نضال منصور

لن نصفق للحكومة!

تم نشره في الأحد 12 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:03 صباحاً

أجواء عيد الأضحى وانشغال الأردنيين به لم يطوِ صفحة تداعيات "ذهب هرقل"، أو كما هي آخر رواية للقوات المسلحة "أجهزة التنصت الإسرائيلية"، بل إن المؤتمر الصحفي الذي عقد برئاسة الوزراء وقاده رئيس الحكومة الدكتور عبد الله النسور بحضور رئيس الأركان ووزيري الداخلية والإعلام طرح أسئلة أكثر جدية وإلحاحاً، وفتح الباب لتكهنات جديدة تتعلق بمصير الحكومة بعد أن عصفت بصدقيتها هذه الحادثة، ليصبح حالها ليس أفضل من حال مجلس النواب الذي أجهز على شعبيته إقرارهم لقانون التقاعد المدني الذي رده جلالة الملك.
أول الحقائق وليس الأسئلة أن مصداقية الحكومة قد انتهت، ولا يهم من هو المسؤول عن ذلك، ولا يمكن التذرع بسرية المعلومات ليغفر الشارع لها سقطتها، فمن سيصفق للحكومة الآن بعد ثلاث روايات متناقضة، بدءاً من الانهيارات مروراً بتركيب أجهزة رادار وشبكات تقوية، وليس انتهاءً بعملية عسكرية للجيش؟!
ماذا كان يمنع الحكومة أن تروي الحقيقة للناس منذ اللحظة الأولى، وماذا كان سيحدث لو قالت للأردنيين أن إسرائيل زرعت أجهزة تجسس منذ عقود وتم اكتشافها، وما هي الأسرار التي تهدد الأمن الوطني إذا قلنا ذلك، هل ستزعج هذه الرواية الإسرائيليين مثلاً؟
كان يمكن للحكومة أن تفعل ذلك منذ اليوم الأول ودون تضليل وتمويه، وحتماً كانت ستكسب ثقة الجمهور والرأي العام، ومهما كانت المعلومات التي ستكشف فإن كلفة الإفصاح عنها أقل من الضرر الذي لحق بالبلد بسبب الإشاعات وترويجها؟
كلنا مع الجيش ونثق به، ليس فقط بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها الأردن وسط إقليم ملتهب، بل لأنه خارج السجالات السياسية، ولا أحد له مصلحة في تصيد روايته عن أجهزة التجسس للنيل منه، ولذلك فإن المكاشفة المبكرة كانت السبيل الأمثل لحماية الأردن وتحصين القوات المسلحة، والإجابة عن الأسئلة التي طرحتها قصة أجهزة التجسس تزيد ثقة الناس به، ومنها أين هي باقي أجهزة التجسس التي لم تفجر، وهل تمت معالجة الأمر، ولماذا احتجنا مساعدة عسكرية ذات طابع تقني لإزالة هذه الأجهزة القديمة الصنع، وما هي الضمانات لعدم وجود اختراقات إسرائيلية أخرى، وهل يمكن ملاحقة إسرائيل قانونياً عن هذه الأفعال التي تهدد بلدنا، وهل يحتاج الأمر لاكتشاف جرائم أخرى حتى نغضب منهم؟!
هذه الأسئلة وغيرها باتت حديث وسائل التواصل الاجتماعي حتى ولو امتنع الإعلام الرسمي عن طرحها، وهي لا تسيء للقوات المسلحة، والتعامل معها وتقديم رسائل تطمين للشارع الأردني لا يعني بحال من الأحوال كشف أسرار عسكرية، ولم يعد في زمن الفضاء المفتوح من جدوى للصمت، بل إن المصارحة وضمان حق الناس بالمعرفة أهم ركائز الاستقرار والأمن الوطني.
غريب أن توحي الحكومة ورئيسها وهو صاحب الولاية العامة بأنهم لم يكونوا على دراية بحقيقة ما حدث، وسؤالي اذن من أين اختلقوا الروايات المفبركة، هل غرر بهم، وهل التذرع بعدم المعرفة يحميهم من المساءلة والمسؤولية، وهل وضع الجيش والأجهزة الأمنية بواجهة المشهد الإعلامي يحصنهم ويحميهم؟
لو كان لدينا برلمان حقيقي يراقب عمل السلطة التنفيذية ويحاسبها على أعمالها وأفعالها لأطاحت هذه القضية بالحكومة، بدلاً من بروبجندا ركوب "الجرافات" لحفر موقع اكتشاف أجهزة التجسس، وبدلاً من الممارسات الشعبوية التي لا تفيد ولا تغير حالاً، ماداموا يملكون أدوات دستورية بحجب الثقة إذا لم تصدقهم الحكومة القول؟
ولكننا للأسف لا نملك برلماناً يفعل ذلك، ولذلك اتجهت أنظار الصالونات السياسية في العيد لترقب مصير الحكومة، بعد أن قيل إن أداءها في هذه القضية لم يحظَ برضى القصر.
باعتقادي الشخصي ورغم الضرر الذي تسببت به هذه القصة التي استحوذت على اهتمام الناس، فإنني لا أرى أن تغييراً أو تعديلاً وزارياً سيحصل في القريب العاجل رغم مرور عامين على تشكيلها، فأدوات الضغط المؤسسية التي تدفع صاحب القرار لمراجعة حساب الربح والخسائر في المشهد غير متوفرة لدينا، فالبرلمان غائب، والمعارضة السياسة والحزبية هزيلة، والمجتمع المدني مستنزف ومشتت، وما يسود نظام الفزعة وما يبقى هو الاشاعة حتى لو دحضت بكل القرائن والأدلة، وهذا ما حدث!

التعليق