"شرود": مسرحية تحاكي المعاناة الممزوجة بالألم والأمل

تم نشره في السبت 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 11:00 مـساءً
  • مشهدان من مسرحية "شرود" - (من المصدر)

سوسن مكحل

عمان- انطلقت عروض مسرحية "شرود" للمخرج عبد الله الجريان مساء أول من أمس على خشبة مسرح أسامة المشيني في جبل اللويبدة، التي جاءت بدعم من مؤسسة عبد الحميد شومان وحضرها نقيب الفنانين ساري الأسعد ومدير مديرية الفنون والمسرح محمد الضمور ومجموعة من الفنانين والمهتمين بالمسرح.
وناقشت مسرحية "شرود" المأخوذة عن نص مسرحية "الموت والعذراء" لآرييل دورفمان وأعدها الجريان مخرج العمل؛ قضايا اجتماعية شائكة تداخلت مع شخصية البطل، وهو طالب جامعي يتعرض لقمع سياسي اجتماعي ديني.
وتروي المسرحية عدة جوانب في حياة الطالب "مراد" الذي ظل يبحث عن ملاذ آمن بعد تعرضه لظروف قاسية أجبرته أن ينعزل بعد أن أصبح وحيدا بعد قسوة المجتمع التي نبذته بسبب الاتهامات الملفقة له والمأساة التي تعرض لها في المعتقل.
وتستهل المسرحية حكاية الطالب التي وظفت على الخشبة كأنها استعراض لأحداث مرّت في حياة الشخصية الرئيسية الطالب مراد، وهو يستذكر كيف مرّ الحلم وقبض عليه وأنهكته القسوة.
ومن رائعة الشاعر محمود درويش "أحيانا يلقون عليك القبض وأنت ترتكب الحلم" يبدأ الجريان في تسطير حياة الطالب المتفوق الذي يدرس الطب ويهوى "الغناء" ليتخذ هوايته على محمل الجد.
يبدأ الطالب في الغناء ويؤسس مع مجموعة من الأصدقاء والطلبة مبادرة شبابية في جامعته تعنى بالانتماء للوطن، والذي يراه البعض من القوى السياسية، أو كما جاءت بنسق المسرحية "الأمن"، ارتكابا لجريمة فيجرى القبض على الطالب وزميله.
ما يحدث خلال التحقيقات هو أشبه بسيناريو واضح في كل حالات الاعتقال السياسية "العربية" على الأرجح، والتي "يحاول فيها المسؤول (تلبيس) المتهم تهمة لا علاقة له فيها".
يجري التحقيق والتعذيب بلغة تعبيرية أحيانا كانت صامتة، إذ برع المخرج في تصويرها، وكأنه أراد إيقاع المشاهد وإقناعه أنه شريك بالتعذيب ضد الطالب؛ إذ أنك ستشاهد الآم التعذيب وتصمت، وصمت "المجتمع" أكبر جريمة حين ينتهك حق الفرد بالتعبير والحرية والقمع الاجتماعي والسياسي والديني.
 هكذا تصير الموسيقى "ألما" حين يستغل طبيب المعتقل هواياته في سماع الموسيقى أثناء تعذيب الطالب، فصوّر المخرج الطبيب وكأنه قائد لاوركسترا ويعزف سيمفونية الألم وهو يستمع لشوبارت ومعزوفة "الموت والعذراء" ويعذب المعتقلين ومنهم الطالب على نغماتها.
المشهد الذي خيّل إلى الجمهور وهو جميل "إخراجيا" لو قيس على مستوى "الحقيقية" لكان أكثر ألما مما قد يوصف بالكلمات بالنسبة لشخصية الطالب لو كانت حقيقية؛ فتخيّل أن يصبح الألم موسيقى لمن يهوى الموسيقى والغناء.
يعيش الطالب في المعتقل، حث يمارس عليه كل ما يتوقع من تعذيب وانتهاك جسدي وبالمحصلة يخرج متهما في إدارة شبكة "دعارة"؛ تلك هي الأكاذيب التي نصدقها ويصدقها الآخرون عن الطالب حين يتكاتف المجتمع ليصدق "الكذبة" خوفا من الآتي.
لا شك أن حتمية العذاب كله الانعزال، وهو الأفضل لشاب طموح تحوّلت أحلامه إلى واقع "مؤلم"، وغادره الآخرون تماما كما تغادر الشمس النهار ليحل الظلام، وها هي الحبيبة تغادر حين يتدخل الأهل بمنع الفتاة من البقاء مع حبيبها، والصديق القريب يلملم جراحه بالهروب إلى التديّن المتوقع نتيجة التحاقه بفئة متشابهة خلال المعتقل.
شقيق الطالب الذي يعمل في مؤسسة الدفاع عن حقوق الإنسان يعجز ويفشل بإقناع شقيقه للخروج مما حلّ به خلال الاعتقال، فيحاول قدر الإمكان إخراجه من وضعه بتذكيره أن المجتمع يحمل حالات مماثلة وتتواجد باستمرار بحكم التغييرات الحاصلة وسيطرة القوي على الضعيف.
 تنتهي المسرحية التي ستقدم على مسارح كافة محافظات المملكة ضمن جدول يستطيع الجمهور متابعته على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" صفحة "مسرحية شرود" أو موقع مؤسسة عبدالحميد شومان؛ بطريقة مثلى وعادلة ربما "ستأتي" كما نأمل في علاج قصة الطالب وبشكل مغاير عن الواقع قليلا، حين يفوز المنطق ويذهب قانون الغاب ويلتقي المجرم "الطبيب" بماضيه "مراد" لتكون مفارقة العلاج كما يريدها المخرج وربما الجمهور.
إذا هو الحلم، وتعذيبه وقتله كما أراد الجريان إيصاله من خلال المسرحية وليس قتل الشخصيات بمعناها الحقيقي، فلا أحد حيّ بدون أحلام، وأحيانا بل وغالبا يساء تفسير الأحلام فتتحول إلى "أضغاث أحلام" وتقلب حياة الفرد رأسا على عقب، كما حدث مع الطالب الذي أحب حلم الغناء.
المسرحية التعبيرية قادت للتعبير عن العنف وكيف يساء تفسير المعاني ومنها الحب وبشكل مغاير، بسبب عدم احترام الرأي الآخر، وقمع حرية الفرد، وصولا إلى الاستغناء عن العنف كنزعة داخلية واستبدالها بما هو متأمل بالحب والمسامحة والتشجيع على القراءة.
سينوغرافيا العمل جاء موفقا في استخدام الإضاءة التي كانت تنخفض تدريجيا وتختفي كثيرا، فيما كانت الخشبة التي على شكل درج من ثلاث طبقات، في دلالة تبدو وكأنها طبقات المجتمع؛ (مسحوقة، متوسطة، عليا) وحينا آخر بدت أنها تعبير عن تكوين الإنسان نفسه؛ (جسد، قلب، عقل)، وظل يراوح الإنسان بين تلك الدرجات وكأنها حياة صعود ونزول صراع بين قلب وعقل وجسد.
أداء الممثلين كان متميزا بشكل جماعي، وكأفراد استطاع كل ممثل أن يكون شريكا بالتداخل بنجاح وهذا يحسب لكل ممثل، إذ أن الممثل الذي أدى شخصية الطبيب كان متفوقا بشكل كبير بالتعامل مع الشخصية ومثله شخصية "مراد" الشاب أيضا.
المسرحية أداء كل من؛ مثنى القواسمة، رناد ثلجي، يزن أبو سليم، منذر خليل مصطفى، توفيق زغلول، مجد عفيفي، سائد منصور، يزن العتوم، ليث العرينات، حسام الحسامي، محمد العشا.
الإضاءة لخالد الخلايلة وماهر جريان، الموسيقى لعمر عرفة، وأزياء عائدة الخرابشة، غناء محمد الإدريسي، إدارة وإنتاج أرواد خليفة، مساعد مخرج وحيد القواسمة ومحمد عشا، إدارة خشبة طارق السرحان وعماد الجريان، واستشارة فنية لفادي سكيكر.

التعليق