إعادة مراجعة لقضية الأمن النووي

تم نشره في الأحد 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً

لاسينا زيربو*

فيينا ـ في هذه الأيام الزاخرة بالويلات والكوارث الاقتصادية، والأمراض الوبائية المحتملة، والإضطرابات المدنية الواسعة الإنتشار، ربما يكون من المستغرب أن نرى العديد من الناس في مختلف أنحاء العالم وهم ما يزالون ينظرون إلى الصراع النووي بإعتباره التهديد الأعظم الذي يواجه البشرية.
يعود هذا إلى سبب وجيه،و ما علينا سوى أن نتأمل التأثير المحتمل لإنفجار نووي بقدرة خمسين مليون طنا، أشبه بقنبلة "إيفان الكبير" (المعروفة باسم قنبلة القيصر في الغرب) التي فجرها الإتحاد السوفييتي في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1961، والتي حطمت الموجة الإنفجارية الناجمة عن تفجيرها زجاج النوافذ على بعد 900 كيلومتراً وأطلقت سحابة عش الغراب المميزة للإنفجارات الضخمة إلى ارتفاع تجاوز طبقة الستراتوسفير.
لعل الترتيبات العالمية، مثل معاهدة منع الانتشار النووي، جنباً إلى جنب مع الشعور العام بالرضا بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة، أدى إلى نشوء تصور مفاده أن مثل هذا السلاح لن يستخدم أبداً في القتال.
 لكن هناك إدراكاً متزايداً الآن لحقيقة أننا لا نستطيع أن نتنفس الصعداء بعد.
إذا تحدثنا عن المخاطر، فقد تحول التأكيد على مدى العقد الماضي من منع دول أخرى من الحصول على الأسلحة النووية إلى منع الجماعات الإرهابية وغيرها من الجهات من غير الدول من الحصول عليها (أو على عناصرها المهمة).
الواقع أن المخاطر هائلة والتهديد حقيقي.
 ويشكل خطر الإرهاب النووي أحد أخطر التهديدات التي تواجه أمننا الجماعي، لأنه بإمكان حتى أقل كمية من المواد النووية أن تقتل وتجرح مئات الآلاف من الأبرياء.
 وبوسع الشبكات الإرهابية أن تحصل على هذه المواد لتجميع سلاح نووي، فتعيث في السلام والاستقرار العالميين فساداً، فضلاً عن الخسائر الهائلة في الأرواح والأضرار الاقتصادية.
كان هذا هو موضوع التركيز الرئيسي لقمة الأمن النووي التي تنعقد مرة كل عامين، والتي بدأت في العام 2010 بمشاركة 47 دولة وثلاث منظمات دولية.
 لكن قمة الأمن النووي كانت حتى الآن تحصر نطاقها في حماية البنية الأساسية والمواد النووية من سوء الاستخدام النشط.
 وينبغي لنا أن نتخذ موقفاً متحفظاً بشأن هذا التعريف الضيق للأمن النووي.
إننا لا نملك ترف التعامل مع القضايا المرتبطة بالحد من التسلح ونزع السلاح وعدم الانتشار النووي بشكل منفصل.
 ففي عالم اليوم الذي يتسم بالتعقيد الشديد والترابط المتبادل، يتعين علينا أن ننظر في جميع التهديدات النووية بطريقة شاملة.
 ولعل نقطة الإنطلاق الجيدة هنا تتلخص في كيفية  النظر التي تساهم بها معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في الأمن النووي.
 فمن خلال حظر كافة أشكال التفجيرات النووية، تعمل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية على عرقلة المحولات الأولى لتطوير الأسلحة النووية والتحسينات التي قد تضاف إلى هذه الأسلحة.
 وفي السنوات الخمس عشر الماضية، أجرت دولة واحدة فقط "كوريا الشمالية" تجربة لسلاح نووي. وبهذا رسخت مكانتها كدولة مرموقة.
من الواضح أن معاهدة منع الانتشار النووي ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية أسهمتا في تعزيز الأمن النووي.
 وقد نجحت قِلة قليلة من الدول في تطوير السلاح النووي خارج معاهدة منع الانتشار النووي، كما نجحت معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في الحد من عدد الاختبارات النووية من متوسط 500 تجربة كل عشر سنوات إلى مجرد بضع تجارب قليلة.
بالرغم من هذا، فإن إحجام ثماني دول عن التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية منعها من دخول حيز التنفيذ، ولم يتم إدراج مساهماتها في الأمن العالمي حتى الآن في أجندة قمة الأمن النووي.
 ونظراً لوجود نظام التحقق المتقدم تكنولوجياً والقادر على الكشف حتى عن أصغر التجارب النووية تحت الأرض -ما أطلق عليه وزير الخارجية الأميركي جون كيري مؤخراً وصف "أحد أعظم الإنجازات في العالم الحديث"- فإن هذا يظل محبِطاً ومخيباً للآمال بشكل خاص.
إن فشل المجتمع الدولي في إدخال معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية حيز التنفيذ يُعَد أحد الأسباب التي تجعل عقارب ساعة يوم القيامة الرمزية في نشرة علماء الذرة تشير حتى الآن إلى خمس دقائق قبل منتصف الليل -وهو أقرب توقيت كانت عليه من منتصف الليل منذ أوج الحرب الباردة.
ولكن، وبالرغم من وجود سبب واضح للقلق، فإنه ليس هناك ما قد يجعلنا نفقد الأمل.
مع انعقاد قمة الأمن النووي القادمة في الولايات المتحدة في العام 2016، ربما تنفتح نافذة فرصة جديدة في مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي في العام المقبل، والتي سوف تسمح للعالم بمعالجة قضية الأمن النووي بطريقة شاملة طويلة الأجل.
ويتمثل ما نحتاج إليه بشدة في الفترة التي تسبق انعقاد قمة الأمن النووي في العام 2016 في عملية قادرة على دفع العمل العالمي في مواجهة التهديد النووي بشكل شامل، بما في ذلك ضمان دخول معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية حيز التنفيذ.
إننا مدينون لأنفسنا ولأجيال المستقبل باستغلال كل الفرص لخلق الظروف الكفيلة بزيادة الثقة والتفاهم المتبادلين من أجل تحرير العالم من التهديد النووي.
 ولا شك أن توسيع فهمنا لهذا التهديد، وإبتكار نهج شامل في التعامل مع قضية الأمن النووي، لا يعني تمييع الجهود أو فقدان التركيز، بل إن هذا يعني على العكس من ذلك: توخي الحرص لعدم استبعاد أي نصير مهم لهذه القضية أو أي أداة مفيدة في الحد من احتمالات تحول ما لا يمكن تصوره إلى حقيقة واقعة.

*سكرتيرة تنفيذية لمنظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وعضو مجلس أجندة المنتدى الاقتصادي العالمي للأمن النووي.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق