالات التي تعاني منها من جهةٍ ثالثة!

لا ندّعي بأنّه لا توجد لعبة إقليمية أو دولية أو دول وقوى فاعلة عملت خلال الفترة الماضية على توظيف هذا التنظيم واستخدامه، لكن ذلك يبقى فقط جزءًا من الحقيقة، لكنّ الشق الأكثر أهميّة هو وجود "القابلية الداعشية" (باستعارة عبارة مالك بن نبي القابلية للاستعمار) في مآل واقعنا السياسي والمجتمعي الراهنة.

لو وقفنا عند تفكيك هذا الاتجاه وما يحمله في ثناياه من بنية أيديولوجية فكرية وفقهية أولًا وما ينبثق عنه من سلوك دموي ثانيًا؛ فهل هذا التنظيم يأتي في السياق الراهن أم خارجه؟

***

دعونا ننظر في الجانب الأيديولوجي والفكري، أليست أفكار هذا التنظيم منبثقة من ميراث فقهي تاريخي وخطاب ثقافي سائد متداول يقوم على منطق عدم الاعتراف بالتعددية السياسية والحزبية والطائفية والدينية، وتكفير أو تخوين وتضليل المخالف في الرأي، أي ثقافة أحادية الجانب سلطوية؟

أليست “الفكرة الصورية” عن الخلافة وتطبيق الشريعة بهذا النمط الفقهي- التاريخي، الذي يتجاهل الاجتهاد والتجديد، هي منظومة فقهية سائدة في مؤسساتنا الفكرية والأكاديمية، وحتى الوعظية- الدينية، أليس هذا التيار الديني الجمودي هو من تتحالف معه الأنظمة العربية وتترك المجال واسعًا له، وتخلق التربة الملائمة له عبر ممانعتها للتحول الديمقراطي وإقصائها وحربها على الحركات الإسلامية (التي تمثّل الطبقة الوسطى المهنية والمتعلّمة)، التي تحاول أن تقدِّم طرحًا يقترب من القبول بالثقافة الديمقراطية التعددية؟

هل موقف "داعش" من الأقليات والمرأة ومفهوم المواطنة والفن والأدب والتعددية الدينية والطائفية مغاير كثيرًا عما يُدرّس في الكليات ويطرح في المساجد ويُقرأ في الأدبيات الفقهية والفكرية؟

ليس المقصود، هنا، القول بأنّ "داعش" هي إنتاج الفقه الإسلامي أو الموروث الفكري، فذلك فيه ظلم شديد لهذا التراث العريض والكبير والمتنوع، لكنّها نتاج لعدم ترسيخ وتجذير ماكينة الاجتهاد والتجديد الفقهي المعاصر في فضائنا الاجتماعي، فأصبح التعامل مع الفتاوى الفقهية والأحكام العقائدية المبنية على صراعات تاريخية والموروث الكبير بوصفه "الشريعة الإسلامية"، ووضعه في مرتبة من القداسة والإلزام، في قراءة متعسّرة مختزلة سطحية لها، من دون النظر إلى الشرط التاريخي في إنتاجها من زاوية أو إلى الجانب الآخر الأكثر المختلف من هذا التراث الواسع العريض.

بالضرورة من الظلم، أيضًا، القول بأنّه لم تكن هنالك محاولات ومساهمات اجتهادية وتجديدية معاصرة، بل على النقيض من ذلك ثمّة جهود كبيرة وهائلة في هذا المجال على صعيد الفضاء الأكاديمي وحتى الخطاب الإسلامي، سواء عبر المدرسة الإصلاحية الحديثة أو حتى على يد علماء وفقهاء ومثقفين، لكنّ لم ينجح هذا التيار الفكري والفقهي والإصلاحي بانتزاع الشرعية المجتمعية بالكامل، ففي الوقت الذي أثّر على شريحة اجتماعية معتبرة، بقيت شريحة أخرى أسيرة التيار التقليدي (غير التجديدي) أو الراديكالي الغاضب والحانق، تبحث عن المنظومة العقائدية والفقهية التي تناسب مشاعرها الغاضبة والساخطة إما على الواقع السياسي أو الاقتصادي أو المجتمعي.

بالرغم من توافر هذه "المنظومة الأيديولوجية"، إلاّ أنّها تبقى عاملًا ثانويًّا، وليس أساسيًّا في تفسير صعود هذا التنظيم وانتشاره وتمدده؛ فالمتغير الأكثر أهمية وفعالية يتمثّل بالواقع السياسي السلطوي والاجتماعي، فهذه التنظيمات والأفكار موجودة ومطروحة على قارعة الطريق في أغلب الأوقات، ومرّت على الخبرة التاريخية العربية والإسلامية جماعات وتيارات شبيهة في خطابها وأفكارها وسلوكها، لكنّ صعود نجمها وانخفاضه وزواله يرتبط بالواقع وشروطه بدرجة رئيسة.

***

وربما هذا يقودنا إلى المسؤول الأول والرئيس عن هذا الصعود والانتشار ويتمثّل في الأنظمة السلطوي العربية الفاسدة التي تمثّل النموذج السائد في العالم العربي اليوم، فهذه الأنظمة هي التي أنتجت وتنتج حالة “العنف البنيوي” في المجتمعات العربية بوصفها انعكاسًا مقابلًا للعنف المتجذّر في سلوك هذه الأنظمة، سواء على الصعيد الرمزي أو حتى المادي.

فلو كانت هنالك أنظمة ديمقراطية وعدالة اجتماعية وأنظمة تحترم التعددية الدينية والفكرية والسياسية وتعزّز ثقافة المساءلة والحاكمية الراشدة وتتأسس على قيم المواطنة وسيادة القانون، فهل كنّا فعلًا سنشهد هذا البروز والصعود للحركات والجماعات المتطرفة التي تتغذّى وتنمو على ديناميكية الصراع الهويّاتي والطائفي والداخلي؟

لو كانت هذه الأنظمة تتبنى إدماج الإسلام المعتدل الوسطي، وما يحمله من خطاب إصلاحي يقبل بالديمقراطية والمواطنة والتعددية، في العملية السياسية، فهل كانت هذه التيارات ستجد الفرصة الراهنة للتمدد والانتشار والتجذّر؟

***

هذا وذاك يقودانا إلى السلوك الدموي، الذي نشاهده على صفحات الإنترنت لأبناء هذا التنظيم، وفي ذروة ذلك التوحّش تأتي مشاهد الذبح بالسكاكين كالخراف؛ فهل هذا السلوك الدموي الهمجي البربري أمر غريب أم أنّه لا يساوي شيئًا حقًّا أمام العنف الذي تمارسه الجيوش والأنظمة العربية بحق الشعوب، ما حجم "العنف الداعشي" مقارنة بعنف نظام بشار الأسد أو المالكي؟

ما هو عدد من قُتلوا في سجون الأسد وقضوا تحت تعذيب شديد وهائل أعوامًا طويلة، بلا أي كاميرا أو رقابة إنسانية، كم مجزرة ارتكبت بحق الأطفال والمدنيين بالأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة؟

ما الفرق الجوهري في بشاعة هذه الصورة عن مشهد القتل والإبادة والجرائم التي ارتُكبت في فض اعتصامي رابعة والنهضة في مصر؟ بماذا يختلف خطاب "داعش"  أو حتى سلوكها عن سلوك الميليشيات الطائفية الشيعية، مثل عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي، ومؤخرًا حزب الله اللبناني في كل من سورية والعراق؟

لم ينعكس هذا العنف السلطوي والفساد السياسي فقط على سلوك هذه “الجماعات الدينية”، بل حتى على المجتمعات والسلوك الاجتماعي العام، ألا تلاحظون حالة التوحش بانتشار المخدرات والعشوائيات والتحرش الجنسي والجرائم والعنف الاجتماعي والجامعي، وحتى استمراء العنف الرمزي في الإعلام والسياسة تجاه الآخرين؟

 في نهاية اليوم وصلنا، أي المجتمعات العربية، إلى متوالية من الانهيارات السياسية والاجتماعية والثقافية، والأهم من هذا وذاك الأخلاقية، لكنّ العامل الرئيس المسؤول عن ذلك هي تلك الأنظمة السلطوية المستبدة الفاسدة، التي تريد أن تستثمر في صعود هذا التنظيم لإعادة إنتاج شرعيتها الدولية؛ إما نحن أو داعش، وكأنّها ليست أسوأ من داعش.

-2-

تدعيش السنّة أو انقراض العرب!

السؤال الثاني: إذا استبعدنا نظرية المؤامرة والتفسيرات التي تربط التنظيم بأجندة دولية مبينة، فكيف نفسّر، إذاً، هذا الصعود المدوّي والكبير لهذا التنظيم خلال الفترة الماضية، هل هي قوة ذاتية لهزيمة جيوش عربية متتالية أم أنّ هنالك أيادٍ وقفت وراءه؟

ثمّة أسباب وعوامل مفتاحية لفهم سرّ صعود داعش وانتشاره خلال الأعوام القليلة الماضية، وأسباب مباشرة مرتبطة بالمعادلة العراقية- السورية- لبنانية والمصالح الدولية والإقليمية في هذه المنطقة من جهة أخرى.

دعونا نبدأ بالأسباب المباشرة، إذ نجد تشكيكاً كبيراً لدى شريحة واسعة من المجتمع وتساؤلات عميقة في القبول بأنّ هذا التنظيم، الذي يتشكّل من آلاف الأفراد، قادر على هزيمة ثلاثة جيوش في كل من العراق وسورية والبشمرجة، بل ومن خلفهم قوى مؤثّرة مثل الميليشيات الشيعية العراقية وحزب الله لبناني؟

تكبّد الجيشان العراقي والسوري خلال الأشهر الأخيرة خسائر جسيمة، وسقطا فريسة سهلة في كثير من الأحيان لتنظيم "داعش"، الذي بات يسيطر على مساحات واسعة في العراق وسورية، ويتحوّل من دولة افتراضية إلى واقعية، كما تمكنت داعش من السيطرة على محافظة الرقة كاملةً، وهزيمة قوات الأسد في مطار الطبقة العسكرية وأسر مئات الجنود وذبح أعدادٍ كبيرة منهم.

بالطبع، كما ذكرنا سابقاً، هنالك قوى إقليمية ودولية حاولت التلاعب بهذا التنظيم وتوظيفه بما يخدم أجندتها، لكنّ السبب المباشر الرئيس يتمثّل بكلمة السرّ الوحيدة وهو "القلق السُنّي" العميق، أو الذي عبّرت عنه الكاتبة الصحافية ديبورا آموس في كتابها المهم "أفول السنّة"، فمنذ ثلاثة سنوات تقريباً بدأ الشعور السني بتهديد وجودي هويّاتي لهم يرتفع ويصل إلى حدود كبيرة، مع فشل العملية السياسية في العراق وإمساك المتعصبين الشيعة بمقاليد السلطة، مع هجرة ملايين السنة العراقيين خلال الأعوام الماضية من العراق، وأغلبهم، كما ترصد ديبورا آموس، من الطبقة الوسطة المهنية المتعلمة، التي كانت تشكل العمود الفقري للخبرة التكنوقراطية العراقية في العقود السابقة، ولا يختلف الحال في سورية كثيراً مع حرب الإبادة والتهجير لهم، إذ نتحدث عن مئات الألوف من القتلى والمعتقلين أو المختفين قسراً، فضلاً عن الحالة اللبنانية التي أنتجت ظاهرة أحمد الأسير ردّاً على الشعور بتغول حزب الله على المعادلة السياسية والأمنية هناك.

تنظيم "داعش" عاد اليوم في العراق وسورية أقوى كثيراً حتى من المرحلة الذهبية السابقة، خلال زعامة أبي مصعب الزرقاوي له، قبل أن يتآكل بسبب الصحوات وانقلاب المجتمع السني عليه. فالتنظيم اليوم حصد واستثمر جيداً في سياسات رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي الطائفية العدائية تجاه السنة، وإصراره على تهميشهم وإقصائهم من النظام السياسي الجديد، ومن صمت المجتمع الدولي وعجزه عن إيجاد حلول للأزمة الإنسانية الكبيرة في سورية، ما خلق وحش داعش الذي استطاع أن يملأ الفراغ الاستراتيجي في هذه الدول الثلاثة ويمتلك حاضنة سنيّة، قبلت به اضطرارياً، لا اختيارياً..

من المفيد التذكير هنا بأنّه منذ العام 2008 إلى العام 2010، نجحت النخبة السياسية السنية في إقناع المجتمع السني بعدم ارتداء ثوب "القاعدة"، والعمل على الاندماج في النظام السياسي الجديد، والمشاركة مع القوى الشيعية في بنائه. وانحسرت "القاعدة"، وتركت السلاح أغلبية الفصائل المسلحة، ومن بينها الإسلامية، مثل الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وغيرهما، وتوجهوا نحو العمل السياسي واليومي. وبرزت فكرة الصحوات لتحجيم "القاعدة" وطردها من المناطق السنية. إلاّ أنّ الوعود الأميركية الزائفة، وسياسات المالكي المتراكمة وإصراره على تدمير تلك النخبة السياسية السنية، ثم الحملة العسكرية الدموية التي قام بها على انتفاضة الأنبار، كل ذلك لم يكن إلاّ المفتاح الذهبي لهجرة معاكسة وبصورة أكثر فعالية وحضوراً وتأثيراً إلى "داعش" والعمل المسلّح.

عدنا إلى مربع الصراع الدموي الطائفي. وهو ما لا يمكن مواجهته من قبل أي جيش، حتى لو عاد الأميركيون إلى العراق؛ فهناك حاضنة سنيّة نمت مرّة أخرى وتكوّنت في العراق، بالتوازي مع انتشار "داعش" ونفوذه في سورية في أوساط سنية، وتمكّنه من الصمود والبقاء بالرغم من صدامه مع شقيقته "جبهة النصرة" التي تمثل "القاعدة" هناك، و"الجبهة الإسلامية"؛ إذ يسيطر "داعش" اليوم على أجزاء كبيرة من دير الزور والرقة شرق سورية وشمالها.

أخطر ما في الأمر أن هذا الفراغ السياسي الكبير في العراق وسورية ولبنان، وحالة الإحباط واليأس والخوف والشعور بتهديد الهوية لدى السنّة في هذه المناطق، سيجعل من هذا التنظيم بمثابة العنوان السياسي الجديد لهم، وهو السبب الرئيس الذي يفسّر صعوده وانتشاره وتمدده في الأشهر الأخيرة، ما لم تبدأ حلول سياسية عميقة جوهرية للأزمات الثلاث المترابطة في المنطقة في العراق وسورية ولبنان، وتفتح آفاقاً من الأمل والحل السياسي والشعور بالأمان لدى ملايين السنة، الذي يواجهون القلق والخوف والفراغ السياسي الاستراتيجي!

إذا انتقلنا إلى الأسباب العامة التي تمثّل الشروط الجوهرية المفتاحية لتفسير صعود داعش، فتتمثل باختصار بكلمة واحدة بـ"أزمة الدولة القطرية العربية"، وبعبارةٍ أدقّ فشل هذه الدولة وعجزها في التنمية والإصلاح وتحقيق الرفاه الاجتماعي، وغياب الديمقراطية، وتآكل شرعيتها بسبب الفساد المتجذّر فيها، وهي الأسباب التي وُلد في رحمها جنين الربيع العربي، ثم جاءت الانتفاضات الشعبية لتمثّل بارقة أمل جديدة للشعوب والمجتمعات العربية، لكنّ الثورة المضادة وإصرار النظام الإقليمي العربي، بتواطؤ مع الولايات المتحدة والغرب على وأد حلم جيل واسع من الشباب يعاني من القهر والبطالة والفقر والقلق في تحقيق اختراق لهذا الواقع المتردي، فما حدث في مصر عزّز ورفد ما يحدث في سورية والعراق وكثير من الدول العربية من مشاعر السخط والغضب والإحباط.

كانت النظم العربية الفاعلة تراهن على إفشال الثورات الشعبية، وعملت من وراء ستار على دعم الانقلاب في مصر، ومحاولة استنساخ نماذج مشابهة في كل من تونس وليبيا، لكنّ ما تعد به هذه الأنظمة الشعوب العربية هو العودة إلى مرحلة ما قبل الربيع العربي، أي إلى حضن هذه الأنظمة، من دون أن تدرك أنّها أصبحت مستهلكة ومستنزفة، وغير قابلة للحياة.

الأنظمة السلطوية جرّت بعد عقود من تراكم الأخطاء والخطايا على الشعوب هزائم عسكرية وأمراض إدارية وثقافية، وانهيار المنظومات الوطنية الجامعة، وتضعضع القيم الأخلاقية والثقافية، وتراجع مستويات التعليم والعنف الاجتماعي والفوضى وانتشار الجرائم والمخدرات والعشوائيات وفشل التنمية الاقتصادية، وضغوط سكانية واقتصادية، لم تنتج إلاّ القاعدة والإجرام وآخر مخرجاتها النسخة الجديدة من التطرف؛ داعش!

في مقابلة توماس فريدمان مع الرئيس أوباما مرّت جملة مهمة وبنيوية، عندما قال " أعتقد أن ما نشهده في الشرق الأوسط وأجزاء من شمال أفريقيا هو بداية انهيار منظومة تعود إلى الحرب العالمية الأولى"، فهذه الجملة تختزل، فعلاً، ليس فقط قضية داعش، بل ما تشهده المنطقة من أزمات الهوية وتفكيك المنظومات الوطنية، فمقارنة الأرقام والمؤشرات في الاقتصاد والديمقراطية والسكان والفساد والبحث العلمي، كل ذلك سيشرح لنا؛ لماذا ظهرت داعش؟!

-3-

داعش والقاعدة: الأشقاء الأعداء!

السؤال الثالث: هل الخلافات بين القاعدة والنصرة من جهة وداعش من جهة أخرى تكتيكية وثانوية أم لها جذور أيديولوجية وتاريخية؟

بالرغم من أنّ الخلافات الراهنة بين القاعدة وتنظيم داعش انفجرت مع المشهد السوري إلاّ أنّ جذورها تعود إلى مرحلة سابقة، وتحديدا لحظة انضمام أبي مصعب الزرقاوي إلى القاعدة ومبايعته أسامة بن لادن (في العام 2004)، إذ اتسم منهج الزرقاوي بأنّه يقع في أغلب تفاصيله على يمين القاعدة، من زاوية التشدد الديني والمواقف السياسية الصلبة.

تطوّر اتجاه الزرقاوي، لاحقا، في المشهد العراقي، وانتقل إلى تسويغ الدخول في صدام مع القوى والفصائل الإسلامية الأخرى مثل كتائب ثورة العشرين والجيش الإسلامي.

ولم يؤدِّ مقتل الزرقاوي في العام 2006 إلى تراجع منهجه، إذ التزمت أولا القيادات الجديدة، مثل أبي حمزة المهاجر وأبي عمر البغدادي بالمنهج نفسه، وبقيت أمينة على ميراث الزرقاوي، كما هي حال أبي بكر البغدادي اليوم، وثانيا بدأ هذا المنهج يجد له أنصارا ومؤيدين ومتأثرين في أنحاء مختلفة من العالم، إذ ارتبط بالهالة التي أحاطت بنجاح الزرقاوي السريع في العراق.

تكشف الوثائق التي أفرجت عنها السلطات الأميركية بعد مقتل أسامة بن لادن (في أبريل/نيسان 2011)، وكانت قد حصلت عليها من وثائقه الشخصية عن وجود تذمّر وعدم ارتياح لديه ومعه القيادة المركزية من أداء أبي مصعب الزرقاوي وتنظيمه في العراق، وهو ما دفع بن لادن إلى فتح باب النقاش في المراجعات مع مفاتيح فكرية وفقهية في القاعدة على نطاق ضيّق، منذ نهاية 2006 (أي غداة مقتل الزرقاوي) إلى الأيام الأخيرة عشية مقتل بن لادن في 2011.

بالرغم من الشعور بالقلق لدى قيادة القاعدة فقد كان جليّا أنّها تجنبت تماما إظهار أي نوع من الاختلاف والخلاف مع الزرقاوي، واكتفت بالنصائح والوساطات في القنوات السريّة الضيّقة، وتجنّبت إبداء أي موقف عندما وجّه أبو محمد المقدسي (الشيخ الروحي للزرقاوي) رسالة نقدية واضحة لسلوك الأخير ومنهجه، وعنونها بـ"الزرقاوي: مناصحة ومناصرة"، مما أثار غضب أتباع الزرقاوي وأدى إلى انقسام التيار في الأردن بين مؤيدي المقدسي ومن أُطلق عليهم إعلاميا مصطلح "الزرقاويون الجدد"

بقيت الخلافات بين القاعدة المركزية والزرقاوي مسكوتا عنها في أروقة القاعدة وأوساط التيار الجهادي، فمن الواضح أنّ الزعيم السابق للقاعدة تجنّب الاصطدام بالزرقاوي، حينما كان نجم الأخير صاعدا، فيما تعرضت القاعدة المركزية لحرب أمنية عالمية قاسية، دفعت بقياداتها إلى الاختفاء واحترازات أمنية مشددة.

خلال الثورة السورية، بدا واضحا أنّ التنظيم الجديد المرتبط بالقاعدة (جبهة النصرة) ينمو بهدوء وراء الأضواء، ويتجنب الإعلان عن انتمائه للقاعدة ولا يصطدم بالفصائل المسلّحة الأخرى، ويمثّل نموذجا مختلفا عن التنظيم الذي ولدت فكرته في أحشائه، أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، ولم يعلن الجولاني عن بيعته للظواهري إلاّ في أبريل/نيسان 2013، بعدما كشف أمير الدولة، أبو بكر البغدادي، عن فكرة الجبهة وتاريخها، وضمّها لتنظيمه، وهو الأمر الذي رفضته واستبدلته بالالتزام بالولاء للتنظيم الأم، أي القاعدة المركزية.

تطوّرت الخلافات وانحاز الظواهري إلى الجولاني، وتحوّلت السجالات الإعلامية والفكرية وعملية الاستقطاب في أوساط السلفية الجهادية إلى عداوة شديدة بين الفرقاء، وصلت إلى معارك طاحنة في سوريا، واغتيال للقيادات، واتهامات عميقة تكشف بأنّ حجم الفجوة بين الطرفين أصبح كبيرا، فلم تنجح أغلب الوساطات من الشخصيات المحسوبة على التيار والمقرّبة منه في ردمه!

يمكن اختزال هذه الخلافات بالقول إنّنا أصبحنا أمام منهجين ومدرستين: الأولى تمثلها جبهة النصرة، التي تعكس منهج القاعدة بعد المراجعات الأخيرة، ما يختصره الدكتور إياد القنيبي، أحد أبرز المنظّرين في هذه الأوساط، بوصفه الجبهة بـ"التيار التجديدي داخل القاعدة"، بينما تنظيم الدولة الإسلامية هو امتداد للزرقاوي ومنهجه الأيديولوجي بما يمثّله من مرحلة جديدة في القاعدة نفسها، لكنّه يقف على الطرف الأيمن (الأكثر تشددا وأدلجة)  من القيادة المركزية.

كما يعكس صعوده طبيعة التحولات لدى الجيل السلفي الجهادي الجديد، الذي أصبح أكثر تشددا وعنفا في تبني رؤيته ومحاولة فرض هيمنته وسيطرته والتمادي في العداء مع كل المخالفين، حتى ممن يتبنون الرؤية الإسلامية.

بالضرورة ثمّة معالم رئيسة للاختلاف بين الاتجاهين أو التيارين الجهاديين اليوم، فالقاعدة بعد المراجعات أصبحت أكثر حرصا على عدم الاصطدام بالمجتمع المحلي وعدم التوسّع في التكفير مع المخالفين، والتركيز على الصيغة العالمية للصراع مع العدو القريب المتزاوج بالعدو البعيد (أي ضد تحالف الأنظمة العربية بالولايات المتحدة الأميركية)، بينما تنظيم الدولة الإسلامية يرى ضرورة فرض سيطرته وهيمنته على المناطق التي يسيطر عليها.

وقد بدا أكثر صرامة وحسما في الصدام مع المخالفين، حتى من الإسلاميين، تحت وطأة تجربته مع "الصحوات في العراق"، والأهم من هذا وذاك الإغراق في البعد الطائفي من الصدام والصراع مع إيران والقوى الشيعية.

***

يقف عاملان رئيسان وراء انفجار الخلافات الأخيرة في القاعدة، وما يمكن أن ينجم عنها مستقبلا:

العامل الأول يتمثل بمقتل القيادات الكارزمية والمؤثّرة، فغياب شخصية بحجم أسامة بن لادن، ترك فراغا كبيرا، وبالرغم من أنّ الظواهري يمتلك حضورا كبيرا في أوساط القاعدة، إلاّ أنّه لا يحظى بالمستوى العالي من التوافق والقبول، الذي كان يميز سلفه الأول.

غياب الزرقاوي، أيضا، فاقم الصراع، إذ بالرغم من وجود إرهاصات وجذور للتباين بين منهجه ورؤية بن لادن، إلاّ أنّ ذلك بقي محدودا ومسكوتا عنه، ولم يخرج إلى السطح إلاّ بعدما رحل الاثنان بن لادن والزرقاوي، ومعهما قُتلت أيضا قيادات مهمة وفاعلة كانت تلعب دورا وسيطا بين القيادة المركزية والفروع، مثل أبي يحيى الليبي وجمال المصراتي (الملقب بعطية الله) خلال السنوات الماضية.

أمّا العامل الثاني فيكمن في التحوّل في طبيعة تنظيم القاعدة نفسه، وانتقاله من الصيغة التنظيمية الصلبة والعلاقة الهرمية في تصميم العمليات وتنفيذها قبل 11 سبتمبر/أيلول إلى الصيغة الشبكية الفضفاضة، وإعادة هيكلة العلاقة بين القاعدة والمجموعات الجديدة التي بدأت تظهر منذ ذلك الحين، لتصبح القاعدة نفسها أشبه بـ"رسالة سياسية" مثل العلامات التجارية، تعتمد على الفكرة والأهداف لا التنظيم.

وقد أدّى ذلك أيضا إلى تزايد كبير في الاعتماد على شبكة الإنترنت والعالم الافتراضي في التجنيد والتواصل، وبدأ يظهر ما نسميّه "الجيل الثالث" من القاعدة في السنوات الماضية، الذي لعبت الإنترنت دورا حيويا ومهما في صعوده.

بالرغم من هذه النقلة النوعية في عمل القاعدة وتوسّعها وانتشارها إلاّ أنّ الصيغة الجديدة لم تكن لتمرّ من دون ثمن باهظ أيضا، وهو ضعف المركز وقوة الأطراف، وبروز الخلافات بين الاتجاهات والجماعات والتصوّرات المختلفة لدى الفروع من جهة والمركز من جهة أخرى، طالما أنّ الحلقة المركزية الصلبة في حالة من الضعف والحصار.

صحيح أنّ هنالك رسالة مركزية واحدة إلاّ أنّ هنالك، أيضا، خلافات وتباينات فكرية وشخصية بين القواعد المتعددة، وطالما أنّ القيادة المركزية لن تتخلص من حالة الحصار الراهن، وستبقى ملاحقة ومحدودة الحركة، فإنّ ذلك سيفتح بابا واسعا للاختلافات في المستقبل وسيوسّع المسافة بين المركز والفروع من جهة، والفروع نفسها من جهة أخرى، وفي حال خرج الظواهري من المشهد فإنّ ذلك سيدفع إلى مزيد من التراجع في دور القيادة المركزية ويعزّز من الانقسامات والخلافات الراهنة

-4-

هل نحن، حقّاً محصنون؟!

السؤال الرابع؛ هل ثمّة حاضنة اجتماعية في الأردن لداعش، أو بعبارةٍ أدق؛ هل نحن محصنّون من خطر داعش؟!

بدا واضحاً أنّ المسؤولين الأردنيين تجاوزوا حالة الإنكار والتجاهل لصعود التيار والمجموعة المؤيدة لتنظيم الدولة الإسلامية في الأردن، خلال الأشهر القليلة الماضية، وباتوا يدركون أنّ هذا التيار يتضاعف في حجمه، بعدما أقرّت تقارير أمنية عرضت على أعلى المستويات بهذه الظاهرة، ونجم عن ذلك تشكيل لجنة لدراسة أسباب التطرف واستراتيجيات علاجه المقترحة (طبعاً لن نراهن عليها كثيراً؛ ربما تكون هذه اللجان أحد أسباب صعود داعش وانتشارها، لأنّها من أسباب اليأس والإحباط في الشارع الأردني!).

على أيّ حال لا نملك إجابات دقيقة ومحدّدة عن حجم التيار الجهادي، وبصورة خاصة أنصار داعش في الأردن، إذ لا نتحدث عن مؤسسات أو أحزاب ومنتسبين رسميين، بل عن حالة هلامية متشعبة. لكن المؤشرات الرئيسة تشير إلى أنّنا أمام تيار لا ينمو فقط في أحشاء المجتمع، بل يتضاعف بصورة ملحوظة. وتكفي المقارنة بين تقديرات حجم التيار قبل أعوام؛ إذ كان العدد التقريبي يتراوح ما بين 1200-2000 شخص في أقصى تقدير، فيما نتحدث اليوم عما يقارب 2000-2500 شخص في ساحات القتال في سورية فقط، أغلبهم منقسمون ما بين "جبهة النصرة" و"داعش". وهناك مئات إما محكومون أو أمام القضاء على خلفية قضايا مرتبطة بهذا التيار، فضلاً عن أعداد كبيرة في المجتمع المحلي؛ أي إنّنا نتحدث عما يزيد على 5000 شخص فاعلين ومتحركين ضمن إطار هذا التيار.

الخطورة لا تقف عند حدود هذه الزيادة الملحوظة في أعداد المنتسبين لهذا التيار، وتحديداً للاتجاه الداعشي فيه، بل تظهر أيضا في أنّ الظروف الإقليمية والمحلية، وما نشهده من صراعات طائفية هوياتية، وانهيار للعملية السلمية، واستبعاد للإسلام السياسي ذي النسخة المعتدلة، كل ذلك يجذّر هذا التيار، ويمده بشروط الحياة والنمو والصعود، ويدفع بمزيد من الشباب إلى أحضانه.

وفي حال نجح تنظيم الدولة الإسلامية في البقاء والاستمرار في العراق، بعد النجاحات العسكرية التي حققها، فإنّ خطورته الرئيسة لا تكمن في القلق من محاولات اقتحامه الحدود، أو القلق من استهدافه للمصالح الوطنية الأردنية، بل مما يقدمه من "نموذج" يمثل القوة والصلابة والنجاح العسكري، مع مداعبة خيال الشباب الراديكالي؛ ما يخلق مجالاً أوسع للتجنيد واستقطاب الغاضبين والمحبطين واليائسين من الشباب الأردني، وسحب البساط ليس من تحت أقدام الإسلاميين "المعتدلين" فحسب، بل وحتى شيوخ التيار الذين يؤيدون "النصرة" ويقفون ضد "داعش"!

ما يدفع إلى مضاعفة حجم القلق لدينا، هو أنّ نوعية الشباب الذين ينتمون إلى التيار السلفي الجهادي، بشقيه الداعشي والمقدسي، قد اختلفت، وأصبحت أفضل من الناحية العلمية والاجتماعية؛ فهناك اليوم أساتذة جامعات ومعلمو مدارس متميزون وطلبة جامعات ومهندسون وأطباء ومحامون وسياسيون ينشطون مع هذا التيار ويؤمنون بأفكاره، وإن كانوا ينقسمون بين الاتجاهين المعروفين!

بالضرورة، تساهم الأحداث في العراق وسورية في تحسين شروط البيئة المنتجة لهذا التيار في الأردن، وقد شهدنا قفزات كبيرة في حجمه بسبب هذه الأحداث. لكن البيئة الداخلية هي التي تمثّل المفتاح الحقيقي له، بخاصة حالة الإحباط واليأس والاحتقان الاجتماعي، وانهيار الطبقة الوسطى، وتراجع مشروع الإصلاح السياسي الذي يتيح للتيار الإسلامي المعتدل المشاركة الفاعلة وبناء حالة من التوازن والردّ العملي على خطاب التيار السلفي الجهادي وحججه الفكرية.

ما يؤكّد هذه القضية هو المساحة الواسعة التي ينتشر فيها هذا التيار من محافظات المملكة. فبالرغم من أنّ الصيت الكبير له يأتي اليوم من معان والسلط، إلاّ أنّ المساهمة الكمية الحقيقية في الزرقاء والرصيفة، فيما أصبح مخيم اللاجئين في إربد مورداً مهماً جديداً، بالإضافة إلى عمان الشرقية. فنحن نتحدث عن البيئات والمناطق التي تشعر بالتهميش والفقر والحرمان وغياب العدالة بدرجة رئيسة، سواء كانت ذات جذور أردنية أو فلسطينية؛ بمعنى أنّ جذور التيار الرئيسة تنبت في قلب الأزمة الوطنية!

يبقى السؤال المركزي؛ هل ثمّة حاضنة اجتماعية لهذا الفكر والتيار في الأردن؟ الجواب بوضوح: لا، ليس بعد، وأقول: ليس بعد، لأنّ الأردن بات يتوافر على بيئة منتجة لهذا التيار، في العديد من المحافظات، بينما ثمة إرهاصات لتشكّل هذه الحاضنة في بعضها الآخر.

الفرق، أيها السادة، من وجهة نظر، بين البيئة المنتجة لهذا التيار والحاضنة الاجتماعية له، يتمثّل في أنّ البيئة المنتجة له توفر الشروط المناسبة للصعود والانتشار لأبناء هذا التيار وهذا الفكر، لكنّها لا تمنحهم شبكات حماية وأمان، أمّا الحاضنة الاجتماعية فهي توفر لهم شبكة أمان وتحالفات محلية تجعل من مسألة اجتثاثهم ومواجهتهم أكثر تعقيداً، وقد تؤدي إلى اشتباك مع المجتمع المحلي، كما هي الحال في العراق وسورية واليمن وسيناء وبعض المناطق الأخرى!

-5-

آفاق المستقبل أم "بلا آفاق"!

تنتاب كثير من الشعوب العربية حالة من الخوف والهلع من صعود هذا التنظيم، وهو بما يحمله من أفكار متطرفة مغلقة ومن سلوك عصابي مريض ممزوج بشهية الذبح والقتل والتعذيب، يستحق فعلاً منّا ألا نقلق فقط، بل أن نفكر عميقاً ومليّاً في هذا الوحش الذي وُلد بين أضلعنا، وألا نتهرب عن مسؤوليتنا نحن في إنتاجه؛ لكن الأهم من هذا وذاك ألا ننظر له وكأنّه كائن منفصل خارج السياق، فهو ابن شرعي لحالة الانهيار العامة التي نمرّ بها انهيار المنظومات الوطنية والأخلاقية والتعليمية، والحروب الأهلية الداخلية وأزمات الهوية، وفشل الدولة القطرية، والأزمات الاقتصادية من البطالة والفقر والسياسية من غياب العدالة الاجتماعية وفشل منظومة القانون، أي أن ندرك تماماً أنّه نتيجة ومخرجات لأسباب موضوعية وذاتية.

الملاحظة الثانية التي من الضروري أن ندركها، أيضاً، ونحن نتحدث عن داعش، تتمثل في أنّ العامل السيسيولوجي لا الأيديولوجي هو الأساس، بالرغم من أنّنا لا ننكر وجود التغذية الفكرية وأهميتها في بناء هذا التيار، لكن الأهم هو أنّه ناجم عن الظروف الواقعية الراهنة، وعلى حدّ تعبير الزميل حازم الأمين في مقالة له عن سيرة انتحاري لبناني "فتّش عن السيسيولوجيا لا الأيديولوجيا".

في مؤتمر عُقد، مؤخراً، في مؤتمر إقليمي، عُقد أخيراً في عمّان (بدعوة من مؤسسة فريدريش أيبرت الألمانية)، حول "صعود الراديكالية الإسلامية"؛ توافق أغلب المشاركين من خبراء الحركات الإسلامية وعلم الاجتماع على تعريف هذه الحركات والجماعات، بوصفها حركات احتجاجٍ اجتماعيٍ بأيديولوجيا دينية. وتكمن المفارقة التي وصل إليها الخبراء في المؤتمر الإقليمي المذكور (أسباب صعود الراديكالية الإسلامية)، في أنّ البيئة الاجتماعية (في دول مثل الأردن ومصر والمغرب ولبنان) التي تنتج المخدرات والجريمة والعنف الاجتماعي والتمرّد على القانون هي نفسها التي ينتشر فيها وينمو هذا التيار.

الملاحظة الثالثة هي أنّ "جرثومة" فناء هذا التنظيم قابعة في بنيته الأيديولوجية والذاتية، فهو ليس "ابن عيشة"، فبالرغم من أنّه تمكن من الحصول على حاضنة اجتماعية في العراق، وسورية، وبعض المدن والمناطق العربية، إلاّ أنّ المجتمعات لا تستطيع التكيف معه، وسوف تبحث عن أقرب نقطة خروج للتخلص منه، إنّما في ظل الظروف الحالية وما يملكه من آلة قتل وتدمير وفتاوى جاهزة لمواجهة أي احتجاجات، كما حدث في دير الزور وبعض المدن العراقية، فإنّ سلاح الرعب والخوف هو الذي يملكه التنظيم، ويحسن استخدامه بما يبثه من دعاية إعلامية ضخمة صحيح أنّها تقدم صورة سلبية عنه، لكنّها في الوقت نفسه تخدم فكرته الرئيسة التي عبّر عنها في شريطه الجديد عن مطار الطبقة العسكرية بعنوان "فشّرد بهم من خلفهم"، أي استثمار هذه الصورة المروّعة لتحقيق هزيمة معنوية ضد الخصوم.

الملاحظة الرابعة أي رؤية استراتيجية لمواجهة هذا الفكر والتنظيمات من الضروري أن تتعامل مع المدخلات والشروط قبل التعامل مع المخرجات، سواء كان الحديث عن التنظيم في العراق وسورية فالحل سياسي بالأساس، وفي الدول والمجتمعات الأخرى يكمن في المضي في طريق الإصلاح العام وترسيخ الديمقراطية وثقافة التعددية وقيم المواطنة والقانون، فهي الأفق المستقبلي، أمّا داعش والدكتاتورية فهما صنوان ويعدان بمستقبل بلا أي أفق! 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شعب حرق بنار الطائفية والاستيداد لا يمكن ان يلجأ للتطرف والاستبداد (د. ابراهيم رواشده)

    الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014.
    اضافة لما ذكر في التعقيب السابق اود ان اضيف الى ان القهر والتطرف والاستبداد يولد فصائل مقاومة حقيقية يمكن ان تتحول الى فصائل مسلحة لحماية حقها في الحياة والتغيير الا انها لا يمكن ان تستعمل السلاح ضد الهوية العرقية او المذهبية . ولنا في فصائل المقاومة الفلسطينية خير مثال والثورة الليبية على الطليان والجزائرية والسورية وغيرها والمصرية القديمة والحديثة
  • »شعب حرق بنار الطائفية والاستيداد لا يمكن ان يلجأ للتطرف والاستبداد (د. ابراهيم رواشده)

    الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014.
    شعب حرق بنار الطائفية والاستيداد لا يمكن ان يلجأ للتطرف والاستبداد كعلاج لجراحه من التطرف والاستبداد . شعوب متعطشة للتغيير نحو التعددية والمدنية لا يمكن ان تكون رحما لمولود متطرف . التطرف والاستبداد مولود غير شرعي للشعوب المضطهدة بالتطرف والاستبداد . ولن تسمح تلك الشعوب باستبدال انظمة وظيفية مستبده بانظمة شمولية ايدلوجية متطرفة . والمتابع لرموز الممانعة والمقاومة في امة الاسلام ( الاعداء المفتعلين لاسرائيل ) يعي تماما لماذا مازالوا على قيد الحياة يمارسون بغاءهم السياسي على الشعوب فيما احمد ياسين تم تصفيته وهو مشلول لا حول له ولا قوة لانه رفض دخول حماس اللعبة السياسية بدخول الانتخابات . هذا الفصائل المتطرفه خلقت لضرب الوسطية وتشوية صورة الدين الاسلامي من جهة ولاثبات وجهة نظر زعماء العرب بان تلك الشعوب ما زالت غير مؤهلة لحكم نفسها بنفسها وان لها ميول متطرفة وعدائية تجاه الغرب واخر تحليل لحمزة منصور يصف الاردنيين بانهم يعتبرون التعاون مع امريكا لانه رجس من عمل الشيطان ليؤكد همجية وتطرف الشعب .
    اعتقد ان الكاتب اخطأ فيما توصل الية وليس من حقنا تشويه ضمير امة متعطشه للتحول نحو التعددية والمدنية .
  • »اعتذر من تحليلك يا استاذ ابو رمان (almofakerr ب.ابو الشعر)

    الخميس 4 أيلول / سبتمبر 2014.
    بعض اﻻفكار المطروحة في المحاضرة غير مكتملة البناء وايضا نلاحظ التوجة الفكري المنصب في اتجاه ايصال معلومات وانذارات مضخمة عن التنظيمات المتطرفة ارجو العلم ان هذه التنظيمات ليست سوى فقاعه وستنتهي عندما تواجة قوات او حتى عشائر منظمة ومسلحة فهي التنظيمات اجبن من تواجه رجال انهم يظهرو همجية ووحشيه على اناس مساكين وضعفاء وكل اعمالهم الوحشيه القذرة للترهيب ﻻ غير ﻻنهم جبناء يتمرجلون على اطفال ونساء والضعفاء من الرجال ولكن عندما بواجهو رجاﻻ ومسلحيين فانهم يفرووون ويختبئوا في جحورهم يرجفون من الخوف تاكد يا اخي من خلال متابعة مسارهم وطريقة تفكيرهم المتخلف فليس لديهم اي تكتيات او مفاهيم او علم او ثقافة انت تتعامل مع جهلة مجرمين مطلوبيين متخلفين وعاهات فقط انزع سلاحه من يده بصبح مرتعب يترجى ويولول هؤلاء التنظيمات الارهابيه عصابات عشوائية ﻻ يعلمون ماذا يريدون وﻻ ماذا يفعلون وﻻ هم من البشر هم بلا عقوول وبستبيحون كل المحرمات التي حرمها الله تعالى هم ﻻ بتعدوا ان يكونوا فصيل واخرتهم قد اقتربت كثيرا كثيرا