فقدان الأحبة يصيب كبار السن بـ"متلازمة القلب المكسور"

تم نشره في الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • يشعر من يفقد قريبا إلى قلبه بأعراض قد تؤدي إلى الوفاة أحيانا- (أرشيفية)

منى أبو صبح

عمان- لم يحتمل الحاج أبو العبد فراق شريكة حياته أمام عينه إثر حادث دهس أودى بحياتها، فظل طيفها يلاحقه في كل مكان، يحاول الهروب منه دون فائدة، رغم محاولات الأبناء والمقربين من حوله التخفيف عنه، إلا أنه فارق الحياة عقب وفاتها بثلاثة أشهر فقط.
يقول أحد أبنائه “دموع الحزن والأسى لم تفارق عيني والدي بعد وفاة الوالدة، فكان يصحو باكرا ليؤدي صلاة الفجر في الجامع، ولا يكف عن الدعاء لها، ومن ثم التوجه لزيارتها في قبرها وقراءة الفاتحة على روحها الطاهرة”.
ويضيف “لم نعلم أنا وأشقائي أثر فعلتنا عندما طرحنا على مسامعه فكرة الزواج بأخرى، مع العلم أننا غير مقتنعين بذلك، إلا أن نصح الآخرين لنا شجعنا على اتخاذ هذه الوسيلة لتخلصه من آلامه وأحزانه، لكنه  قابلنا بالرفض والاستنكار بل توبيخنا على هذا التفكير”.
وبحسب إحصائية ألمانية تبين أن “القلوب المكسورة” لا تقتصر على الروايات الغرامية فقط، بل توجد أيضاً في طب القلب، ويسمى هذا المرض بمتلازمة القلب المكسور، وتتشابه أعراض هذا المرض مع أعراض الأزمة القلبية، غير أنه ليس خطيرا إلى هذا الحد، وقبيل الإصابة به يكون المرضى في الغالب قد مروا بحدث مؤلم، كوفاة أحد الأشخاص المقربين إلى القلب أو الانفصال عن شريك الحياة.
وتعد أعراض هذا المرض “مخيفة”، حيث تظهر في صورة ضيق بالتنفس وآلام بالصدر وشعور بالغثيان، لذا فلا عجب أن تعتقد النساء اللائي تظهر عليهن هذه الأعراض بإصابتهن بأزمة قلبية في بادئ الأمر، وليس هن فقط اللائي يعتقدن ذلك، فالأطباء أيضا يذهبون إلى هذا الاعتقاد.
ويوضح طبيب القلب بالمستشفى الجامعي بمدينة آخن غرب ألمانيا مايكل بيكر قائلاً “نتائج الفحوصات الأولية التي يظهرها مخطط القلب الكهربائي (ECG) هي النتائج ذاتها الدالة على الإصابة بالأزمة القلبية”، لذا يتم تركيب قسطرة (كما هو معتاد لدى مرضى الأزمات القلبية) لقلب المصابات.
وبعد ذلك يتبين للأطباء أن هذه الأعراض ليست أعراضاً لأزمة قلبية، لأن الدم يتدفق في الشرايين التاجية للقلب بصورة طبيعية، وليس هناك أي أثر لانسداد أو حتى انغلاق، غير أنه يكون هناك جزء من القلب لم يعد يتحرك.
الخمسينية أم عواد ظلت أسيرة الحزن بعد رحيل زوجها، فلم تستطع تقبل فكرة الخروج من المنزل، أو مشاركة الأقارب مناسباتهم وأفراحهم، فعانت حالة نفسية صعبة جدا، لم يتمكن الإطباء إخراجها منها، انتهت بمفارقتها الحياة.
تقول ابنتها “منذ اليوم الأول لوفاة والدي، لم تتردد والدتي يوما من الصلاة والدعاء له، وفي كل جلسة تقول (ليت يومي كان قبل يومه)، رغم إيمانها بالقدر، إلا أن تستطع احتمال فراقه، وللأسف ما زاد الطين بله، أن أشقائي الآخرين لم يقدروا أثر وحدتها وتخلفهم عن زيارتها، فبين الحين والآخر تستذكر عندما يأتون برفقة أبنائهم لزيارتها ووالدهم بالأيام التي مضت”.
وترى ابنة أم عواد أن والدتها لم تستطع التخلص من سيطرة الحزن على قلبها، ففي كل مكان لهما حكاية أو موقف يذكرها به، وأعتقد أن ما زاد حزنها أكثر فأكثر، محاولة أشقائي تجاهل الحديث عنه أمامها”.
كما كسر قلب الستينية ختام بعد وفاة شقيقتها ريهام التي اعتادت العيش معها سنين طويلة في منزل واحد، لم تتزوج أي منهما، فكانت كل واحدة تعني الأم والأب للأخرى، وما إن مضت أشهر قليلة حتى توفيت ختام.
تقول شقيقة ريهام وختام “رغم حزننا الشديد لوفاة ريهام إثر المرض الذي أصيبت به مؤخرا، إلا أن فاجعتنا كانت أكبر بوفاة شقيقتنا ختام التي كانت تتمتع بصحة جيدة جدا، ولم تستجب لمحاولاتنا المتكررة في العيش عند أي فرد من أفراد عائلاتنا”.
وفي هذا السياق يبين الاختصاصي النفسي د. خليل أبو زناد أن طريقة التعامل مع القضايا العاطفية تختلف من إنسان إلى آخر، فالبعض يتحكمون بالصدمات العاطفية التي يصابون بها مثل الفشل في الحب أو الطلاق أو موت قريب، فيما ينهار البعض الآخر تحت تأثير مثل هذه المواقف، الأمر الذي يجعله عرضه لمشاكل صحية جدية.
ويؤكد بأن متلازمة القلب المكسور من بين المشاكل الصحية الجدية التي يواجهها الإنسان، لأنه بعد تعرضه لصدمة أو موقف عاطفي قوي يحدث اضطراب في عمق عضلة القلب، ما يجعله في حالة مماثلة لوضع الذين يتعرضون لجلطة قلبية.
 يلفت استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان إلى أن العلاقة الزوجية هي علاقة وثيقة وهي رباط مقدس والأصل أن يستمر مدى الحياة، بل إن الوفاء للزوج أو للزوجة يستمر حتى بعد وفاة أحدهما، وذلك من خلال الدعاء والذكر الطيب والصدقة وغيرها من الأمور التي يعبر فيها الشخص عن حبه ووفائه للطرف الآخر، وفي بعض الحالات فإن وفاة أحد الزوجين تترك أثرا كبيرا في نفس الآخر وربما لا يستطيع تجاوزه بسهولة ويحتاج ذلك سنوات عديدة.
وهنا يشدد سرحان على أهمية دور الأسرة الكبيرة أو الممتدة في تخفيف هذا الأثر، وذلك بكثرة التواصل مع الزوج أو الزوجة وعدم تركه لفترات طويلة وحيدا واصطحابه أو مرافقته في الزيارات الأسرية والأصدقاء، والعمل على ذكر الطرف الآخر ذكرا حسنا، أو تخليد ذكراه بالتصدق أو إطلاق اسمه على أحد الأبناء أو البنات، والإكثار من تذكيره بالله وبأن الموت حق، فإن أفضل ما يقدمه للآخر هو الدعاء له والتصدق عنه وذكره الطيب حتى يمتد هذا العمل ليس فقط إلى الزوج أو الزوجة بل إلى الأبناء والأحفاد أيضا، وكثير من الأبناء يشعرون بقوة العلاقة بين الأبوين بعد وفاة أحدهما، وذلك بسبب التأثر الكبير الذي ربما ينعكس على حياة هذا الشخص.

muna.abusubeh@alghad.jo

@munaabusubeh

التعليق