"جمعية الشعراء الموتى": عندما يكون المعلم مفتاح إبداع الطالب

تم نشره في الخميس 2 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:00 صباحاً
  • مشهد من فيلم "جمعية الشعراء الموتى" - (أرشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- الحاجة لمشاهدة فيلم "جمعية الشعراء الموتى" لبطله الراحل روبن ويليامز يرتبط مباشرة بأهمية تحفيز الإبداع والتفكير الخلاق عند الطلبة، خصوصا لجيل اليوم.
الفيلم أنتج قبل 25 عاما، أي في العام 1989، وهو بتوقيع المخرج الاسترالي بيتر واير الذي عرف بأفلامه مثل؛ Master and Commander: The Far Side of the World)، ويقدم هنا نموذجا للتعليم الخلاق الذي يحفز العملية الإبداعية لدى الطلبة مقابل ذلك النموذج الذي يقوم على التلقين والنسخ.
"لاحق أحلامك" و"فكر بحرية" هي من أجمل العبارات التي يقدمها الفيلم، في نص لكاتبه توم شولمان، وهو مبني على قصة حقيقية.
مفتاح الفيلم ونجمه هو الممثل روبن وييليامز بدور الأستاذ جون كينيينغ، الذي يلهم طلبته في حصص اللغة الانجليزية والشعر، ويزرع فيهم حب الشعر ويدفعهم لاغتنام الفرصة.
الأبطال في الفيلم باتوا نجوما في السينما الأميركية والعالمية بحضور كل من الممثل ايثان هوك وروبرت شين ليونارد والممثل جوش شارلز، فضلا عن تواجد النجم نورمان لي لويد والممثل كورت وود سميث وآخرين.
تاريخ الجوائز للفيلم يتضمن جائزة أوسكار واحدة عن أفضل نص لتوم شولمان، فيما ترشح لثلاث جوائز منها؛ أفضل مخرج وأفضل فيلم.
ما يناقشه الفيلم هو دور المعلم المتميز في كسر القوالب البالية للتعليم التقليدي، ورسمه طريقة خاصة للتواصل مع الطلاب بأن يروا العالم بطريقة مختلفة من زاوية جديدة.
لكل طالب قصته في هذا الفيلم وهم يمسون شرائح واسعة تقع في أي مكان وزمان بدون تحديد زمني، فهناك من يسعى لأن يصبح كاتبا، فيما آخرون تموت أحلامهم وسط تشدد أهلهم، فينتهي طريقهم بالموت، وطالب آخر رومانسي يحلم بالسعادة وسط الجدية التامة في حياته التي تعد منهجا لرسم كل حياته وتخطيطها من قبل الأهل وسط نقطة مشتركة، أن أيا من هؤلاء لا يملك الحق في تقرير مستقبله أبدا.
وللصورة في الفيلم دور كبير في الانفصال عن التقليدي من خلال النهج الجديد للحياة والمستقبل والأمل التي يصورها الأستاذ كينيينغ لطلبته في أكاديمية ويلتون.
بداية الفيلم تكون بلقطة تتهيأ فيه إحدى الأكاديميات الأميركية لاستقبال دفعة جديدة من الطلبة لعام دراسي جديد، مبتدئة بتقليد دأبت عليه لسنوات طويلة من خلال طقوس تؤكد عراقة تاريخها في تخريج شخصيات مهمة وناجحة ترتبط بقيم المدرسة وأركانها الأربعة وهي التقاليد، الشرف، الانضباط، التفوق.
لاحقا في الفيلم يظهر البروفيسور الشاب جون كينيينغ ولعب دوره ويليامز، وهو من أهم الأدوار في مسيرة ويليامز السينمائية التي تعكس عبقريته في أدوار الكوميديا السوداء والسخرية، خصوصا تلك التي ترتبط بالواقعية المفرطة والتزمت.
يحضر في الفيلم تلك الحيوية للأستاذ وتأثيره المباشر على الطلبة في أسلوبه وشخصيته ودفعهم للتعلم من خلال الطاقة في تغيير الصورة التقليدية للتعليم عبر إضاءة قناديل في نفوس طلبته باستخدام الشعر والتاريخ.
القدرة على تحرير الطلبة ومخيلاتهم من كل ما هو تقليدي ومنسوخ وملقن لهم يدون أي إبداع وخيال تتطلب جهدا كبيرا، وفي الفيلم يواجه هذا المنهج معارضة كبيرة خصوصا في تلك المدرسة القديمة التي اتبعت النمط نفسه لمئات السنين.
ورغم الاعتماد على النماذج التدريسية نفسها التي تعد مادة دسمة، لكن عملية الإبداع في تحفيز الطالب لا تعتمد على التلقين أو النسخ والحفظ وإنما على جعله شريكا في تلك العملية بحيث يصبح عاملا حيويا في كل خطوة وتفصيل دقيق، فمشاركته هذه التفاصيل هي ما يجعل من الطالب شخصية منفتحة على التعلم واكتساب مهارات جديدة.
فشخصية "كينيينغ" تحفز في الطالب أن يتخلص من كل نسخة مملة قديمة ألفها خلال عملية تعلمه، ليتحول لشخص قادر على أن يكتشف بنفسه باستخدام تلك الأدوات التي يملكها والتي من المفترض أن تصقل مهاراته خلال دراسته.
أما الشعر فهو جوهر الفيلم وإن لم تكن أبياته كثيرة، ولكن الشعر ليس مجرد أبيات تحكى وتكتب، بل هو مشاعر وطريقة حياة، بحسب ما ينقله الفيلم للمشاهد بأحاسيس مختلفة تصب في جوهر كون التعبير عن الفكر والمشاعر والأحلام جزءا لا يتجزأ من كيان الفرد وهويته الخاصة التي تجعله قادرا على اكتساب مكانته في هذا العالم، فالشعر وبأداء الأستاذ المبدع "كينيينغ" هو مغامرة ذاتية خالصة تشغل الحدس والعقل الباطن وتنتقل لكل مجالات الحياة وتغييرها.
وفي زمن محافظ وبين الأساليب التقليدية التي ترفض التغيير وتعتبره مهددا للاستمرارية ومصدرا للخراب والعبث الفكري، يطرد كينيينغ من الأكاديمية من قبل المدير.
أما الحاجة لرؤية هذا الفيلم فهي ترتبط بأمر مهم جدا وهو تحفيز التفكير المبدع عند الطالب والمعلم في الوقت نفسه، والحاجة للخروج من الدائرة التقليدية في التواصل مع الطالب وتقييد فكره، فبناء جيل مبدع لا يعتمد فقط على حشو عقله بمواد مختلفة، ولكن يرتبط بالطريقة التي يتلقى فيها هذه المعلومة وكيف تؤثر فيه.
والتغيير الذي أحدثه "كينيينغ" في طلبته ظهر في المشهد الختامي للفيلم؛ حيث أراد الخروج من الفصل والدرس نفسه عن الشعر، حيث طلب منهم سابقا أن يتجاوزوا كل الكلمات المنمقة والكلام الكثير ويبحثوا عن جوهر الحياة في أنفسهم.
فحين طلب كينيينغ من طلبته في بداية الفيلم أن يباشروا في تعلم منهجية وفهم الشعر، رسم لهم طريقا ليكونوا على علاقة بين معاني الشعر وارتباطها بالحياة وبين عمقها الإنساني.
فالشعر لا يكتب ويقرأ، لأنه ظريف بل لأن الجنس البشري ممتلئ بالعاطفة، فالهندسة والطب والمحاماة تحافظ على الحياة بطرق نبيلة يكون الشعر والرومانسية والحب هي ما يعيش الإنسان لأجله.
وفي المشهد الختامي، تتحول عملية التعليم لقصيدة خاصة ليست مكتوبة بقدر ما كانت منحوتة ومنقوشة في نفس وذات كل طالب؛ حيث يطرد "كينيينغ" لكن الطلبة أنفسهم يقفون تحية له فوق مقاعدهم حيث تعلموا أن ينظروا للأمور بطريقة مختلفة في بداية الفصل الدراسي.
فالحقيقة هي أن للحياة أكثر من معنى ولا يمكن إجمالها بسياق واحد، بل بتواجد أفكار مختلفة ومتنوعة بسطية ومعقدة تشكل الحياة التي لا يمكن احتكارها لمنهجية واحدة أو فئة معينة، وفي الوقت نفسه أن يتوقع من الآخرين أن يكونوا مبدعين في ظل هذه العقلية.
"جمعية الشعراء الموتى" باختصار هي رسالة لأن لا يتخلى الشخص عن رغبته وهويته ليعيش حياته وقبوله بما يفرضه الآخرون عليه تجعله كمن يأكل بشهية غيره.
واسم الفيلم ارتكز على مجموعة وتنظيم سري لتقليد اتبعه طلبة في المدرسة نفسها سابقا؛ حيث كانوا يعبرون عن أفكارهم مع بعضهم حيث يتبادلون الأفكار والمشاعر والأحلام بعيدا عن الحكر الذي فرضه أهلهم ومدرسوهم على رغباتهم وقيدت أحلامهم.

israa.alhamad@alghad.jo

@Israalradaydeh

 

 

التعليق