الولايات المتحدة دمرت ليبيا

تم نشره في السبت 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً

ستيفن كينزر* — (ذا بوسطن غلوب) 7/11/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ثلاثة أعوام فقط مرت منذ أن دمرت حملة القصف التي قادتها الولايات المتحدة نظام معمر القذافي في ليبيا. في البداية، بدت تلك العملية وكأنها انتصار للسلام والتحرر. ومن خلال إسقاط الدكتاتور، افترضنا أننا "حررنا" الليبيين، وأنهم سيعمدون بالتالي إلى الاستقرار في رحاب دولة ديمقراطية موالية لأميركا.
لكن السرعة التي ثبت لنا بالوجه القطعي خطأ تلك الافتراضات الكارثي، تخطف الأنفاس. وكذلك هو حال التداعيات غير المقصودة والكاسحة التي نجمت عن هذا التدخل. لم يتخيل حتى أولئك الذين عارضوه مدى البعد الذي ستصل إليه آثاره. ومن المرجح أن يسجل هذا الحدث في التاريخ كأكثر التدخلات سفوراً في عهد أوباما.
في الأثناء، تكشف التقارير الحديثة القادمة من ليبيا، والتي صدرت بالتزامن مع الذكرى الثالثة للإطاحة بالقذافي وقتله، عن أن الدولة الليبية توقفت عن أن تكون على قيد الحياة. لا وجود لحكومة مركزية هناك. ووفق منظمة العفو الدولية "أمنستي انترناشيونال" فإن "المجموعات والمليشيات المسلحة أصبحت هائجة، تشن الهجمات العشوائية على المناطق المدنية وترتكب الإساءات والانتهاكات واسعة النطاق، بما في ذلك ارتكاب جرائم حرب وسط حصانة تامة." إلى ذلك، تدعم مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة وتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية فصائل حرب العصابات. ويقول مبعوث الأمم المتحدة سيء الطالع، برناردو ليون، أنه بالكاد يستطيع أن يتوسط "لأن الأعداء هم مئات من المليشيات". وقد باتت الحرب الشاملة، تبعاً لذلك، احتمالاً حقيقياً. وهكذا، يكون الأسوأ مقبلاً في قادم الأيام.
كان من الممكن، لا بل من الواجب، أن يكون قد تم التنبؤ بهذا التطور. ذلك أن إزاحة نظام مستقر في مكانه منذ أمد بعيد ينطوي على خطورة ما لم يكن هناك بديل واضح جاهز ليحل محله. ومن شأن هذه الإزاحة أن تفرز فراغاً في السلطة. ولذلك نرى أن المتنافسين يخوضون القتال بحثاً عن أماكن لهم في النظام الجديد. وعبر تقطيع أوصال ليبيا فجأة، جعلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو الصراع والفوضى والإرهاب أموراً حتمية في ذلك البلد.
تجدر الإشارة إلى أن المسؤولين الأميركيين كانوا قد انقسموا على أنفسهم حول مسألة قصف ليبيا في العام 2011. لكن الرئيس أوباما رجح كفة الفصيل المؤيد للقصف في نهاية المطاف، جاعلاً من ذلك أول تدخل عسكري في التاريخ الأميركي -ربما الأول على الإطلاق- الذي يشن من جانب نساء. فقد كانت المنافحات عنه داخل أروقة السلطة هن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس، وسامانثا باور التي كانت في ذلك الوقت من بين موظفي مجلس الأمن القومي الأميركي. وقد حذرت هؤلاء النساء من أن القذافي كان يخطط لمهاجمة معقل المعارضة الليبية، بنغازي، وبالتالي قدح زناد كارثة إنسانية وشيكة. ومع أنهن ربما كن على جادة الصواب، إلا أنهن بالغن في تقييم قدرة أميريكا على لجم الآثار الناجمة عن قصف ليبيا. فقد أفضى القتال الذي دار في بنغازي مثلاً في الشهر الماضي إلى مقتل أكثر من 200 شخص.
كما يجدر التنويه إلى أنه مع حلول الوقت الذي أطحنا فيه بالقذافي، فإنه كان قد تخلى عن طموحاته النووية وتوقف عن تهديد مصالحنا، وحافظ على بلده مستقراً لعقود، ولو أنه عمد في بعض الأحيان إلى استخدام أساليب وحشية. لكننا روجنا للإطاحة به من دون التفكير على نحو جاد بنوع النظام الذي قد يليه. ومسترشدين بمزيج أميركي جوهري من التفاؤل الساذج ومركزية الذات الثقافية، سمحنا لأنفسنا بالاعتقاد بأن باستطاعتنا شق طريقنا بالعنف إلى داخل ليبيا وتحطيم كل المؤسسات التي كانت قد عاشت فيها لأكثر من 40 عاماً، مفترضين عن غباء بأن الأمور ستسير بسلام بطريقة أو بأخرى، وبأن ليبيا ستصبح "متحررة".
لقد كان ذلك فشلاً في التخيل الإستراتيجي يستحق النعي. كان من الواجب على أي مفكر حكيم أن يكون قد استشرف أن محو هيكل الحكم الليبي بين عشية وضحاها تقريباً سوف يشعل فتيل أوار صراع مدني. ويشار إلى أن البعض قد أتوا بمثل ذلك الاستشراف، بمن فيهم وزير الدفاع في حينه روبرت غيتس. لكن ما لم يستشرفه أحد مع ذلك، كان أن قصف ليبيا سيفعل شيئا ما وراء مجرد تدمير الدولة الليبية. لقد كانت له تداعيات تنعكس راهناً فيما هو أبعد من حدود ليبيا.
كان جيش القذافي يضم جهازاً من قوات النخبة من قبائل الطوارق في مالي. وعندما تمت الإطاحة به، دهم هؤلاء الطوارق ترساناته وساقوا أسلحته الثقيلة في قوافل عائدين بها إلى موطنهم مالي. وهناك، استخدموها لإشعال فتيل صراع حول مساحة شاسعة من شمال إفريقيا إلى منطقة غير محكومة، حيث يتخمر الإرهاب المتطرف وحيث يعيش الناس في ظل قمع قاس. وبالإضافة إلى ذلك، انتقلت كميات كبيرة من الأسلحة من مستودعات القذافي لتقع في أيدي ميليشيات متطرفة أخرى، بما فيها مجموعة "بوكو حرام" في نيجيريا، والشهيرة باختطاف فتيات المدارس. وهذا كله جزء من إرث قرارنا قصف ليبيا قبل ثلاثة أعوام.
كانت الحياة في ظل حكم القذافي حرة بالكاد. لكن معظم الليبيين كانوا مع ذلك يعيشون حيوات طبيعية بشكل معقول طالما كانوا مبتعدين عن السياسة. واليوم، أصبح من الصعب على أي ليبي أن يعيش حياة طبيعية. كما لا يستطيع أي شخص أن يعيش في مناطق يمارس عليها الإرهاب من جانب مجموعات استولت على أسلحة من المعدات العسكرية المسروقة من ترسانات القذافي. ويجب أن يعطينا الإرث المتكشف لهذا التدخل وقفة تأمل فيما نحن ندرس أوضاع التدخلات الأخرى.

*زميل زائر في معهد واتسون للدراسات الدولية في جامعة براون.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 The U.S ruined Libya

التعليق