اليسار الإسرائيلي الجديد

تم نشره في الاثنين 22 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً

هآرتس

جدعون ليفي

اليسار الاسرائيلي الجديد يأكل بالسكين والشوكة وبفم مغلق، ولا يعتمد بمرفقه على المائدة؛ وهو يعلم ايضا أنه لا حديث على الطعام. ولا يريد اليسار الاسرائيلي الجديد أن يُغضب أحدا ولا أن يقض مضاجع الاسرائيليين ولا سيما بين الثانية والرابعة بعد الظهر.
اليسار الإسرائيلي الجديد ذو مسؤولية، وصهيوني وأمني ومحافظ على الرسمية. وهو يصمت في الحروب ويدع الجيش الإسرائيلي ينتصر؛ ولن يقول أبدا كلمة سوء في الجيش الإسرائيلي الذي هو الجيش الأكثر كما تعلمون. وبعد بضعة اسابيع في الحرب فقط، في كل حرب، قد يستيقظ من غفوته ويقول شيئا ما في الحاجة الى انهائها، أو قد يقول إن مرحلة من مراحل الحرب لم تكن توجد حاجة اليها؛ ويتجرأ احيانا على أن ينتقد "التوقيت"، وقد يتلو شيئا ما ايضا عن الحاجة الى الحرص على العلاقات بالولايات المتحدة التي هي قدس الاقداس.
والقانون الدولي، وقوانين الحرب، والاخلاق والضمير كلمات محظورة في نظر اليسار الإسرائيلي الجديد، فهو يقول في الاكثر شيئا ما عن الاضرار بصورة الدولة، ويقول إنه يؤيد السلام والدولتين واوسلو وجنيف.
وهو يعارض بالطبع رفض الخدمة العسكرية من اليمين واليسار، فهو غير مهذب في نظره. وهو "يضعضع" أسس النظام ويعدو على النظام الحسن الذي يضطهد فيه الجنود الإسرائيليون الفلسطينيين. وهو يهاجم رافضي الخدمة العسكرية بلطف أكثر من اليمين لأنه يجب عليه أن يبرهن على أنه ليس كذلك.
ويذهب اليسار الاسرائيلي الجديد للمظاهرات بشرط أن تتم في حالة جوية مريحة، واذا كانت في الأساس لذكرى اسحق رابين الذي "قُتل السلام" بموته. فلولا يغئال عمير، ولولا ذلك الوغد لأصبح السلام موجودا. إن هذا اليسار يشتاق لرابين، ويا لشوقه. وإن جزءا منه أولاد الشموع من الميدان الذين كبروا، وجزؤه الآخر آباؤهم، وهذا اليسار يحب العرب ولا سيما اذا كانوا يسمون "سيد قشوع". وهو ايضا يحب "المقلوبة". ويكره حماس وداعش والارهاب، والحريديين ايضا. والامور أكثر تعقيدا مع المستوطنين فالحال أمر مصالحة.
لا مع شباب التلال لكن مع "المعتدلين". أما اولئك الذين هم من "البؤر الاستيطانية غير القانونية" فهم مُخلون بالقانون لكن من هم من "الكتل الاستيطانية" لا بأس بهم فالاجماع واقع عليها، وقد وافق الفلسطينيون والامريكيون ايضا من قبل على إبقائها. ويعارض هذا اليسار بالطبع مقاطعة إسرائيل وحنين الزعبي ايضا. إن الاحتلال مُفسد لكن ماذا نفعل؟. ويُبغض اليسار الاسرائيلي الجديد أكثر من كل شيء "اليسار المتطرف" الذي يسرق اليسار منه ويُبعد عنه الجماهير التي تطرق أبوابه.
ليس اليسار الإسرائيلي الجديد لا يسارا ولا جديدا. إن عمره عمر الدولة والمستوطنات التي جزء منها من فعل يديه، وكان يسمى ذات مرة اليسار الصهيوني. واذا كان الوسط في اسرائيل يمينا متنكرا فان هذا اليسار وسط متنكر فلا عجب من أنه يسمي اليسار الذي عن يساره "يسارا متطرفا". لكن المتطرف بعيد عن التطرف.
إن بادر ماينهوف أو الكتائب الحمراء يسار متطرف. واليسار "المتطرف" هو الوحيد الباقي في اسرائيل. وهو ليس متطرفا ولا عنيفا وهو هامشي ولا تأثير له وهو مُبعد. ويشارك اليسار المتنكر في حفل سلبه شرعيته بل إنه يشرف عليه احيانا، وهو يؤيد حرية التعبير لكنه يرى أن اليسار المتطرف يبالغ كثيرا؛ فهو يتجرأ على اعتقاد أنه يوجد تناقض بين يهودية وديمقراطية، وتخيلوا أنه يتخلى عن اليهودية. وهذا مُضر بالامر فلو أنه اعتدل فقط لأمكن أن يكون تأثيره أكبر.
إن هذا اليسار الوهمي صابر على الاحتلال منذ 47 سنة، ولا يعني ذلك أنه يؤيده لا سمح الله، لكن العجلة (والتطرف) من الشيطان. وهو مُخلده في الحقيقة فهو الوجه الجميل الذي يقف من ورائه. وهو سينتصر بعد قليل لكن دعوه فقط يسير في طريقه التي لا تصد أحدا والتي ستأتي بدعم الجماهير الذي تحسن الهوادة من اجله، وسترون بعد فهو سينتصر قريبا جدا وسينتهي الاحتلال ويأتي السلام.

التعليق