نضال منصور

العالم العربي ... الديمقراطية الغائبة والمؤجلة!

تم نشره في الأحد 19 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:02 صباحاً





هل سؤال الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان هو ما يشغل المواطن العربي ويحركه، هل الديمقراطية خط أحمر لا يقبل عنها بديلاً، وهل تشكل الأولوية في حياته وتسيطر على وجدانه وممارسته؟
هذا السؤال استحكم على تفكيري خلال زيارتي قبل أيام لمصر، وقبلها تونس، وهو سؤال مفصلي بعد ما يقارب أربع سنوات على عمر ما سميت ثورات الربيع العربي، وهو سؤال مؤلم بعد ان ترى وتعيش انهيار كل الرهانات على التغيير وسقوط الطغاة وترسيخ قيم العدالة والمواطنة وسيادة القانون؟!
وهو سؤال ربما يكون عبثياً بعد أن تسأل وتدقق في مزاج الناس فتجد انهم يبحثون عن لقمة الخبز غير آبهين في غالبيتهم بشعارات الحرية، مستسلمين لقدر الطغاة، قابلين بكل شيء مقابل نعمة الأمن والأمان!
هذه ليست صورة سوداوية تعكس حالة انهزامية، بل واقع تشي به الحقائق والأوضاع لعالم عربي يعيش حالة من التشظي والانقسام والاقتتال الدموي، وبدل أن نراكم إنجازات على نجاح الإنسان في العالم العربي بقهر حاجز الخوف من السلطة، غرقنا بعد أقل من عام من الشعور بالانتصار بحالة من الفوضى والاستبداد.
كلما استعرضت المشهد في العالم العربي من محيطه إلى خليجه أيقنت أننا بعيدون عن الديمقراطية ونحتاج لعقود طويلة، وأن كل المقاربات الداخلية والخارجية فشلت ولم تنجح سواء أكانت ترفع شعارات قومية أو إسلامية أو ليبرالية أو جاءت من العسكر.
يكفي أن ندقق في المشهد لتصيبنا حالة الدهشة باستعصاء الوضع، فالجزائر يقودها زعيم على كرسي متحرك ومنذ الانتخابات التي خاطب بها شعبه عبر "السكايب" لم يظهر، ولا تبعد كثيراً موريتانيا حيث يعالج زعيمها في فرنسا والشعب لا يعرف عن حالته الصحية الكثير، وكأننا اخترنا أن نشابه الزعيم الكوري.
واستكمالاً للصورة المعتمة، فالسودان رئيسه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وفي أي لحظة إن تحرك بطريقة غير مخطط لها قد يعتقل ويقدم للمحاكمة.
أما ليبيا فأنا شخصياً أتابع الصراع الدامي وحرب الميليشيات، ورغم كل الجهود التي أبذلها عجزت عن فهم فسيفساء المشهد السياسي، من يقف مع من، وما هي خريطة التحالفات، وكل ما أدركته أنها دولة تسير نحو الفوضى والفشل؟
وفي مصر يحكم الرئيس السيسي قبضته على كل شيء، فالصحافة المستقلة أصبحت مهددة، وقادة المجتمع المدني بعد تعديل قانون العقوبات ينتظرون الملاحقة وتهديدات بالسجن، والمواطن لا يشغله سوى تأمين لقمة الخبز بعد ارتفاع سعر البنزين وتوالي سلسلة انقطاعات الكهرباء.
وفي المشرق سورية تتمزق، والحرب على داعش ستطول، ونظام الأسد مسترخ لا تهديدات جدية نحوه، وفي أحسن الأحوال فإن سورية الموحدة أصبحت من مفردات الماضي.
والحالة مماثلة في العراق، فداعش ليس بعيدا عن بغداد، والأميركان يسربون معلومات عن أن مطارها كان مهدداً، والحكومة الجديدة ربما انهت ظاهرة ديكتاتورية المالكي، لكنها أبداً لم تغير واقع العراق المقسم طائفياً والذي يستنزفه الفساد والصراع على السلطة.
واليمن بلد الأسلحة يجتاح الحوثيون فيه صنعاء، ويصلون الى باب المندب، ويفرضون شروطهم، وعدن تطالب بالانفصال، والرئيس المخلوع علي
عبد الله صالح يدير خيوط اللعبة، وكأننا للخلف سر.
خارج هذا المشهد توجد دول الخليج التي لا تحسد على أوضاعها، بعد أن عصفت الخلافات ببيتها الخليجي، والأسئلة المقلقة عندها مؤجلة ولكنها ليست ملغاة.
الأردن انحنى لعاصفة الربيع العربي في بداياتها، ثم بنى وصفته الخاصة لينجو من تداعياتها، فهو اليوم لا تتنازعه صراعات طائفية ولا يقلقه شرعية الحكم، ولكن "الإرهاب" يقف على أبوابه، والفقر والإنهاك الاقتصادي يولد بيئة حاضنة لليأس، وهو واقع يفتح الطريق لكل الاحتمالات.
بعد هذا المرور السريع على الواقع العربي المشظى، ليس من الصعب الاكتشاف أن الناس منشغلون إما بحقن دمائهم من حروب الطوائف، والذود عن أرواحهم، أو البحث المضني عن لقمة خبز حتى لو كانت مغمسة بالألم، وفقدان الحقوق، والذل أحياناً، ولا تجد الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان موطئ قدم عند الغالبية، وتظل ثرثرة للسياسيين والمثقفين على المقاهي وفي صالونات السياسة، ولذلك فإن سؤال الديمقراطية ليس أولوية، ومؤجل الى إشعار آخر حتى لا أقول لجيل آخر!

التعليق