الدم والبطاريات هي المهربات المفضلة في كوباني

تم نشره في السبت 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • مدينة كوباني السورية الكردية تحت القصف - (أرشيفية)

إريكا سولومون – (فايننشال تايمز) 11/11/2014

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

حول الأكواخ الطينية مسطحة السقوف في قريتهم التركية الحدودية، يمتد سياج الأسلاك الشائكة الذي يشكل علامة القسمة الهشة بين الحرب والسلام –ونقطة الانطلاق أيضاً بالنسبة للمهربين الذين يسلكون مساراتهم المعروفة منذ عقود إلى داخل سورية. وفي هذه الأيام، أصبح خيار سلع التهريب الأفضل هو الدم.
في كل يوم، يقوم "خالد، وأفراد فرقته منه الرفاق الذين وصلوا سن الشيخوخة بجمع ما يصل إليهم من السوائل الوريدية والدم الذي تم التبرع به، المحزوم بالثلج والمحمول في عبوات بلاستيكية –"مثل تلك التي تستخدمها لتوصيل الطعام"، كما يقول الرجل العجوز النحيل وهو يتبسم. ويقوم الرجال باختيار الطريق التي سيسلكونها للدوران من حول حرس الحدود الأتراك، وتجنب حقول الألغام والمسلحين الجهاديين، من أجل تزويد العيادات المؤقتة في بلدة كوباني السورية الكردية بالمستلزمات الضرورية.
كوباني، المدينة الكردية السورية الواقعة منذ أكثر من 63 يوماً تحت حصار مقاتلي "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام"، المجموعة الجهادية المعروفة باسم "داعش"، تقع عبر الحدود فحسب من بلدة المهربين التركية، زهران. وقد أصبحت المعركة الجارية فيها بمثابة صرخة تحشيد قومي بالنسبة للأكراد، أكبر مجموعة عرقية بلا دولة في العالم.
في هذه الأجواء، تشعر أنقرة بالقلق البالغ من احتمال أن تستلهم أقليتها الكردية الخاصة الحافز من القوات الكردية السورية المقاتلة عبر الحدود، فيما هي تقوم بنحت منطقة حكم ذاتي لنفسها في فوضى الحرب السورية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وتناضل القوات التركية من أجل الإبقاء على الغطاء مسدلاً على حركة لا تخاطر بجر الدولة العضو في الناتو أعمق إلى المستنقع السوري فقط، وإنما تقوض المحاولات السابقة المستمرة من أجل وضع نهاية لمعركة بطول 30 عاماً، والتي خاضتها  مع حزب العمال الكردستاني المحظور.
منذ أن احتج الأكراد الأتراك في الشهر الماضي ضد ما رأوه على أنه تردد أنقرة في دعم الدفاع عن كوباني، ما يزال هدوء حذر يخيم على الحدود. هناك الدوريات المتكررة، وكثيراً ما يتجادل أفراد القوات التركية مع السكان الذين يريدون إرسال الطعام والبطانيات عبر الحدود. وما تزال المجتمعات الكردية المحلية تسهم بهدوء في انحسار ومد صراع شرس يتحدى الحدود.
من زهران، يتصل القرويون بالمدافعين عن كوباني بالهاتف من أجل إبلاغهم عن تحركات مسلحي "داعش" الذين يمرون بصخب على دراجاتهم النارية التي تبدو على مرمى حجر فقط. كما تشاهد آثار الطلقات الطائشة المنفرشة على جدران منازل القرية. ويقرع الرعاة كؤوس شايهم ابتهاجاً كلما اهتزت الأرض بفعل الضربات الجوية الأميركية ضد المقاتلين المتشددين.
يقول خالد، الذي يعطينا اسماً مستعاراً لتجنب تعقبه، بلهجة شاكية: "في الأسبوع الماضي، كان جارنا يستخدم منظاراً مقرباً لينظر إلى تحركات داعش. لكنهم قنصوه في الحنجرة. وهو الآن في العناية المركزة".
على الرغم من الدعم الجوي الذي تقدمه قوات التحالف الذي تقودة الولايات المتحدة ضد "داعش"، وتعزيزات قوات البشمرغة التي جاءت من المنطقة الكردية شبه المستقلة في العراق المجاور، والدفاع المحلي الشرس، تطاوَل القتال في كوباني وما يزال ممتداً بلا أي علامات على فائزين وخاسرين واضحين. وما يزال التيار الكهربائي الرئيسي مقطوعاً عن المدينة، بينما تعاني المولدات المحلية من النقص في إمدادات الوقود. ولذلك، يحتاج المقاتلون إلى بطاريات جديدة لهواتفهم المحمولة من أجل إدامة الاتصالات بدلاً من إعادة شحن البطاريات القديمة. وفي الليل، يستخدم الأطباء ولاعات السجائر والمصابيح اليدوية بينما يقومون بقطب الجروح.
يقول مهرب شائب آخر يدعو نفسه، محمود: "كل المستشفيات تدمرت بفعل قصف داعش، ولذلك تبقى البناية الصغيرة التي يسمونها عيادتهم في حاجة دائمة إلى كل شيء. نحن نجلب الدواء، والماء المعقم، وحزم الإبر والأياس الوريدية. كما نجلب المناظير المكبرة وبطاريات الهواتف الخلوية –الكثير والكثير جداً من البطاريات".
جلبت قوات البشمرغة معها أسلحة ثقيلة من العراق، لكن ذلك حول القتال فقط من الحشرجة المستمرة لإطلاقات نادر البنادق الصغيرة إلى الصفير المتباعد المتقطع لقذائف المدفعية.
في داخل كوباني، يشعر الدكتور محمد عارف بالإحباط البالغ: "إنني أرى نيران المدفعية، لكنني لا أستطيع أن أرى مكاسب حقيقية على الأرض. لم أر أي شيء ينفع"، يقول متنهداً عبر الهاتف. "كل ما أعرفه هو أن داعش ما تزال تقصفنا منذ أكثر من 50 يوماً، وأننا ما نزال موجودين هنا، بطريقة ما".
منذ بدأ هجوم "داعش" وفّرت مجموعات الإغاثة الدولية الإمدادات لكوباني، بينما أخذت المستشفيات التركية بعض الجرحى. لكن الأطباء الأكراد يقولون أن عملية نقل المساعدات يمكن أن تكون شاقة بسبب الروتين الحكومي، والعلاقات المتوترة مع تركيا، والخطر الماثل في المعابر الحدودية التي كثيراً ما تصبح تحت نيران القصف.
يقول الأطباء أن المهربين يمكنهم إيصال المؤن –والمرضى- بطريقة أسرع. ويقول طبيب وصل لتوه مع مريض كان قد جرح في كوباني إلى مستشفى في بلدة سوروس التركية الحدودية: "في الكثير من المرات، نفضل فقط أن نستخدم المهربين الذين ساعدونا لسنوات، قبل أن يلاحظنا العالم." ويقول هو وأطباء آخرون أن المقاتلين الأفراد من ذوي الرتب العالية يحاولون تجنب الذهاب إلى المستشفيات، خشية أن يتعرضوا للاعتقال من قبل الأتراك.
يقول خليل أحمدي، الطبيب الإيراني الكردي الذي يقضى الآن أيامه وهو يتجول بسيارته حول المناطق الحدودية التركية الجنوبية ليعالج المرضى بالسر: "إذا استطعنا أن نعالجهم في المنزل، فإننا نقوم بإرسالهم إلى بيت آمن. لكنه في حال كانت الجروح شديدة حقاً، فإننا نقوم بإرسالهم إلى مستشتفى ونعطيهم بطاقة هوية سورية أخرى. وعندئذ لا يستطيع أحد أن يتعرف على حقيقتهم".
على طول قرى الأكواخ الطينية على الحدود، يتنقل طبيب كردي آخر بحقيبته الجلدية عتيقة الطراز. ويقول السكان المحليون أنه يعالج اللاجئين والمقاتلين المختبئين على حد سواء. ويقول الطبيب الذي طلب عدم ذكر اسمه: "إنها الطريقة الوحيدة لمساعدة ضميري بعد ما حصل. إنني أرى في العادة 50 مريضاً في اليوم".
هناك فوق سورية، ترعد الغارات الجوية كل يوم بينما يتجمع المتفرجون الأكراد فوق التلة الصغيرة المطلة على وباني لكي يشاهدوا نفس المشهد مراراً وتكراراً. يمكن أن يكونوا شبيهين بالمشجعين في مباراة رياضية –لكن هذه العائلات تراقب أبناءها وبناتها، وإخوتها وأخواتها وهم يخوضون الحرب.
يقول محمود طاير، اللاجئ شائب الشعر من كوباني –واحد من بين 200.000 شخص من الذين فروا إلى تركيا: " إنني أحاول أن آتي إلى هنا كل يوم. وإذا لم أستطع القدوم، فإن زوجتي تأتي. ابن أخي موجود هناك". ثم ينتهد. "لكنني لا آتي إلى هنا من أجله فقط. حتى لو كان من الصعب رؤية القذائف وهي تسقط على مدينتنا، فإن علينا أن نقدم الدعم المعنوي لمقاتلينا أيضاً".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Blood and batteries are contraband of choice in Kobani

التعليق