لماذا ينبغي للضرائب أن تصبح عالمية

تم نشره في الأربعاء 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • لماذا ينبغي للضرائب أن تصبح عالمية -(تعبيرية)

فولفجانج شويبله*

برلين-  يبدو من الواضح الآن أننا نشهد تغيرات جذرية عميقة في الطريقة التي يعمل بها اقتصاد العالم. ونتيجة للوتيرة المتزايدة السرعة والشدة التي تنمو بها العولمة والتكنولوجيا الرقمية، اكتسب المزيد والمزيد من العمليات الاقتصادية بُعداً دوليا. ونتيجة لهذا، بدأت أعداد متزايدة من الشركات في تكييف هياكلها مع النظم القانونية وقوانين الضرائب المحلية والأجنبية.
وبفضل التقدم التكنولوجي الذي شهده الاقتصاد الرقمي، بات بوسع الشركات أن تخدم الأسواق من دون أن تكون حاضره فيها ماديا. وفي الوقت نفسه، أصبحت مصادر الدخل أكثر قابلية للتنقل: فهناك تركيز متزايد على الأصول غير الملموسة والدخل الاستثماري القابل للتنقل والذي يمكن بسهولة "تهيئته في الصورة المثلى" من المنظور الضريبي وتحويله إلى الخارج.
غير أن التشريعات الضريبية لم تواكب هذه التطورات. فأغلب مبادئ تخصيص الضرائب التي تطبق اليوم ترجع إلى زمن حيث كانت ممارسة الأعمال التجارية على مستوى دولي تعني في المقام الأول نقل السلع عبر الحدود إلى دولة مجاورة. ولكن القواعد التي تم وضعها لتحقيق ذلك الغرض في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين لم تعد مناسبة لتحقيق التكامل الدولي للعمليات الاقتصادية والهياكل المؤسسية. ولابد أن تتكيف هذه التشريعات مع الواقع الاقتصادي الذي تمليه الخدمات الرقمية اليوم.
في غياب قواعد قابلة للتطبيق، تخسر الدول العائدات التي تحتاج إليها بشدة من أجل الوفاء بمسؤولياتها والتزاماتها. ومن ناحية أخرى، أصبحت قضية الضرائب العادلة أكثر إلحاحا، لأن عدد دافعي الضرائب الذين يقدمون المساهمة اللائقة لتمويل المنافع والخدمات العامة أصبح في تناقص.
ولن يتسنى حل التوترات الناجمة عن هذا بين السيادة المالية الوطنية والمجال الذي لا تقيده حدود من الأنشطة التجارية اليوم إلا من خلال الحوار الدولي والمعايير العالمية الموحدة. وفي إطار الاتحاد الأوروبي، كان السماح لمجموعات من الدول بصياغة وتنفيذ حلول مشتركة لقضايا لا يمكن معالجتها إلا من خلال جهود تعددية ناجحاً في الماضي. وعندما كانت مثل هذه التدابير تثبت نجاحها، كانت دول أخرى تتبناها.
وبوسع هذا النهج أن يخدم أيضاً كنموذج للحوكمة العالمية لحل المشاكل الدولية. ففي عالم اليوم، لا تستطيع حتى الدول الكبرى أن تؤسس وتنفذ الأطر الدولية بمفردها. ولكن بوسع مجموعات من الدول أن تفعل ذلك. وقد تجلى هذا في سياق تنظيم الأسواق المالية؛ وبدأ يصبح واضحاً عندما يتعلق الأمر بالإطار التنظيمي للاقتصاد الرقمي؛ والآن يتأكد في مجال الضرائب.
في هذا الأسبوع، استضافت مدينة برلين الاجتماع السابع للمنتدى العالمي حول الشفافية وتبادل المعلومات للأغراض الضريبية، والذي جمع بين ممثلين من 122 دولة، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي. وفي يوم الأربعاء تم التوقيع على اتفاق مشترك بشأن التبادل التلقائي للمعلومات عن الحسابات المالية.
وكان الاتفاق المشترك في الأساس مبادرة من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة وأسبانيا. وقد قررت نحو خمسين دولة المشاركة في هذا الاتفاق وتبنيه في مرحلة مبكرة، في حين أشارت دول أخرى إلى استعدادها للانضمام.
ويستند الاتفاق على معيار التقارير المشتركة، والذي تم تطويره من قِبَل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبموجب معيار التقارير المشتركة، تتلقى السلطات الضريبية المعلومات من البنوك وغيرها من الشركات المقدمة للخدمات المالية وتتبادلها تلقائياً مع السلطات الضريبية في بلدان أخرى. وفي المستقبل، سوف يتم الإبلاغ عن كل المعلومات المتصلة بالحسابات المصرفية تقريباً إلى السلطات الضريبية في الدولة التي تحتفظ بالحساب، بما في ذلك اسم صاحب الحساب ورصيده والفائدة التي يحصل عليها ودخله من الأرباح ومكاسبه الرأسمالية.
وهناك تدابير متعددة اتخذت بالفعل لضمان قدرة البنوك على تحديد المالك المستفيد وإخطار السلطات الضريبية المعنية وفقاً لذلك. وبالتالي فإن معيار التقارير المشتركة يعمل على توسيع مجال التعاون العالمي العابر للحدود بين السلطات الضريبية الوطنية. وبهذا الطريقة يصبح بوسعنا إنشاء إطار تنظيمي صالح لعصر العولمة.
الواقع أن التبادل التلقائي للمعلومات يأتي كاستجابة عملية وفعّالة للافتقار الواضح إلى الحوكمة العالمية بشأن القضايا الضريبية الدولية. ومن خلال جعل الضرائب أكثر عدالة يصبح بوسع الحكومات أن تخلف تأثيراً إيجابياً على تقبل الشعوب لأنظمتها الضريبية.
قبل بضع سنوات فقط، ما كان أحد ليتصور إمكانية تحقيق مثل هذا النجاح العظيم في الكفاح ضد التهرب الضريبي الدولي. ومن الأهمية بمكان الآن مواصلة جهود منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين في مجال الضرائب على الشركات. وينبغي لنا أن نضمن أن التخطيط الضريب الإبداعي في هيئة تحويل للأرباح وخفض الأرباح بشكل مصطنع لم يعد نموذج عمل مربحا.
الواقع أن سياسة "إفقار الجار" في مجال الضرائب، والتي بموجبها تلاحق دولة ما سياسات ضريبية على حساب آخرين، لا تقل خطورة عن سياسة إفقار الجار في السياسات النقدية التي تستند إلى خفض العملة لأغراض تنافسية. فهي تؤدي إلى سوء تخصيص الموارد ــ وسوف تعمل في نهاية المطاف على الحد من الرخاء والازدهار في مختلف أنحاء العالم.
هذا هو السبب الذي يجعلنا في احتياج إلى الاتفاق على معايير دولية موحدة لتحقيق منافسة ضريبية دولية عادلة. ويثبت لنا التقدم الذي تحقق في برلين بشأن التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية أننا قادرون على تحقيق هذه الغاية من خلال العمل معا.

*وزير مالية جمهورية ألمانيا الاتحادية.
خاص بـ _ بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق