سبات شتوي: المكان يكشف رتابة الحياة اليومية لشخصياته

تم نشره في الخميس 30 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:00 صباحاً
  • مشهدان من الفيلم - (ارشيفية)

إسراء الردايدة

أبو ظبي- يقدم مهرجان أبو ظبي في نسخته الثامنة مجموعة من الأفلام المميزة والشهيرة الحائزة على جوائز في عدد من المهرجانات الدولية مثل برلين وكان وفينيسيا وتورنتو ومهرجان صن دانس وغيرها.
ومن أقوى الاختيارات العالمية هي فيلم المخرج التركي نوري بيلجي جيلان "سبات شتوي"، الذي نال السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي في دورته 67، لتكون الثالثة له بعد كل من  أوزاك أو "البعد" و"القرود الثلاثة" و"حدث ذات مرة في الأناضول"، وهو بذلك ثاني مخرج تركي يقطف سعفة كان الذهبية بعد أن حصدها عام 1982 المخرج التركي الكردي يلمازغوني عن فيلم "الطريق".
قصة الفيلم تدور في فصل الشتاء والمكان في ريف تركي، حيث يعيش ممثل لم يحقق حلمه بالشهرة يدعى "ايدن" يلعب دوره "هولاك بيلجينير"،  وهو غني يملك فندقا في قرية جبلية في الأناضول مع زوجته  نهال تلعب دورها الممثلة "ميليسا  سوزان "  وهي جميلة جدا واصغر سنا منه بكثير الى جانب شقيقته  المطلقة التي تعيش معهم في فندقهما الريفي.
ويظهر الفيلم  وحشية وقساوة الشتاء برغم جماله، والمكان المعزول الذي اختاره المخرج يعكس ذلك البرود في العلاقات الانسانية في الفيلم سواء بين الزوجين أو بين الأخ وشقيقته والعلاقة بين المالك الغني وبين الفقراء في القرية.
المناظر الصخرية للمنازل المحفورة فيها تتوالى على المشاهد بعد تعرض سيارة ايدن ومسؤول اعماله للرجم بحجر من قبل ابن احد المستأجرين  لتنكشف تلك العلاقة المتناقضة مع محيطه، فشخصية ايدن، شخصية صعبة ومركبة، حافظت على ثباتها طيلة ساعات الفيلم الثلاث من  خلال اكتشاف الواقع اليومي  وتحليل العلاقات الانسانية واثر الطبقية المجتمعية عليها .
ويقدم جيلان بحساسية بصرية عالية واحساس بجماليات الطبيعة تصويرا لحياة  الناس اليومية وما في دواخلهم من يأس واحباط وغضب لشخصياته الاساسية في حوارت طويلة وسط استثمار البيئة وزرع تلك الشخصيات فيه لتعكس العلاقة بين حالة الشخصيات وبين ما حولها.
 وباستخدام اللقطة العامة في الزوايا التصويرية  لكادر الفيلم  وتوزيع حركة الشخصيات، في لقطات طويلة تنساب فيها تلك الشخصيات واداؤها وحوارتها بسلاسة وهدوء دون اي قطع، ما يعزز تلك الروعة في كل مشهد وحوار .
ويبدو الفيلم اشبه بثلاثة فصول، ينتقل فيها المخرج بمشهد قطعي مختلف، فجيلان اختار التصوير في قرية جبلية في الاناصول حيث الابنية ذات طابع معماري منحني، تلاءمت مع حركة الكاميرا للقطات الطويلة للشخصيات في التحرك هنا وهناك، والتي تكشف ذلك الكسر والانهزام في داوخل شخصياته التي تبحث عن مخرج لها.
ويحمل الفيلم رموزا تبني احداثه، فالخيول التي اختيرت لتزيين موقع الفندق العائلي، ترمز للحرية، حيث يسارع لاحقا ايدن لصيد حصان بري وحبسه في الحظيرة قبل ان يطلقه في نهاية  الفيلم، فضلا عن العلاقة التي يحاول ايدن ان يظهرها عبر تقوية وبناء صلة مع زبائنه في الفندق ليبدو مثاليا في افكاره وحضوره بخلاف ما في داخله.
اما  الحوار بين الشخصيات فهو مطول على نحو معقد لكنه مميز وعميق يعكس الفلسفة الوجودية والمناقشات النظرية لازدواجية شخصية ايدن التي تنبع من البرجوازية  بتهكم ذكي  لتظهر حقيقته كشخصية مرائية وواقعه الاستغلالي  بدءا من علاقته بزوجته وحتى بالمستأجرين لديه وحتى علاقته مع نفسه.
أما  الصورة البصرية في الفيلم التي ادارها مدير التصوير جوخان تيرياكي، فكان تأثيره واضحا في ابراز عناصر الرتابة والكآبة التي تلف شخصيات الفيلم عبر التركيز على مناطق الظلال والتعتيم واللقطات الثابتة التي تنتقل بين الشخصيات خلال حوارها مع بعضها، وصولا للانتقال بين الداخل والخارج التي تكشف تلك التحولات لكل شخصية على حدة.
ويضاف لهذا  حالة التهكم والسخرية في الحوار  التي تعكس التأزم في  كل طرف من شخصيات الفيلم بتراجيديا ملموسة تحت رتابة الحياة اليومية وصراعها الداخلي ومحاولاتها اليائسة لتغيير حالها.
المشاهد في فيلم "سبات شتوي" سيختبر تلك الكآبة ويلمسها من خلال  المشاهد الطويلة واللقطات التي تركز على المحيط وبرده القارص وثلجه المنهمر الذي يعكس الجمود في داخل شخصيات الفيلم فهي على نحو متناغم حققت غايتها وتناغمها مع كوادر الفيلم ومشاهده من اول الفيلم حتى نهايته على نفس النمط للشخصية دون الوقوع ودون ان تفقد أيا من نضوجها وتطورها.

Israa.alhamad@alghad,jo

 

التعليق