وهم مؤقت

تم نشره في السبت 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً

هآرتس

عميرة هاس

7/11/2014


مساء يوم الأربعاء وبينما كان الشبان الفلسطينيون يصطدمون في عدة أحياء في شرقي القدس مع الشرطة الإسرائيلية عرض في متحف محمود درويش في رام الله فيلم وثائقي عن حياة ياسر عرفات. وكانت قاعة الجليل في المتحف مليئة بأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية وفتح الكبار وغير الكبار، المعروفين وغير المعروفين، كبار السن والشباب.
كان هناك رجال اكثر مما كان نساء. صفقوا عندما أعلن عرفات على الشاشة إقامة الدولة الفلسطينية في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988. الحاضرون، مثل باقي سكان العاصمة الفعلية للسلطة الفلسطينية، تابعوا أحداث يوم الاربعاء في شرقي القدس "عاصمة الدولة الفلسطينية" التي تبعد نحو 10-15كم من هناك.
تابعوا، خلافا لـ"شاركوا" في المظاهرات وفي الصدامات أو "وسعوها" الى مناطق اخرى في الضفة الغربية المحتلة. إذ إن ميزة المجتمع الفلسطيني اليوم هي انفصاله الى وحدات محلية منفردة، الاحداث الدراماتيكية في احداها (الحرب في غزة، الاعتقالات الجماعية في الخليل، الصدامات مع الشرطة الفلسطينية في جنين) لا تؤثر على الباقي.
فالمسافة في الوعي بين كل وحدة جغرافية وغيرها أكبر بأضعاف من المسافة الفعلية - وليس فقط عند الحديث عن غزة وعن القدس، التي سياسة الحصار وقيود الحركة التي فرضتها اسرائيل قطعتها ماديا عن الضفة، او القرى خلف جدار الفصل. فالواقع الموضوعي المشترك، للحكم الاجنبي الذي يعيشه الفلسطينيون كجهاز استعماري يعمل على طردهم وسلبهم، يخصخص ويفكك الى عناصر منفردة، مع تجارب وخبرات مختلفة ظاهرا.
ان اختيار موعد وفاة ياسر عرفات للبحث في التغييرات التي اجتازها المجتمع الفلسطيني يطوي في داخله افتراضا في أن حضور أو غياب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل كان له تأثير على تصميم تلك التحولات. ففي توجهه الى اوسلو او في توقيعه على الاتفاق للتقدم المتدرج نحو هدف لم يتحدد صراحة في الاتفاقات مع دولة الاحتلال، كان لعرفات يد في خلق مسيرة الانفصال الجغرافي التي أثرت بشكل عميق جدا على الانقسام الداخلي - الاجتماعي (التوزيع المؤقت الى مناطق أ و ب و ج والذي اصبح دائما).
ولكن دفاعا عن عرفات يقال ان اسرائيل بدأت تقسم المجتمع الفلسطيني في المناطق التي احتلتها في 1967 حتى قبل مؤتمر مدريد ومحادثات اوسلو. فجهاز تصاريح الحركة الذي خلقته اسرائيل قطع المجتمع في غزة عن باقي المجتمع الفلسطيني في كانون الثاني (يناير) 1991، وشرقي القدس ابتداء من آذار (مارس) 1993. فمنذئذ والعاصمة الفلسطينية السياسية، الاقتصادية، الدينية، الاجتماعية والثقافية اجتازت مسيرة تراجع وانسحاب وعادت الى نطاقات التأثير الانعزالي وغير الوطني للعائلات الموسعة.
ويتبنى عالم الاجتماع جميل هلال القناعة بأنه لولا موت عرفات لما حصل الانقسام السياسي بين غزة والضفة وخلق حكومتين فلسطينيتين متنافستين. وهذا بالتالي هو المجال الذي كان لغياب عرفات فيه تأثير مباشر على تطورات سلبية بعيدة الأثر في داخل المجتمع الفلسطيني. وفي حديث مع "هآرتس" قال هلال انه يحتمل جدا الا يكون عرفات يوافق على اجراء انتخابات في المرة الثانية في 2006، لانه قدر بأنها ستمنح شرعية للاحتلال المتواصل (الذي حسب اتفاق اوسلو كان يفترض أن يصل الى نهايته في 1999). وبدون انتخابات ما كان ليقع الشرخ السياسي الاجتماعي العميق جدا الذي نشأ داخل المجتمع. واذا ما كانت انتخابات، فإن هلال يقدر بأن حركة فتح كانت ستنتخب لأن عرفات كان سينجح في التغلب على كل الخصومات والانشقاقات الداخلية فيها.
وكاستكمال للانقسام الى وحدات جغرافية منقطعة تجري في المجتمع الفلسطيني مسيرة تذرية او فردية، على لسان هلال. "فانتشار الفردية معناه أن المزيد من الفلسطينيين يبررون أسبقة قضاياهم الشخصية على المصالح والاحتياجات الجماعية ويدافعون عن مصالحهم الشخصية هذه"، كتب هلال في مقال يسأل ما الذي يمنع الانتفاضة الثالثة. وقد نشر المقال في أيار (مايو) في موقع "الشبكة" - وهو فريق فكري مستقل من الفلسطينيين بلا حدود - في البلاد، في الشتات وفي المنفى.
السلطة الفلسطينية (تحت عرفات وبقوة اكبر بعد موته) تبنت نظاما اقتصاديا ليبراليا جديدا فيه كما يكتب هلال "حصل القطاع الخاص على الدور الحاسم في تصميم الاقتصاد الفلسطيني وتثبت فيه التعلق الفلسطيني بالمساعدات الخارجية وبتحويل الضرائب من اسرائيل. وجعل التعلق بالتبرعات السلطة عرضة للضغط السياسي ودفعت موظفي القطاع العام من الخوف من كل تغيير يعرض للخطر مصدر دخلهم".
وتبني التفكير الليبرالي الجديد ليس مفاجئا، يقول هلال: فالسلطة الفلسطينية أقيمت في ذروة العصر الليبرالي الجديد العالمي، ودعمت من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الدول المانحة والجمعيات غير الحكومية، المتعلقة هي ايضا بالتبرعات من الخارج.
عامل آخر ساهم في خلق الفرضية هو الهبوط في تأثير ومصداقية المنظمات السياسية وبناء البيروقراطية للدولة الوهمية في السلطة (وحكم حماس ايضا)، تحت الوهم بالتقدم نحو الدولة، كما كتب هلال يقول. وأخلت الثقافة السياسية المتساوية في اساسها "للإخوة والرفاق" في عهد الكفاح المسلح والشعبي، مكانه الى بطانة مراتبية من "اصحاب المعالي الوزراء"، مديري الشركات بربطات العنق الجنرالات بالرتب وكل من تحتهم.
في العشرين سنة الاخيرة اتسعت الفوارق الاقتصادية بين المناطق الجغرافية، المدن، القرى ومخيمات اللاجئين والعائلات الموسعة.
قبل اوسلو، قال هلال لـ"هآرتس": عندما كان عدد العمال في اسرائيل كبيرا والحركة الى اسرائيل حرة كانت رواتبهم أعلى من رواتب ابناء الطبقة الوسطى. وفي السنوات الاخيرة اتسعت الطبقة الوسطى المتعلقة بالسلطة، بأجهزة أمنها وبالقطاع الخاص العامل حسب اعتبارات الربح. والمصلحة البارزة لهذه الطبقة - خلافا للعمال والفلاحين غير المؤطرين اليوم كما ينبغي، تمثلها اتحادات مهنية قوية جدا - هي عدم إيقاظ الدبب النائمة، أي عدم خرق الوضع الراهن.
ووصفت عالمة الاجتماع هنيدة غانم، التي تدير المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية البطانة الأنانية الفلسطينية فقالت: "توجد نخبة صغيرة أقامت روابي، وهناك من أثروا من مسيرة اوسلو. توجد طبقة وسطى في رام الله، تعيش في فقاعة وفي وهم بأن الوضع جيد لأنها تعيش على القروض من البنوك.
وتوجد غالبية الشعب، التي لا تعيش في الفقاعة وتعاني في الواقع القائم. وتركض الطبقة الوسطى خلف أمنها الشخصي وخلف القرض للسيارة - في تل أبيب وفي نيويورك لا توجد سيارات مثل تلك التي ترى هنا في رام الله. هذه طبقة وسطى تحت الاحتلال، تعيش في الجمعيات، في الأكاديمية، في المدارس، في الوزارات الحكومية. ذات مرة كانت طليعة الفعل الوطني للمقاومة والمشروع الوطني. الآن تنشغل في تسديد الديون. من يعمل في الجمعيات، ينشغل في إرضاء المانحين".
إن واقع الوحدات المنفصلة الذي نشأ منذ بداية مسيرة اوسلو، يذكر بتجربة م. ت. ف في الأردن وفي لبنان: هناك ايضا عمل في داخل مجتمع فلسطيني مشتت دون مجال وتواصل اقليميين، ولكن التجربة المشتركة لشعب اللاجئين والكفاح تغلبت على غياب التواصل. وعليه فلعل عرفات لم يخف من فرض الانقسام الجغرافي لمناطق أ و ب و ج في 1995. فقد رأى في ذلك شيئا مؤقتا لن يستمر أكثر من خمس سنوات حتى 1999.
وقالت غانم لـ"هآرتس" ان "عرفات وكثيرين آخرين في الجمهور الفلسطيني اشتروا هذا المؤقت الذي باعته لهم اسرائيل. ولكن تحت مظلة المؤقت خلقت اسرائيل المستوطنات الكبرى. عرفات كـ"بن" غوريون، آمن بأن في وسعه أن يناور في ما هو موجود للوصول الى الهدف المحدد: إقامة دولة في الضفة والقطاع".
وقالت غانم: لقد مثّل عرفات الأمل للفلسطينيين ووجود إمكانات مختلفة وبدائل. "فإذا كان في زمن عرفات آمن الناس بأن هذا وضع مؤقت فبدونه فقد المجتمع الفلسطيني الأمل والأفق".
هذا مجتمع واعٍ جدا للتناقض الداخلي الذي يعيش فيه وهذه ايضا ميزة بارزة له: فمن جهة، كما يصيغ هلال ذلك، توجد كل الظروف الموضوعية، الموحدة، المكتلة، التي يوفرها الاحتلال الاسرائيلي كي تندلع انتفاضة ثالثة. ومن جهة أخرى، واقع اوسلو (الذي هو جزء من تلك الظروف الموضوعية) خلق ظروفا ذاتية لطبقة اجتماعية، فوارق اقتصادية، أجهزة أمنية تفرض الانضباط وتخضع لإرادة الدول المانحة. كل هذه تمنع أو تؤخر الانتفاضة التالية.

التعليق