اقتصاديات الدمج

تم نشره في الأحد 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً

ريكاردو هوسمان*

كمبريدج ـ- يرى كثيرون أن النمو الاقتصادي هدف ملتبس أخلاقيا ــ ولا يصبح سائغاً أو مقبولا، وفقاً لهذا الرأي، إلا إذا تم تقاسمه على نطاق واسع وكان تحقيقه مستداماً بيئيا. ولكن كما يحب والدي أن يقول: "لماذا تجهد نفسك في جعل شيء ما صعباً ما دام بوسعك أن تجعله مستحيلا؟". إذا كنا لا نعلم كيف نجعل الاقتصادات تنمو، فإن هذا يستتبع بالضرورة أننا لا نعلم كيف نجعلها تنمو بطريقة شاملة ومستدامة.
لقد ناضل أهل الاقتصاد مع المقايضة بين النمو والعدالة. ولكن ما هي طبيعة هذه المقايضة؟ وكيف يمكن تقليص آثارها؟ وكيف يمكن إدامة النمو إذا كان يؤدي إلى المزيد من التفاوت وعدم المساواة بين الناس؟ وهل تعمل إعادة التوزيع على إعاقة النمو؟
أعتقد أن كلاً من التفاوت والنمو البطيء ينجم غالباً عن شكل معين من أشكال الإقصاء. وقد قال آدم سميث: "إننا لا ننتظر عشاءنا من بِر أو إحسان الجزار أو الخباز، بل من نظرتهم إلى مصلحتهم الخاصة". لماذا إذن لا يعمل النمو على ضم الناس انطلاقاً من المصلحة الخاصة، بدلاً من المطالبة بالعمل الجماعي المفتعل؟
من المعروف أن مستويات الدخل تتباين بشكل كبير في مختلف أنحاء العالم. فبفضل أكثر من قرنين من الزمان من النمو المستمر، أصبح متوسط نصيب الفرد في الدخل في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو أربعين ألف دولار أميركي ــ وهذا الرقم أعلى من نظيره في أميركا اللاتينية بنحو 3.3 مرات، وأعلى من نظيره في جنوب آسيا بنحو 11.3 مرة، وأعلى من نظيره في بلدان جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا بنحو 17.7 مرة. ومن الواضح أن النمو المستدام لم يشمل غالبية البشر.
وما قد لا يكون معلوماً بنفس القدر هو أن الفجوات القائمة داخل البلدان كبيرة للغاية. على سبيل المثال، يبلغ نصيب العامل في الناتج المحلي الإجمالي في ولاية نوفيو ليون في المكسيك ثمانية أمثال نظيره في ولاية جيريرو، في حين يقل نصيب العامل في الناتج في مقاطعة تشوكو في كولومبيا عن واحد على خمسة من نظيره في بوجوتا. ولكن لماذا يستخرج الرأسماليون من العمال هذه القيمة الضئيلة ما دام بوسعهم أن يستخرجوا منهم أكثر من ذلك بمراحل؟
الإجابة بسيطة إلى حد مذهل: التكاليف الثابتة. إن الإنتاج الحديث يقوم على شبكات من الشبكات. والشركة الحديثة تتألف من شبكة من الناس الذي يتمتعون بخبرات مختلفة: الإنتاج، والخدمات اللوجستية، والتسويق، والمبيعات، والمحاسبة، وإدارة الموارد البشرية، وما إلى ذلك. ولكن الشركة ذاتها لابد أن تكون متصلة بشبكة من شركات أخرى ــ الموردين والعملاء ــ من خلال شبكات النقل والاتصالات المتعددة الوسائط.
ولكي تشكل جزءاً من الاقتصاد الحديث، فإن الشركات والأسر تحتاج إلى الوصول إلى شبكات إمداد المياه والتخلص من مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة. وهي تحتاج إلى القدرة على الوصول إلى شبكات توزيع الكهرباء، والنقل الحضري، والسلع، والتعليم، والرعاية الصحية، والأمن، والتمويل. ويتسبب الافتقار إلى القدرة على الوصول إلى أي من هذه الشبكات في انحدار هائل في الإنتاجية. ولنتخيل معاً كيف قد تتغير حياتنا إذا اضطررنا إلى السير لساعتين كل يوم للحصول على المياه الصالحة للشرب أو الخشب للوقود.
ولكن ربط هذه الشبكات ينطوي على تكاليف ثابتة. فقبل أن يتمكن أي شخص من استهلاك كيلو واط-ساعة من الكهرباء، أو لتر من الماء، أو يستقل حافلة، لابد أن يمد شخص ما سلكاً نحاسيا، وماسورة، وطريقاً إلى مسكنه. ولابد من استرداد هذه التكاليف الثابتة من خلال فترات طويلة من الاستخدام.
وإذا كان من المتوقع أن يكون الدخل منخفضا (ربما بسبب شبكات أخرى غائبة)، فإن هذا لا يغطي تكاليف توصيل شركة أو أسرة بالشبكة، لأن التكاليف الثابتة لن تُستَرَد. والنمو ليس شاملاً لأن التكاليف الثابتة تمنع الأسواق من تمديد الشبكات التي يقوم عليها.
وتؤثر التغيرات في هذه التكاليف الثابتة بشكل كبير على اتخاذ القرار بشأن من يتم ضمه إلى الشبكات. على سبيل المثال، بدأت أول شركة هاتف العمل في عام 1878، في حين لا يتجاوز عمر الهواتف المحمولة 25 عاما. وقد يتوقع المرء أن تكون الأولى انتشرت أكثر من الأخيرة، لمجرد ميزة الزمن. ورغم ذلك، في أفغانستان، هناك 1300 هاتف محمول في مقابل كل خط هاتف أرضي. وفي الهند هناك 72 خط هاتف محمولاً لكل مائة شخص، و2.6 خط أرضي فقط لكل مائة شخص.
والواقع أن العديد من الهنود الذين يملكون هواتف محمولة يضطرون إلى التبرز في الخلاء لأن الهندي المتوسط لا تُنقَل المياه إلى مسكنه عن طريق المواسير. وفي كينيا حيث يوجد 50 هاتفاً محمولاً لكل مائة شخص، يستطيع 16 % فقط من السكان الحصول على الكهرباء. وهذا يعكس حقيقة مفادها أن أبراج وأجهزة الهواتف المحمولة أرخص كثيراً من المواسير والأسلاك النحاسية، الأمر الذي يجعل من المستحيل أن يسدد الفقراء التكاليف الثابتة.
أي أن التكاليف الثابتة هي التي تحد من انتشار الشبكات. لذا فإن أي استراتيجية للنمو الشامل لابد أن تركز على سبل خفض أو تغطية التكاليف الثابتة اللازمة لربط الناس بالشبكات.
ومن الممكن أن تساعد التكنولوجيا في هذا الصدد. من الواضح أن الهواتف المحمولة فعلت المعجزات. وقد تعمل الخلايا الضوئية الأرخص ثمناً على تمكين القرى النائية من الحصول على الكهرباء من دون التكاليف الثابتة المتمثلة في خطوط النقل الطويلة. وقد يساعد العمل المصرفي عن طريق الهاتف المحمول في خفض التكاليف الثابتة التي تواجهها البنوك التقليدية.
ولكن في مناطق أخرى تتعلق المسألة بالسياسة العامة. فمنذ بدايتها في العام 1775، كانت الخدمة البريدية في الولايات المتحدة تقوم على مبدأ مفاده أن "كل شخص في الولايات المتحدة ــ بصرف النظر عن شخصه أو مكانه ــ يملك حق المساواة في القدرة على الوصول إلى خدمة بريدية آمنة وفعّالة ومعقولة التكاليف". كما أدى منطق مشابه إلى تمديد شبكة الطرق السريعة بين الولايات.
من الواضح أن كل هذا يكلف مالا، وهنا يصبح ترتيب الأولويات مهما. فالبلدان الفقيرة تفتقر إلى المال اللازم لربط كل شخص بكل شبكة في وقت واحد، وهو ما يفسر الفوارق الكبيرة في الدخل بين المناطق. ولكن قدراً كبيراً للغاية من الموارد يتم تخصيصه غالباً لتمويل تدابير توزيعية ملطفة بهدف علاج الإقصاء وليس أسبابه. فالدول مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وبيرو وأوغندا وجواتيمالا وباكستان وفنزويلا تنفق على الإعانات والتحويلات المالية مبالغ من المال أكبر كثيراً من كل ما تنفقه على الاستثمارات العامة لتمديد شبكات البنية الأساسية والتعليم والرعاية الصحية.
إن أي استراتيجية للنمو الشامل لابد أن تمكن الناس من خلال ضمهم إلى الشبكات التي تجعلهم منتجين. ولا ينبغي لنا أن ننظر إلى الشمولية باعتبارها قيداً على النمو لجعلها مستساغة أخلاقيا. وإذا نظرنا إلى الشمولية على النحو الصحيح فسوف ندرك أنها في حقيقة الأمر استراتيجية لتعزيز النمو.

*مدير مركز التنمية الدولية، وأستاذ ممارسات التنمية الاقتصادية في كلية جون ف. كينيدي للدراسات الحكومية في جامعة هارفارد، ووزير التخطيط الأسبق في فنزويلا.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع" بروجيكت سنديكيت".

التعليق