هدى حمد.. قاصة تحول يوميات الحياة إلى مادة جذابة

تم نشره في الجمعة 12 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً

بيروت- في رواية "التي تعد السلالم" للكاتبة العمانية هدى حمد تثبت أنها قاصة مدهشة تكتب بطريقة سردية مميزة إذ أنها تحول كل ما تتناوله ولو من يوميات الحياة العادية إلى مادة جذابة تشد القارئ إليها لتبدو له في أهمية الأمور المصيرية أو بعضا منها.
قدرة هدى حمد على وصف الحوار مع خادمتها والأحداث التي تدور في علاقتهما اليومية وعلى تحويل كل ذلك الى أمور مهمة وجذابة تبدو قدرة لا نجد ما يماثلها إلا في القليل من الأعمال السردية العربية حاليا.
ولعل رواية هدى حمد الأخيرة هذه من الأعمال القليلة التي تتناول بعمق وجاذبية وإيحاء العلاقة بين العمالة الأجنبية -وهي هنا الخدم- واهل البلدان التي يعملون فيها -وهي في الرواية تراوح بين دولة الامارات العربية المتحدة وسلطنة عمان- وتركز على حياتهم في السلطنة. وهي تمثل كذلك غورا في النفس البشرية من حيث علاقة الانسان مع الآخرين وهم هنا هؤلاء الذين صنفوا بأنهم حضاريا او عرقيا في درجة أقل من درجته.
والرواية أيضا تلقي ضوءا على مسألة قديمة ترقد في الذاكرة والوجدان هي مسألة العبودية وتجارة الرقيق والعلاقات القديمة بين سلطنة عمان وزنجبار وتحول الأمر إلى ثورة وقتل وتهجير للعمانيين.
جاءت الرواية في 271 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار الآداب في بيروت.
تتناول الرواية علاقة "زهية" زوجة عامر الفنانة التشكيلية التي درست في كلية الفنون الجميلة في القاهرة بالخادمات الأجنبيات اللواتي عملن لديها. عامر مهندس في شركة للنفط وهو يكتب قصصا قصيرة ويعمل منذ صغره على كتابة رواية استمر في تجميع موادها. انه يحن الى معرفة والدته.
اما زهية فهي ذات نظرة متعالية على الخادمات الاجنبيات لا تدخلهن في عالمها ولا تريد ان تعرف شيئا عن عالمهن وهمومهن ومشكلاتهن. استخدمت العديد منهن وبينهن الفلبينية والاندونيسية والسريلانكية. اخرهن السريلانكية التي تركت العمل لديها بعد سنوات من الخدمة بسبب برودة علاقتها بها.
تقول زهية مثلا "الخدم هم الخدم. لا يمكننا ابدا ان نستأصل رغبتهم في زوال نعمنا او انتقالها اليهم شئنا أم أبينا. حتى وان انحنوا لنا وابتسموا وابدوا الاحترام العارم. عامر لا يصدقني. يفرح قلوبهن الصغيرة بكلامه المهذب.. ببعض المال في جيوبهن. يستمع اليهن.. يحكين له عن قرف حياتهن وعامر طفلي الصغير الذي لم يكبر بعد يصدقهن ويقلق عليهن".
الخادمة الاخيرة كانت "فانيش" الاثيوبية بقصة حياة فقر أهلها الحزينة وما تعرضت له من عذاب حين جاؤوا بها الى الخليج كأنها واحدة في قطيع من المواشي. اضطرت الى ترك دراستها الجامعية لأن أزمة حلت بوالدها فأفقرته. كانت مهذبة ونظيفة ومثالية في تصرفها ولديها احترام لنفسها ولكن كل ذلك وصفته زهية بانه خدعة وتمثيل واستمرت العلاقة قاسية باردة مع الخادمة.
يدخل في جو القصة ما يبدو قادما من فانتازيا خيالية غريبة. الخادمة باكية تشكو لسيدتها -التي ترفض في البداية الاستماع اليها- من انها تحلم اكثر من مرة بامرأة تنتحر في هذا البيت. تستخف سيدتها بالحلم وتزجرها. لكن الغريب في الامر هو ان زهية نفسها بدأت تشاهد هذه المرأة المنتحرة في أحلامها. لم تخبر خادمتها بالأمر. قامت بالتدريج برسم صورة المرأة المنتحرة في لوحة جدارية رسمتها في غرفة بالمنزل. صدفة رأتها الخادمة فاستغربت وخافت لانها عرفت فيها المرأة المنتحرة.
عندما أكملت زهية رسم صورة المرأة صارت ترى فيها شيئا من قساوة وجهها هي وتعابيره. وبعد ذلك رأت فيها بعض قسمات أمها الصارمة التي كانت تؤنبها وتسكت عن ضرب أبيها لها وهي طفلة. شكها في الخادمة جعلها تسرق دفتر مذكراتها لتعرف أسرارها منذ صغرها. الا انها لم تجد في المذكرات إلا كل ما هو خير ونبيل.
بدأت محاكمة الذات هنا. في غور نفسي جميل مؤثر يبدو لنا ان تلك الشخصية الباردة القاسية اي شخصية زهية هي التي "انتحرت" اذا صح التعبير لتحل محلها شخصية تحولت بعد محاكمة للذات الى انسان طيب نبيل. ولعلها لم تتحول بل كشفت عن الانسان الطيب النبيل الذي كان راقدا في أعماقها فجاء من يوقظه.
بعد البرودة والقسوة في المشاعر ووضع الخادمة في مكان "بعيد عنا" يجب ألا تتجاوزه لتصل إلى "حدودنا" تحولت الفتاة الأثيوبية المحاصرة الى منقذة لسيدتها.
صادقتها السيدة وصارت تخرج معها الى المطاعم ودور السينما وتستمع إلى كل أمورها وتشتري لها الهدايا. لقد نشأت بينهما صداقة عميقة.
ونتيجة ذلك عادت الحرارة والبهجة الى حياة الزوجين عامر وزهية بعد هذا "الانقاذ".
إنها رواية أسرة وومتعة وعمل سردي نادر في هذه الأيام. -(رويترز)

التعليق