بوابات السدود المالية في الصين

تم نشره في السبت 18 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 11:00 مـساءً

خوسيه أنطونيو، كيفين ب. جالاجر*

نيويورك - مع تباطؤ اقتصاد الصين بعد عقود من النمو المذهل، سوف تتعرض الحكومة على نحو متزايد للقضية الشائكة المتمثلة في تحرير حساب رأس المال. وقد يبدو هذا الخيار لأول وهلة جذابا، وخاصة في ضوء رغبة الحكومة الصينية في تدويل الرنمينبي. ولكن المظاهر قد تخدع.
يزعم تقرير جديد أن السلطات الصينية لابد أن تكون متشككة في تحرير حساب رأس المال. وينتهي التقرير إلى أن الصين، باستخلاص الدروس من التجارب الأخيرة للبلدان الناشئة الأخرى، لابد أن تتبنى نهجاً حذراً مرتباً بدقة عندما تُعَرِّض اقتصادها لأهواء تدفقات رأس المال العالمية.
إن القاسم المشترك بين الاقتصادات الناشئة في التاريخ الحديث - بدءاً بأميركا اللاتينية ومروراً بشرق آسيا إلى أوروبا الوسطى والشرقية - هو أن تدفقات رأس المال تتناسب بقوة مع التقلبات الدورية، وهي السبب الأكثر قوة وراء عدم الاستقرار المالي. ويؤثر عدم الاستقرار المالي، المرتبط بالتحرير، بشكل كبير أيضاً على الأداء الاقتصادي، تماماً كما يفعل الافتقار إلى السيطرة على مؤسسات الوساطة المالية غير المصرفية ـ وهي القضية التي بدأت الصين تواجهها الآن بعد أن أصبحت مساهمة قطاع الظل المصرفي في نمو الائتمان أكثر وضوحا.
كما تدعم أغلب البحوث الأكاديمية وجهة النظر التي ترى ضرورة التعامل بحذر مع التحرير المالي وتحرير حساب رأس المال، وأن هذا لابد أن يكون مصحوباً بقيود تنظيمية مالية محلية أكثر قوة. وفي حالة تدفقات رأس المال، فإن هذا يعني الاحتفاظ بالقيود التنظيمية الخاصة بحساب رأس المال باعتبارها أداة أساسية لسياسة الاقتصاد الكلي.
الواقع أن الصين في تسعينيات القرن العشرين ـ والهند أيضا ـ علمت بقية العالم النامي أهمية التحرير التدريجي. وكان درساً استوعبته بالكامل بلدان عديدة فقط في أعقاب الأزمات الاقتصادية والمالية التي بدأت في شرق آسيا عام 1997، ثم امتدت إلى روسيا عام 1998، وأثرت على أغلب البلدان الناشئة. ومن خلال الحفاظ على تنظيمات قوية لحساب رأس المال، تجنبت الصين الإصابة
بالعدوى.
وفي أواخر عام 2012، تبنى صندوق النقد الدولي نهجاً حذرا. والآن يعترف صندوق النقد الدولي بأن تحرير حساب رأس المال يأتي مصحوباً بمخاطر إلى جانب الفوائد، وأن "التحرير لابد أن يكون جيد التخطيط والتوقيت والترتيب من أجل ضمان تفوق فوائده على تكاليفه". وعلاوة على ذلك، ينظر الصندوق إلى تنظيمات حساب رأس المال الآن باعتبارها جزءاً من قائمة أطول من التدابير التحوطية الكلية التي ينبغي للبلدان أن تستخدمها بحرية لمنع عدم الاستقرار الاقتصادي والمالي.
وبقدر ما تشكل تقلبات حساب رأس المال صدمة مالية متناسبة مع التقلبات الدورية في الاقتصادات الناشئة، فإن التنظيم لابد أن يكون أداة التحوط الكلي الرئيسية المستخدمة لمواجهتها. ولابد لهذه التنظيمات أن تكمل، لا أن تحل محل، سياسات الاقتصاد الكلي الأخرى المستخدمة لمواجهة التقلبات الدورية. ويوصي صندوق النقد الدولي بإعطاء أولوية أعلى لهذه السياسات الأخرى، في حين أوصينا نحن في وقت سابق باستخدامها وتنظيمات حساب رأس المال في وقت واحد.
لم تكن الأسواق الناشئة وحدها هي التي اضطرت إلى الانتباه إلى مخاطر التحرير السريع. وتزودنا تجربة اليابان أيضاً بدروس قيمة حول أهمية الحذر في تحرير حساب رأس المال لعملة يتزايد عليها الطلب دوليا. ولفترة طويلة، سمحت اليابان لمؤسسات الوساطة المالية القوية فقط بإدارة تدفقات رأس المال، الأمر الذي أدى فعلياً إلى تثبيط الاستخدام الدولي لعملتها. وعندما بدا الأمر وكأن تسونامي رأس المال يكاد يغمر الاقتصاد، لم يتورع صناع السياسات عن محاولة احتواء التدفقات القادمة من الخارج.
وعلى نحو ما، عاشت أوروبا الغربية نفس التجربة ذات يوم. فكان تحرير حساب رأس المال لديها أيضاً عملية طويلة الأمد، بدأت بقابلية الحساب الجاري للتحويل في عام 1958 وانتهت بقابلية حساب رأس المال للتحويل في عام 1990. وقد واجهت أزمة تتعلق بنظام المدفوعات بعد عامين، وهي الأزمة التي أدت إلى انخفاض كبير في قيمة عملات بعض البلدان.
لم يكن المقصود من أي من هذا أن نقترح أن تدويل الرنمينبي لابد أن يحدث في المستقبل القريب. فنظراً لأهمية الصين في الاقتصاد العالمي، تبدو تسمية حصة متزايدة من التجارة والاستثمار بعملة الرنمينبي أمراً لا مفر منه. ولكن السلطات الصينية لابد أن تدير هذه العملية بالتدريج، فتختار قنوات محددة يتم الأمر من
خلالها.
الحق أن الصين قد تكون المثال الأكثر نجاحاً في تاريخ التحول الاقتصادي التدريجي والعملي. ولا ينبغي لها أن تسمح لنفسها بالاستسلام لإغراء الخروج عن مسارها المجرب والمختبر بالاستجابة للدعوات المطالبة بتبني السياسة التي دفعت بالعديد من الاقتصادات الناشئة إلى الهاوية.

*خوسيه أنطونيو أوكامبو أستاذ في جامعة كولومبيا. كيفين ب. جالاجر المدير المشارك لمبادرة الحوكمة الاقتصادية العالمية في كلية باردي للدراسات العالمية بجامعة بوسطن.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق