نتنياهو هو الخطر الحقيقي الذي يهدد أمن إسرائيل

تم نشره في الجمعة 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو - (أرشيفية)

ألون بن مئير* - (ميدل إيست أونلاين) 5/11/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كرئيس للوزراء، يستحضر نتنياهو باستمرار واجبه المقدس لحماية الأمن القومي لإسرائيل. لكن من المفارقة أنه أصبح الشخص الوحيد الأكثر تهوراً والذي يهدد روح أمن الدولة نفسها. ولا يحتاج المرء، إلى النظر بعيداً لكي يزدري عدم أصالة وضلال سياسات نتنياهو التي لم تفض سوى إلى تقويض أمن إسرائيل المستقبلي.
يستخدم نتنياهو مهاراته السياسية في الخداع والتضليل بغية "حماية نفسه من الهزيمة السياسية"، بينما يغض الطرف عما هو الأفضل لمستقبل الدولة. وهو يحيط نفسه بجموعة من المحابين الذين أعماهم حماسهم الإيديولوجي المنحرف الخالي من الأخلاقيات أو المعتقدات من أجل دعم أجندته السياسية العقيمة. ومن المؤكد أن إسرائيل في ظل قيادة نتنياهو أصبحت تقف عالمياً على الخط الدفاعي، منعزلة ومهددة من الداخل ومن الخارج، ومكروهة ومنتقدة من الأصدقاء والأعداء على حد سواء، ومن دون أي فرصة لإنجاز السلام. وهو ما لا يخل بأمن إسرائيل وحسب، وإنما بوجودها الكلي أيضاً.
ما هو المعيار الذي يستطيع نتنياهو بموجبه أن يدعي أن احتلال الضفة الغربية يعزز الأمن القومي لإسرائيل؟ لم تفعل خمسون عاماً من الاحتلال تقريباً أي شيء باستثناء تحريض الفلسطينيين وتعميق كراهيتهم وعداوتهم لإسرائيل ودفعهم نحو المزيد من التطرف، مما أتاح المجال أمام ولادة حماس وجمع من المجموعات الجهادية الأخرى.
كيف لبناء المستوطنات وتوسيعها تحت ذريعة تأمين الحدود أن يوفر لإسرائيل أمناً أفضل؟ ثمة آلاف من الجنود الذين ينتشرون في عموم الصفة الغربية لحماية المستوطنين، وعلى نحو يجعل من المستوطنات عبئاً أمنياً وليس أصلاً من الأصول. كما أصبحت المستوطنات مصدراً لإثارة سخط الفلسطينيين وعنفهم فيما يغلق استمرار تمدد المستوطنات نافذة حل الدولتين. وتزيل المستوطنات الاحتمال بتأسيس دولة فلسطينية بينما تعرض للخطر أمن إسرائيل وهويتها القومية، وتعمل على تحييد المجتمع الدولي.
بدلاً من تبني مبادرة السلام العربية، وخاصة في الوقت الراهن، حيث المنطقة برمتها واقعة في أتون فوضى عارمة، وحيث الدول العربية أكثر حرصاً من السابق على صنع سلام، ما يزال نتنياهو يرفض تبنيها، بغض النظر عن حقيقة أن القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين الحاليين والسابقين يتوسلونه كي يتبناها. وبرفضه مبادرة السلام العربية، يصادر نتنياهو مرة أخرى فرصة تاريخية أخرى للتفاوض، مع بعض الأخذ والعطاء، على سلام دائم يستطيع أكثر من أي شيء آخر تعزيز أمن إسرائيل القومي طويل الأمد بشكل جوهري.
لقد درج نتنياهو على تجاهل مناشدات حلفاء إسرائيل الغربيين الداعية إلى تعديل سياساته إزاء الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال. ولشعورها بالحنق والغضب بسبب استمراره في انتهاك الحقوق الإنسانية للفلسطينيين بينما يغتصب أراضيهم، بوصة في إثر بوصة، تخلت الدول الأوروبية عنه. وستكون هناك تداعيات سياسية أمنية طويلة الأمد على إسرائيل بسبب خسارة الدعم الأخلاقي والسياسي الغربي، فيما يصبح البلد منعزلا بازدياد وأكثر عرضة من ذي قبل للتهديدات الخارجية.
مثقلاً بمجده الذاتي وبافتقاره إلى الحساسية، خان نتنياهو شركاء السلام الأردنيين الذين يشرفون على الأماكن الإسلامية المقدسة، من خلال استخدام جبل المعبد -المكان الحساس أكثر ما يكون لليهود والمسلمين- لتأكيد حق اليهود في المكان في وقت توتر بالغ. ومن أجل تقوية قاعدته السياسية أكثر، يستفز نتنياهو الفلسطينيين عبر تقييده لتحركاتهم وسجنهم بشكل تعسفي، ما يدفعهم عن قصد وغالباً باستخدام العنف، إلى المقاومة. وبعد ذلك يستخدم مقاومة الفلسطينيين للاحتلال لتبرير معاملته القاسية أمام قطاع مرحب متنامٍ من يمين الوسط الإسرائيلي. وكما لاحظ أرسطو فانس ذات مرة: "أنتم الديماغوجيون مثل صيادي ثعابين الماء: في المياه الراكدة لا يصطادون شيئاً، لكنهم إذا حركوا الماء يكون صيدهم جيداً".
لقد عمل نتنياهو وحكومته، بالتمييز الممنهج ضد العرب، على إيصال الإسرائيليين إلى نقطة أصبحوا معها يدينون بصوت عالٍ وبقوة عدم المساواة الإسرائيلية، ويقفون بانفتاح مع إخوانهم في الضفة الغربية وغزة. ومن الممكن أن تفضي مواصلة سياسة نتنياهو الراهنة تجاه العرب الإسرائيليين إلى تداعيات أمنية قومية كارثية، حيث تعول إسرائيل على ولاء 20 % تقريباً من مواطنيها، خاصة في وقت الصراع الحاد مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.
بدلاً من العمل جدياً في السعي من أجل التوصل إلى سلام تحت الرعاية الأميركية، لم يتفاوض نتنياهو البتة مع الفلسطينيين بنية مخلصة. كما تجاهل دعوة أميركا إلى تجميد بناء المستوطنات، الذي تعتبره الولايات المتحدة عائقاً رئيسياً أمام السلام. ومن خلال المروق على أوثق حلفاء بلده الذي يعد التزامه بأمن إسرائيل القومي مركزياً بالنسبة لديمومتها وسط بحر من العداوات، يجب لوم نتنياهو الآن وتحميله مسؤولية الأزمة بين إسرائيل والولايات المتحدة وتدهور العلاقات الثنائية بينهما، والتي لم تهبط إلى هذا المستوى المنخفض أبداً في تاريخ إسرائيل كله.
عبر الامتناع عن لجم وزرائه سليطي اللسان، أصبح نتنياهو متواطئاً في هجماتهم الكلامية المثيرة للغضب على المسؤولين الأميركيين. ولا يمكن تفسير عبثية هؤلاء الوزراء، بمن فيهم وزير الدفاع موشي يعالون، ووزير الخارجية افيغدور ليبرمان، ووزير الاقتصاد نفتالي بينيت، إلا بعماهم عن استيعاب عدم إمكانية استغناء إسرائيل عن الولايات المتحدة. وما يجعل الأمور أكثر سوءاً هو أن حكومة نتنياهو فقدت مصداقيتها في الولايات المتحدة، والتي ساعد دعمها السياسي والاقتصادي والعسكري إسرائيل على أن تصبح قوة إقليمية هائلة، وهو ما لا يسلم به نتنياهو والعديد من وزرائه الورعين.
تكمن المفارقة في أن نتنياهو يستحضر المخاوف الأمنية القومية، حتى بينما أصبح شخصياً تحت الانتقاد المكثف من المسؤولين الأميركيين الذين وصفه أحدهم دون التعريف بنفسه بأنه "روث دجاجة" أو "رعديد". وقال نتنياهو للكنيست (البرلمان) مؤخراً: "إنني أتعرض للهجوم، ببساطة لأنني أدافع عن دولة إسرائيل. ولو لم أقف بحزم من أجل مصالحنا القومية، لما كنت تحت الهجوم".
إن الذي يؤثر ويستمر في التأثير بشكل عكسي على الأمن القومي لإسرائيل هو التقسيم السياسي للبلد، والذي يحول دون ظهور سياسة متماسكة تجاه الفلسطينيين، وهو الأمر الذي عصف بإسرائيل. ولا تختلف حكومة نتنياهو في ذلك كثيراً عن الحكومات السابقة: إنها تتكون من أحزاب سياسية متفاوتة لها أجندات سياسية مختلفة بقيادة أشخاص مغرورين. ويعتقد كل وزير فيها بأنه يجب أن يكون رئيس الوزراء التالي، لكن أحداً لا يتوافر على مزايا الجرأة والبصيرة والقيادة ليكون القدوة، ولا أحد يتوافر على رؤية للمكان الذي يجب أن تكون فيه إسرائيل بعد 10 أو 15 عاماً على الطريق. وهذا يشمل زعيمي الحزبين الآخرين، وزيرة العدل تسبي ليفني (حاتنوا)، ووزير المالية يئير لابيد (يش اتيد). ومع أن الاثنين يحملان وجهات نظر معتدلة حيال الفلسطينيين، فإن حقيقة أنهما لم يتحديا نتنياهو لتغيير نهجه أبداً ولم يتركا حكومة الائتلاف، تشي بأنهما متورطان في سياسة نتنياهو سيئة المشورة وتداعياتها الخطيرة على الأمن القومي لإسرائيل.
إن الأمور متروكة لنتنياهو ليستغل بنجاح وليحرض زعيم حزب ضد الآخر، مع علمه بحقيقة أنهم يقدرون مناصبهم وألقابهم أكثر من الاضطلاع بمسؤولية فعلية لخدمة الأمة. ورغم أن لإسرائيل اهتمامات أمنية قومية مشروعة، فإن نتنياهو يهبط بها إلى أجندته الإيديولوجية الضيقة ويستخدمها كأداة لاستغلال الجمهور.
إن عدم رغبة نتنياهو في تطوير استراتيجية أمنية قومية أصيلة يجب أن تستند إلى السلام وتتمتع بالدعم من جانب كل الأحزاب السياسية، إنما تؤكد أن ما سيلي في أفضل الحالات سيكون شللاً، وفي أسوأها سياسة مضللة تقود إلى كارثة.

*أستاذ العلاقات الدولية في مركز العلاقات العالمية في جامعة نيويورك. يُدرس دورات في المفاوضات الدولية وفي الدراسات الشرق أوسطية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Real Danger To Israel’s Security Is Netanyahu

التعليق