نضال منصور

حين شرب البرلمان "حليب السباع"

تم نشره في السبت 20 أيلول / سبتمبر 2014. 11:03 مـساءً

لا أتذكر خلال 25 عاماً منذ عودة الحياة البرلمانية عام 1989 أن انتصرت إرادة النواب في تمرير أي تشريع كما يريدون، وكانت الحكومة دائماً هي الأكثر تأثيراً، واللاعب الرئيسي في صياغة التشريع، وحتى في برلمان 1989 الذي يضرب به المثل في قوة المعارضة، فإن النواب لم يستطيعوا فرض رؤيتهم وموقفهم في قانون محكمة أمن الدولة، ورد مشروع القانون مرتين، ولم ينجحوا إلا بعد التوافق مع الملك حسين رحمه الله، على أن تكون هيئة المحكمة مختلطة "عسكريين ومدنيين"، وأحكامها تخضع للتمييز.
بناءً على هذا التاريخ الحافل استغربت كيف استطاع مجلس الأمة الحالي تمرير قانون التقاعد المدني بالصورة التي يشاؤون ويرغبون رغم ما قيل عن تحفظ الحكومة على مبدأ المساواة براتب الوزير، وسريانه بأثر رجعي، فأين ذهبت أصابع الحكومة وطغيان تأثيرها، وهل تواطأت بتمرير هذا القانون، أم أرادت تعرية مجلس الأمة بشقيه، وإظهاره كيف يكون قادراً على الانتصار إذا كان الأمر يتعلق بمصالحه؟!
ذاكرة الأردنيين ليست من غبار، فحتى أيام ليست بعيدة تراجع النواب عن قرارهم بانتخاب أربعة قضاة أعضاء في المجلس القضائي عند مناقشتهم قانون استقلال القضاء، ولم يأخذوا بتصورات القضاة أنفسهم لقانونهم، ولم يكلفوا أنفسهم عناء العودة لمشروع قانون استقلال القضاء الذي عمل عليه القضاة لأشهر طويلة بإشراف المجلس القضائي ومشاركة الحكومة ممثلة بوزير العدل قبل ثلاث سنوات وأنفقت عليه مبالغ طائلة.
باختصار، مر القانون كما تريده الحكومة مع أنه من أهم الضمانات الدستورية للعدالة وترسيخ استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية.
وليس بعيدا عنا حين ثار النواب بعد قتل إسرائيل للقاضي رائد زعيتر ولوحوا بحجب الثقة عن الحكومة إذا لم تنصع لإرادتهم بطرد السفير الاسرائيلي فلم تفعل، وتراجعوا ورضخوا لموقفها.
ما يستحق التوقف بعيداً عن عدالة قانون التقاعد والملاحظات عليه، كيف شرب مجلس الأمة "حليب السباع" وتحول بين ليلة وضحاها الى مجلس مستقل لا تنازعه الحكومة في قراره، ويشمل هذا الكلام مجلس الأعيان الذي ظل على الدوام "بيضة" القبان لمصلحة الحكومة؟
وحتى لا يظل النواب يرددون بأن لديهم متطلبات واحتياجات مالية أساسية لا بد من مراعاتها حتى لا يقعوا تحت إغراءات الحكومة، فإنني أذكر بأن فكرة التقاعد للنواب طارئة، فقد كان النواب يتقاضون مكافآت مالية فقط، ففي برلمان 89 كانت 500 دينار، وفي برلمان 1993 كانت "750"ديناراً، وتدرجت حتى وصلت الى "1500" دينار وأضيف لها العديد من الامتيازات بعد ذلك، فهل أصبحت البرلمانات الأردنية التي حازت على تقاعد مدني أكثر استقلالية؟
خسر مجلس النواب الكثير من هيبته، ولا أدري كم تبقّى من رصيد شعبي له في الشارع، وهل مايزال يحوز على ثقة جمهور الناخبين؟
باعتقادي أن رد الملك لقانون التقاعد زاد من شعبية النظام ورصيده في الشارع، ولكن معاينة الواقع أبعد من ذلك، تشي بأن الأردن يخسر حين تسقط ركيزة في اللعبة الديمقراطية، وهي البرلمان، ولا تعود فاعلة، ولا تستطيع أن تلعب دوراً في مرحلة حرجة يمر بها الأردن.
بعد ان استُنفد دور البرلمان وأصبح محل تندر وسخرية وسخط في الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، أليس من الضروري أن نفكر في الخطوة المقبلة، أين مجلس السياسات ومطبخ القرار، ما هي رؤيتهم للقادم؟
بعد الأوراق النقاشية للملك، هل باتت الخطوة الأولى لتمكين الإصلاح أن نقر قانون انتخاب يغير من واقع الحياة البرلمانية، وهل سيتبعه عاجلاً إجراء انتخابات مبكرة تنتج برلماناً يوازن العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية، ويكون حائط صد يحمي النظام، ومرجعية يقبلها الشارع بعد أن أصبح مجلس النواب فاقداً للشرعية والشعبية؟
وهل ستكون هذه المقدمات بالضرورة خطوة لمراجعة حسابات الحكومة بعد أن اتهمت بأنها عقدت صفقة مع البرلمان لتمرير قانون التقاعد المدني، ما وضع السلطتين في مرمى نيران المجتمع؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وضعنا افضل بدون هيك مجلس (اردني حر)

    الأحد 21 أيلول / سبتمبر 2014.
    نعم انها مرحلة حرجة يمر بها الاردن ولهذا السبب يجب ان لا يكون هيك مجلس امة فعال فقد تبين لنا ان اولويات المجلس هي المصلحة الشخصية ولا نستطيع ان نغامر بان يكون هيك مجلس فعال وله كلمة في هذه المرحلة الحرجة والا سنكون نغامر بامن واستقرار الوطن