أركان هوية الدولة في خطاب العرش السامي

تم نشره في الخميس 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:02 صباحاً

رسم خطاب العرش السامي، في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة يوم الأحد الماضي، المعالم الرئيسة أو أركان هوية الدولة الأردنية الحالية والمستقبلية. جزء من هذه الأركان كان مكونات الدولة تاريخياً، لكن الظروف والتحولات السياسية الإقليمية تفرض واقعاً جديداً، تحتاج معه لإعادة التأكيد على هذه المكونات، أو إعطائها معاني جديدة.
البعد العربي كان وما يزال مكوناً أساساً من مكونات الهوية الأردنية الذي تم إقامة الدولة على أساسه. واختص الأردنيون الهاشميون بوصفهم حاملين لراية الثورة العربية الكبرى، وعليه أصبحت الهوية عربية. وقد أثبتت التجربة والتاريخ أن الأردنيين هم من أكثر الشعوب العربية التصاقاً بعروبتهم، ولم يتأخروا يوماً عن نصرة القضايا العربية. وكذلك هي الدولة الأردنية التي تعمل دوماً ضمن الإجماع العربي والدعوة إلى حلول عربية لمشكلاتنا وقضايانا، ولم تتوان في احتضان الأخوة العرب الذين ضاقت بهم بلدانهم.
وبعيد ما يسمى "الربيع العربي" وانهيار النظام العربي الذي ساد منذ الخمسينيات، برزت الحاجة اليوم للأردن عربياً؛ سواء في دول الجوار أو الدول الأبعد جغرافياً، لمساعدة هذه الدول في الخروج من أزماتها، وبخاصة في العراق وسورية وفلسطين. وهو ما أكد عليه جلالة الملك في خطاب العرش، عندما قال إن تسمية الجيش الأردني بـ"العربي" لم تكن صدفة.
أما البعد الثاني، فهو البعد الديني الذي شكل تاريخياً، وما يزال أيضا، ركناً من أركان هوية الدولة والمجتمع. فقد حافظت الدولة الأردنية على البعد الإسلامي في هويتها، وبلورته مع مرور الوقت. وحافظت على الصورة الحقيقية للإسلام؛ المتسامح والمعتدل والمنفتح، فلا يرفض الحداثة بل يتعايش معها ويعطيها معاني جديدة.
لقد رسم الملك في خطابه معالم واضحة لهذا الجزء من الهوية الأردنية الذي يجد نفسه في تضاد مع كل مشاريع الجماعات الدينية المتطرفة والمتزمتة. وحدد المعركة مع هذه الجماعات باعتبارها معركة بين الاعتدال والتطرف. وعليه، فإن الإسلام المعتدل المتسامح هو ركن أساس من هوية الدولة الأردنية المعاصرة.
وكان البُعد الأردني هو البعد الثالث في هوية الدولة. فالأردن الحديث هو نتاج تجربة كل مكوناته الاجتماعية، والتي يجمعها التاريخ والعروبة والدين والمواطنة، والمستقبل أيضاً.
تكاد تكون التجربة الأردنية فريدة في العالم العربي وهي التي استطاعت أن تصمد في وجه كل الصعوبات والتحديات، وتحتاج الى الاستمرار في بنائها وتطويرها.
أما البعد الآخر، فهو البعد الديمقراطي الذي هناك إجماع على أنه يحقق إنجازات غاية في الأهمية، من مثل التعديلات الدستورية، والانتخابات، وغيرهما. وهناك أيضاً إجماع على أن ما تم إنجازه، على أهميته، ليس نهاية الطريق، بل ثمة خطوات مهمة من الضروري اتخاذها حتى تنضج التجربة التي حددها الملك في خطابه، منها إنجاز قانون الانتخابات البرلمانية، واللامركزية، وانضاج تجربة الحكومات البرلمانية. وهذا البعد لا يقل أهمية عما سبقه من أبعاد، لأنه سيقدم تجربة عربية إسلامية ديمقراطية في المنطقة، بنكهة أو خاصية أردنية، ولتكون أحد نماذج الدولة الحديثة.
أما البعد الأخير، فهو البعد الإنساني للدولة الأردنية، والذي ميز مسيرتها التاريخية، سواء كان ذلك من خلال استقبال الأشقاء الذين ضاقت بهم بلدانهم، أو من خلال الدور الإنساني الذي تقوم به القوات المسلحة عبر المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية في العديد من مناطق النزاعات، وأيضا عبر المستشفيات الميدانية التي أقامتها، وتقديم الخدمات الطبية والإنسانية للسكان المدنيين في تلك المناطق.
إن الظروف التي يمر بها الأردن والمنطقة منذ سنوات، تتطلب إعادة بلورة وتكريس مكونات هوية الدولة الأردنية التي كانت العروبة والإسلام والوطنية الأردنية مقوماتها الأساسية لفترة طويلة. وقد أعاد الملك في خطاب العرش السامي  التأكيد على هذه الأبعاد/ المكونات، لكن مع إعطائها معاني جديدة. كما أضاف البُعد الديمقراطي والإنساني لمكونات هوية الدولة. وهذه المعالم ليست كلها منجزة بالكامل، لا بل إن المرحلة الحالية تشكل نقطة انطلاق لإنضاج وبلورة هذه الأبعاد من قبل جميع الأطراف ذات العلاقة.

التعليق