انطلاق أعمال المؤتمر العربي التركي الرابع للعلوم الاجتماعية

الأمير الحسن: الفكر المعاصر والانفتاح والوسطية عناصر بناء ثقافة السلام

تم نشره في الأحد 26 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 02:19 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 26 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 10:01 مـساءً
  • سمو الأمير الحسن بن طلال -(ارشيفية)

محمود خطاطبة

عمان - أكد سمو الأمير الحسن بن طلال، رئيس منتدى الفكر العربي، أن بناء الفكر المعاصر والانفتاح الفكري، وانتهاج الوسطية، والاعتدال، والتسامح، بدلاً من الانعزال، والتعصب، والانغلاق، والتمترس خلف أفكار لم تعد تصلح لعصرنا الحالي، سيمهد لنا البيئة الصالحة لبناء ثقافة السلام المشترك بين مختلف الأطياف والتيارات والفئات والجماعات.
كما أكد في كلمة، ألقاها نيابة عن سموه رئيس الوزراء الأسبق عدنان بدران خلال افتتاح أعمال المؤتمر العربي التركي الرابع للعلوم الاجتماعية الذي التأمت أعماله في جامعة البترا أمس، أن التركيز على الهوية الوطنية، وترسيخها بمفهوم الإنماء والانتماء، يشكل عنواناً للمواطنة الحقة والمحققة للعدالة، بمعنى المواطنة التي لا تسمح بتهميش أي مكون من المكونات الاجتماعية، وتقف حداً مانعاً أمام التهميش الذي سيؤدي حتماً الى التطرف.
وذكر سموه، خلال المؤتمر الذي عقد تحت عنوان "الاقتصاد، التعليم والتنمية" وتتواصل أعماله على مدى يومين، أن إحدى الوسائل القادرة على بناء المواطنة هي صياغة مناهج تربوية يقوم عليها الفكر المستنير، وتشجيع الحوار بشتى الطرق، للحيلولة دون اللجوء إلى العنف والقوة.
وأعرب الأمير الحسن عن أمله في أن تكون الرؤى العربية التركية، لاسيما في قطاع التعليم، سواء بمراحله العامة أو في التعليم العالي ومخرجاته، في خدمة البرامج الوطنية لدول المنطقة، نحو التحول إلى اقتصاد معرفي وإنتاجي، وتأهيل القوى العاملة تكنولوجياً للتعامل مع الأنظمة الصناعية والإنتاجية، وجسر الفجوة بين التعليم والإنتاج.
إلى جانب إيجاد الحلول التي تكفل الارتقاء بالقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وإدامة الروح الريادية: اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، من خلال التركيز على الكفاءة، والمهارات، ورعاية الإبداع، ثم التغلب على محددات المربع الصعب، المربع الأجدى للتعاون الإقليمي لمنطقتنا، مربع الطاقة والتكنولوجيا والمياه والبيئة.
وأضاف سموه أن المقصود بكل ذلك هو الإنسان، وتعليم الإنسان ليكون حراً بالمعنى الذي يؤكد مسؤوليته في الحفاظ على الحرية، الحرية المسؤولة إزاء الانفلات والتفلت والفوضى وتداعياتها المأساوية التي نشهدها اليوم في القيمة الكبرى: القيمة الإنسانية الجامعة.
وقال الأمير الحسن إن التعليم والتنمية الاقتصادية هما أهم قضيتين رئيسيتين في البلدان النامية والمتقدمة على السواء، والعلاقة المباشرة بين هذين العاملين تكتنفها إشكالية كبيرة، خاصة بمنطقة الشرق الأوسط، في ظل الأزمة الحالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي.
وذكر سموه ينبغي ألا يغيب على البال بأن تعليم التفكير، والتفكير الناقد تحديداً، لا يمكن أن يتم إلا بإصلاحات شاملة، اقتصادية واجتماعية وثقافية، وفي أولوياتها دعم البحث العلمي لغايات التنمية.
وقال إن تقاير منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم "اليونسكو" خلال الأعوام الماضية، وبيانات البنك الدولي، أشارت إلى ظاهرة غياب الإرادة السياسية الحكومية عربياً؛ من أجل توفير الموارد اللازمة للأبحاث والتنمية، فمعدل ما أنفق على البحث العلمي لا يتجاوز (0.04 %) من إجمالي النفقات.
وأضاف سموه تشكل النفقات الدفاعية العربية 50 % من تجارة السلاح في العالم (حجم إنفاق دول الخليج العربي وحدها على التسلح العام 2010 تجاوز 105 مليارات دولار أميركي، أي بزيادة 11 مليار دولار عن العام 2009).
وأوضح الأمير الحسن أن العالم العربي، ما يزال يعاني من ارتفاع معدلات الأُمية بين البالغين، مبيناً أن الأُمية القانونية لا تقل خطراً عن المفهوم السائد لأُمية القراءة والكتابة، لأن الأفقر هم ضحايا الأُمية القانونية، وعكس ذلك ضمان الآليات الأساسية للتمكين القانوني، (أي الوصول الى العدالة وسيادة القانون، وحقوق الملكية، وحقوق العمل، وحقوق ممارسة الأعمال التجارية).
وبين أن ارتفاع أعداد الجامعات، وازدياد أعداد الطلبة فيها، نتيجة لعوامل النمو الديمغرافي وزيادة الطلب على التعليم الجامعي، والالتزام بإتاحة التعليم الثانوي لكل قطاعات المجتمع. هي أمور في المحصلة لم تستفد منها القطاعات الاجتماعية الأقل حظاً والأكثر فقراً، وكذلك بعض الفئات المصنفة على أساس عرقي، والمهمشين، والشباب، والمرأة.
وذكر سموه أن البنك الدولي سبق وأن حدد أسباب الفجوة التعليمية التي يعانيها العالم العربي، والتي تكمن في الاهتمام غير الكافي بنوعية التعليم، وفي البيروقراطية الزائدة، والإجراءات البيروقراطية غير المبررة، وغياب المساءلة بشكل كاف في إطار الإدارات الجامعية، والتجديدات غير المناسبة في طرق التدريس، والتقنيات، والإنفاق غير الكافي على الأبحاث.
وتساءل "هل ستحتل المؤسسات المختصة بضمان الكرامة الإنسانية الموقع الأخير في قائمة أو سلم أولويات واضعي السياسات؟"، قائلاً إن إيجاد الحلول للأزمات يحمل معه حكماً فرصاً وآمالاً بالإصلاح والتغيير.
وتابع أننا بحاجة إلى أن يخرج التعليم الفرد قادراً على المشاركة الفاعلة في هذا المجتمع المعولم، وتكون للمجتمع خياراته، وليس الخيارات المفروضة عليه بالسطوة.
وبين سموه أن مجابهة التحديات التي تشهدها منطقتنا، وتفشي نزعات التطرف المذهبي والطائفي والإثني، تفرض علينا أن نستمر في طرح السؤال التالي "كيف نستطيع أن نطفئ ونحتوي شرارات النزاعات والتوترات والاقتتال؟"، التي ستقود حتماً الى تفتيت الدولة، فتغدو الأوطان دويلات طائفية، وتصبح سمة المنطقة سمة صراعية بين تلك الدويلات، ما يعني تدهوراً على مختلف الصعد الإنسانية، وتراجعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
كما تساءل "كيف يمكننا أن نقيم أركان ثقافة السلام في هذه المنطقة؟".
وللحصول على إجابات منطقية على مثل هذه الأسئلة، أكد الأمير الحسن أنه يجب إعادة قراءة الخطاب الديني والمذهبي والطائفي، والبحث عن منابع الغنى في التعددية الثقافية، مع احترام الفروقات، وهذه الإعادة مطلوبة بهذا الوقت أكثر من أي وقت مضى في تاريخ منطقتنا، وخاصة عن طريق تأهيل الوعاظ والأئمة.
وأكد الأمير الحسن أهمية الكرامة الإنسانية بمختلف جوانبها، الكرامة التي يجسدها مجتمع العدالة والمساواة، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون على الجميع، بدون تمييز، وبدون نبذ أي إنسان، أو الاعتداء على حقوق الآخرين، سواء بالواسطات والمحسوبيات، وإضعاف سيادة القانون والتطاول عليه، أو بأي شكل من أشكال العنف والإجبار والقهر.
وأوضح أن ذلك يعني توزيعاً عادلاً للثروات، وإحقاقاً لحقوق الإنسان والتمكين الثقافي والقانوني لعدم انتهاكهما، وتجسير الفجوة بين الفقراء والأغنياء، ما يؤدي إلى تعزيز المناعة الاجتماعية القوية ضد أشكال التطرف.
بدوره، قال عضو اللجنة التنظيمية للمؤتمر أحمد أقطاي إن الاقتصاد يحتاج إلى تضافر الجهود وتعاون الجميع حتى يحقق التنمية المشتركة، والتي تأتي من خلال تدعيم وتعزيز المنظومة التربوية، التي هي أصلاً الأساس الذي تقوم عليه قواعد الاقتصاد.
من جهته، شدد أمين عام منتدى الفكر العربي الدكتور الصادق الفقيه، خلال المؤتمر الذي حضره رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري ووزير التنمية التركي جودت يلماز ومدير عام معهد الفكر الاستراتيجي التركي بيرول افيجن، على ضرورة إيلاء قضيتي التعليم والاقتصاد وما يرتبط بهما الأهمية القصوى حتى يتم تحقيق التنمية المنشودة.
كما أكد أننا نؤمن بمبدأ الشراكة مع الآخرين، بجميع القضايا، وخصوصاً تلك المعقدة والكبيرة، وذلك لتحقيق الصالح العام للعرب والأتراك على حد سواء.
بدوره، أكد رئيس الشرف للمؤتمر ياسين أقطاي أهيمة التركيز على التعليم والتربية والاقتصاد والتنمية، موضحاً أن العالمين الإسلامي والعربي يعانيان من عدم التنمية، التي نحن بأمس الحاجة إليها.
من جانبه، قال رئيس جامعة البترا الدكتور مروان المولا إن ما تتعرض له المنطقة العربية من صراعات التطرف والفتن الطائفية والمذهبية والإثنية، يحتم علينا مواجتهها بفكر مضاد متسلح  بالعقلانية والموضوعية، وبناء الفكر المستنير، والتعليم الهادف، والحوار الديمقراطي للحفاظ على وحدة الوطن والمواطن دون التعرض لانقسامات داخل مجتمعاتنا العربية.
السفير التركي سادات أونال، من جانبه أشار إلى أن العلاقات التركية العربية ترتبط بثلاثة روابط متينة جميعها مهمة وهي: التاريخ والجغرافيا والثقافة.
وأكد أونال أنه بالتعاون والتنسيق سنتغلب على جيمع المشكلات التي تعاني منها المنطقة، وذلك من خلال الاستماع إلى الطرف الآخر، والاستفادة من تجارب وخبرات الآخرين.
وللقضاء على مشكلة الإرهاب، أكد أونال أهمية العمل على إبعاد ومنع الشباب من التقرب إلى هذا الفكر، وذلك من خلال خلق فرص عمل ودعم وتشجيع المؤسسات والشركات الصغيرة وإقامة مشاريع مستقبلية فضلاً عن تطوير التنمية بشكل عام وباستمرار.
من جهته، شدد نائب رئيس الوزراء التركي السابق بشير أتالاي على ضرورة التفكير الاستراتيجي بالتربية والتنمية، والعنصر الأهم في هذين المحورين المتلازمين اللذين لا ينفصلان عن بعضهما بعضا هو الإنسان، مشيراً إلى أن زيادة الديمقراطية والحريات الإنسانية وحقوق الإنسان، تقود إلى التنمية الاقتصادية.
وفيما يتعلق بوصف الإسلام بـ"الإرهاب" من قبل الغرب، أكد أتالاي أن الإسلام والإرهاب لا يجتمعان، مشيراً إلى ضرورة العلم بكل قوة وجهد وبشكل مشترك لمحاربة فكرة وصف الإسلام بـ"الإرهاب".
وناقش المؤتمر، الذي تشارك به نخبة من أساتذة الجامعات والباحثين والمتخصصين من الأردن وتركيا، عدة محاور هي: التعليم والتنمية، تجارب التنمية، التجربة التركية، العولمة والتنمية، العلاقات التركية العربية.
يذكر أن هذا المؤتمر ينظمه منتدى الفكر العربي ومعهد التفكير الاستراتيجي/ تركيا وجامعة البترا، بالتعاون مع الوكالة التركية للتعاون والتنسيق ومؤسسة عبدالحميد شومان وصندوق الترويج التركي. -(بترا)

mahmoud.khatatbeh@alghad.jo

 

التعليق