التصوير العشوائي في الأماكن العامة "انتهاك" لحرية الآخرين

تم نشره في الأحد 21 أيلول / سبتمبر 2014. 11:00 مـساءً
  • يمتعض البعض من ظاهرة التصوير العشوائي التي درجت مؤخرا معتبرينها انتهاكا لحريتهم الشخصية - (أرشيفية)

منى أبوحمور

عمان- لم تكن تعلم الثلاثينية هناء حداد أن تزامن مرورها في أحد الشوارع مع “أحداث شغب” تقوم بها مجموعة من الشباب سيتسبب لها بمشكلة كبيرة مع عائلتها وأقاربها.
وتمقت حداد التصوير العشوائي الذي يقوم به العديد من المارة الذين ما إن يروا أي ظاهرة حتى يبدأوا بتصويرها، متجاهلين المارة من بنات وسيدات قد لا يرغبن في الظهور بالكاميرات.
وما يزيد الطين بلة، وفق حداد، هو مشاركة هذه الصور والفيديوهات من قبل أصحابها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليتفاجأ الشخص بأنه أصبح أحد المشاهير على المواقع الإلكترونية بدون أن يعرف حتى ما سبب تظاهرة أولئك الشبان.
الأمر ذاته هو ما حدث مع العشرينية ليلى عواد التي رأت صورتها في أحد مواقع التواصل الاجتماعي أثناء تناولها طعام الغداء في إحدى الحدائق العامة.
“الصورة لم تكن لي ولعائلتي تحديدا، إلا أن التصوير العشوائي هو ما جعلنا نتصدر الصورة”، مبدية استياءها الشديد من قيام البعض بالتصوير بدون مراعاة خصوصية الآخرين، ومعتبرة أن مثل تلك التصرفات “تعد انتهاكا لحرية الآخرين ولابد من ضبطها”.
في حين لم يمر خبر ظهور إحدى بنات الخمسيني رياض محمد مرور الكرام، لاسيما بعدما تلقى اتصالا هاتفيا من أحد الأقارب الذي أخبره بظهور صورة ابنته في احتفالات فوز المنتخب الأردني في مقطع فيديو، الذي بات منتشرا على معظم مواقع التواصل الاجتماعي.
يقول محمد “الخبر أثار غضبي ولولا أنني كنت برفقة ابنتي لاعتقدت أنها كانت في ذلك الاحتفال”، منتقدا “انعدام المسؤولية لدى العديد من الأشخاص الذين يمتهنون التصوير في الأماكن العامة بدون دراية منهم أو حتى مراعاة للآخرين”، وما يغيظه “مسارعة البعض لنشر تلك الصور والفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي”.
وتشاركه الرأي الأربعينية سناء ياسين التي تلفت إلى أن التقاط الصور ومقاطع الفيديو في الأماكن العامة يُعد “انتهاكاً” لخصوصية الآخرين، لاسيما إذا كان التصوير عاماً، بمعنى أن يلتقط الشخص صورة مثلاً هي موجهة له لكن يتضح فيها بعد ذلك ظهور أشخاص آخرين، وهو ما حدث معها تماما في حفل تخريج ابنتها.
وتشير ياسين إلى أن الأمر لا يتوقف على ظهورها في الفيديو الذي صوره أحد أقارب الشاب فحسب وإنما نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن جانبه، يشير المحامي المتخصص في قضايا المطبوعات والنشر محمد القطيشات، إلى أن القانون الأردني حدد إطارا عاما للتصوير الفوتوغرافي أو الفيديو، وشدد على أنه “لا يجوز تصوير الأشخاص بدون أخذ إذنهم، كما لا يجوز نشر صورهم إلا بإذنهم أيضا”.
ويبين أنه ورغم تشديد القانون في هذا المجال، إلا أنه وفي الوقت ذاته وضع القانون الأردني استثناء في حالتين هما؛ “الشخصيات العامة والمشهورة والآخر يتعلق بالأحداث العامة وكل ما يتعلق بها”، لافتا إلى “ضرورة تطبيقه على نطاق ضيق ولا يجوز التوسع فيه”.
ويؤكد القطيشات أن كل ما دون ذلك يستطيع من خلاله المتضرر تقديم شكوى لدى المدعي العام للبحث في قضية انتهاك حق الخصوصية، وفي حال تم نشره في المواقع الإلكترونية عندها تعد “جريمة نشر”.
ويشير القطيشات إلى أنه “لا يجوز للآخرين انتهاك خصوصيات غيرهم في الأماكن العامة، بل وتصويرهم بدون إذن، وإشعارهم أن ذلك سلوك وتصرف مرفوض وغير محبب”.
وتابع “لابد من التأكيد أن هذه التصرفات من الآثار الاجتماعية السلبية، خاصةً إذا تم تداولها بين الآخرين”، آسفا لوجود العديد من الأشخاص الذين “ينتهكون الخصوصية على نطاق واسع”.
ويبين أن حق الخصوصية يشمل حق الإنسان في الحفاظ على دائرة شخصية تمتد إلى حياته الخاصة وأسرته، معتبرا الدخول إلى هذه الدائرة انتهاكا لها، مستشهدا بالقضاء الأردني الذي اعتبر أن “إظهار الشخص في الصور بدون أخذ إذنه هو انتهاك لحياة الآخرين وهذا هو الخط الفاصل”، مبينا أن الشخص العام يعتاد أن يكون تحت بؤرة الضوء على عكس الشخص العادي الذي اختار لنفسه أن يكون من آحاد الناس.
من جهته، يلفت اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، إلى أن الأصل في التركيبة الاجتماعية الصحيحة هو الخصوصية وعدم التجاوز في حياة الآخرين، مضيفا أنه إذا كان التصوير في الأماكن العامة فيختلف، فمنهم من يشدد بذلك، ومنهم من يرفض، ومنهم من يقلد الآخرين ويرضخ لأي تصرف جماعي ويقبل به.
وأكد بدوره أن التصوير في الأماكن العامة خاصةً العشوائي يزيد من المشاكل وصعوبة حلها، خاصةً اذا كان التصوير لأسر تتواجد في الأماكن العامة، مضيفا أن البعض ما يزال يعتقد أن التصوير أمر طبيعي، مبينا أنه يجب الحرص على التعامل بالأخلاق اللبقة، وعدم مضايقة الآخرين وفق التوجهات التي تؤكد سلوكيات الفرد السوية.
ويعزو الخزاعي مثل هذه التصرفات إلى مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع بشكل عام، فهناك أشخاص يعتقدون أنه من السهل التصوير العشوائي في كل مكان، لافتا إلى آثاره السلبية على المجتمع، خاصةً إذا نُشرت في مواقع التواصل الاجتماعي.
ويبين أن الهواتف والتصرف بها هو حق وحرية شخصية للفرد، بشرط ألا يتجاوز تلك الحرية والملكية الفردية ويؤذي غيره بملاحقتهم بكاميرا هاتفه، فتصبح حريته مقيدة للآخرين، مضيفاً أنه أصبح الكثير من الناس يخشى الأماكن العامة ويتوقع التقاط كاميرات المتطفلين له، خاصةً من ينشرون الصور في مواقع التواصل الاجتماعي.
ويشير إلى وجود العديد من لقطات “الفيديو” أو الصور الفوتوغرافية التي أساءت لكثير من الأشخاص، وأصبحوا مجالاً للسخرية وتهكم المجتمع، بل وقد تجاوزوا كثيراً إلى الأسر، مشدداً على أهمية تسخير التقنية بالتقاط الصور الجميلة و”الفيديوهات” التي تثري العقل والفكر.

muna.abuhammour@alghad.jo

 @munaabuhammour

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاماكن العامة (عابر سبيل)

    الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015.
    من راقب الناس ... مات هما"