جميل النمري

من أداة تصحيح إلى أداة تشويه

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:07 صباحاً

ملاحظات أخيرة على مشروع قانون ضريبة الدخل؛ فقد انتهت الدورة الاستثنائية ومجلس النواب لم ينجز القانون، ولن نودع هذا المشروع الخلافي المتعثر من دون تعليق ختامي حول ما أحاط به من إشكاليات.
مشروع القانون، كما خرج من لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية، أثار ردود فعل احتجاجية متعاكسة؛ احتجاج على زيادته الجباية، واحتجاج على تخفيضها، في آن معا! وكلا الأمرين صحيح؛ فقد رفع سقف الضريبة على البنوك والشركات المالية، وتم خفضها على الزراعة والصناعة. أما بالنسبة للأفراد، فقد قلل الإعفاء للعائلة من 24 ألف دينار إلى 20 ألف دينار سنوياً، فيما الأربعة آلاف دينار الباقية تحولت الى إعفاء بموجب فواتير نفقات صحية وتعليمية. وقام مجلس النواب في النقاش العام بعمل شعبوي؛ إذ أعاد حد المبلغ المعفى إلى 24 ألف دينار سنويا، إضافة إلى 4 آلاف دينار أخرى لنفقات الصحة والتعليم، بما يخفض عدد دافعي الضرائب فعليا إلى أقل من نسبة 2 % من السكان.
وكانت الحكومة تقدر زيادة التحصيل الضريبي في القانون الجديد بحوالي 170 مليون دينار، لكن التعديلات النيابية ستخفض التحصيل بأكثر من 110 ملايين دينار، ما يعني أن الأهداف المتوخاة من القانون ضاعت؛ بل انعكست تماما.
وبعكس أي انطباع أولي، فإن المتضرر من تخفيض ضريبة الدخل هم المواطنون العاديون. فالمصدر الرئيس لتمويل خزينة الدولة هو مجموع الضرائب، وهو يصل، بحسب مدير عام ضريبة الدخل، إلى نسبة 15 % من الناتج المحلي الإجمالي. وتخفيض ضريبة الدخل يجبر الحكومة على زيادة الإيرادات من مصادر أخرى، مثل رفع الأسعار والرسوم، بما يعني زيادة التحصيل بطريقة غير مباشرة من جيوب عموم المواطنين بلا استثناء. ومنذ سنوات ونحن نطالب بالعكس؛ أي زيادة التحصيل من ضريبة الدخل (أي التحصيل من الأغنياء)، وتخفيضه من الأبواب الأخرى، مثل ضريبة المبيعات، وبما يعني تخفيض الأسعار وزيادة قدرة المستهلكين على الإنفاق وتحقيق نمو اقتصادي.
الاقتصاد الأردني يعاني بصورة خاصة من هذا التشوه، بالاعتماد على أدوات تحصيل تثقل على جيب المواطن العادي، بدل الاعتماد على أصحاب الدخول العالية من أفراد وشركات، بما في ذلك الأرباح المتأتية من المتاجرة بالأصول الرأسمالية. وهو ما تم تجاهله أيضا في مشروع القانون الجديد. ومهمة النواب لتحقيق التوازن، هي في الواقع رفع ضريبة الدخل. ولا مبرر حتى لإعفاء أول 150 ألف دينار أرباحا من الزراعة؛ فمن يربح هكذا هي الشركات الزراعية الكبرى، وليس المزارعين العاديين. والصناعة إذا ربحت فلتدفع، لأن دعمها يكون بإعفاء مدخلات الإنتاج من الجمارك، وتقديم الحماية والدعم والتيسير للإنتاج الوطني.
ومشروع القانون فوق ذلك، لم يضع وسائل فعالة لمكافحة التهرب الضريبي، باستثناء زيادة معينة للعقوبات؛ وهذا غير كاف. وهناك مقترحات أهملت، مثل التوسع في الإعفاء على فواتير الإنفاق. فمثلا، بدل الإعفاء الجامع بمبلغ 24 ألف دينار، كان يمكن تحويل نصف المبلغ إلى إعفاء بموجب فواتير نفقات. وكان يجب رفع التصاعد على شرائح الدخل الأعلى. كما أن آليات أخرى ذكية يمكن التفكير فيها لمكافحة التهرب الضريبي وعدم التهيب من الكلفة الإدارية والفنية لتطبيقها.
نحن من أقل الدول تحصيلا لضريبة الدخل (النسبة في الدول الأخرى تراوح بين 5 % إلى 10 % من الناتج المحلي الإجمالي). وبحسب مدير عام الضريبة، فقد انخفضت هذه النسبة عندنا دراماتيكيا مع آخر قانون تم تطبيقه، من 3 % إلى 1.5 % من الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب رئيس الوزراء، فهي الأدنى في العالم!
هنا التصحيح المنشود لمصلحة الأغلبية من الشعب، ومصلحة مستقبل الاقتصاد الأردني؛ رفع ضريبة الدخل عبر خطة محكمة، إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع ولكن. .. (اسماعيل زيد)

    الجمعة 3 تشرين الأول / أكتوبر 2014.
    شكرا سيدي على هذا المقال الرائع مع أن فرض ضرائب على أي سلعة سيتحمل المواطن في النهاية مبلغ الضريبة حيث سيقوم التاجر بوضع هامش مع الربح بهذه الزيادة.
    انا معك بكل ما قلته بالنسبة للصناعة والزراعة والمهن الأخرى فيجب أن لا تعفى أي مهنة أو حرفة أو صناعة من ضريبة الدخل.
    كما إنني اؤيدك بأن يتم وضع نسب لتحصيل الضريبة تصاعدية وبنسب تراها الحكومة مناسبة بالنسبة لها لتحقيق مستهدفاتها من المبالغ المحصلة.
    ولكنني سيدي اخالفك الرأي بالنسبة للأشخاص العاديين فهذا المواطن يقوم بدفع كل أنواع الضرائب المفروضة على كل القطاعات لذا فإنني أرى أن يبقى الإعفاء المقرر على حاله وهو 24000 دينار بدون أي إعفاء آخر وأظن انه عادل لأنه يبقي على الطبقة الوسطى.
    سيدي إن طلب فواتير للحصول على الإعفاء لهو مطلب غير عادل فلي جار يقطن في مدينة عمان وابنه يدرس في الجامعة الأردنية فرع العقبة بنظام التنافس أي أن الساعة بمبلغ 20 دينار ويقوم بتسجيل ابنه بمبلغ 410 دنانير كل فصل ويستطيع ان يحصل على فواتير بهذا المبلغ ولكنه يقوم بدفع مبلغ 250 دينار شهريا لابنه مصروف بدل سكن يتشارك به 4 طلبه كل واحد منهم يدفع 60 دينار وباقي ال 250 تكون بمثابة مصروف أكل وشرب ومواصلات لابنه أي إجمالي المبلغ في الفصل الواحد 1000 دينار لا يستطيع الطالب ولا ولي أمره إحضار فواتير بها لتخفيضها من الدخل المتاتي له.وفي العام الواحد 2500 دينار مصروف لا يمكن إثباته بفواتير ومبلغ 1000 دينار يمكن إثباتها فأين العدل في طلب الفواتير؟
    أتمنى من مجلسكم الموقر عندما تعود لمناقشة الموضوع في الدورة القادمة ان يتم التصويت على القانون مثلما ورد من الحكومة أي باعفاء مبلغ 24000 دينار وليس كما عدلته اللجنة 20000 و 4000 بفواتير وليس كما أقره المجلس 24000 إعفاء كامل و4000 بفواتير حتى لا نظلم الحكومة ونخفض إيراداتها ولا نظلم المواطن ونفرض عليه ضرائب جديدة.
    ودمتم