سياسات اختيار قيادة الأمم المتحدة

تم نشره في الخميس 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • صور الأمناء العامين للأمم المتحدة على جدران مقرها - (أرشيفية)

شاشي ثارور*

نيودلهي – يبدو أن طول الحملات الانتخابية آخذ في الازدياد في مختلف أنحاء العالم. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، بدأ الساسة الطموحون بالفعل حملاتهم الشاقة في الولايات الرئيسية، تحضيراً لانتخابات 2016 الرئاسية. وبالرغم من هذا، فإن بعض السباقات -مثل سباق اختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة، والذي سيعقد أيضاً في العام 2016- ما يزال يجري تحت مستوى الرادار إلى حد كبير. ولا بد لهذه الحال أن تتبدل.
إن السباق على منصب الأمين العام للأمم المتحدة، والذي يُخاض عادة بتكتم شديد إلى الحد الذي يكاد يبدو معه سرياً، لا يشبه كثيراً ضجيج وصخب حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية. وبوسعنا أن نفسر هذا إلى حد كبير بحقيقة أن القرار يعود في نهاية المطاف إلى أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، الذين يختارون المرشح، ثم توافق الجمعية العامة للأمم المتحدة عليه تلقائياً (كما حدث مع كل الحالات حتى الآن). ومن الدلائل شديدة الأهمية هنا أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن -الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة- تتمتع بحق النقض، أي أن الأغلبية لا تعني أي شيء إذا اعترض عضو واحد من الأعضاء الخمسة.
ما يزيد عملية الاختيار تقييداً هو ذلك الاتفاق غير الرسمي -ولكنه تحول بعد 43 عاماً إلى ضرورة أساسية- والذي يقضي بالتناوب بين المناطق كل فترتين. (كان الاستثناء الوحيد كوفي أنان الذي كان يتمتع بشعبية هائلة ويحظى باحترام كبير، والذي بالرغم من توليه منصبه بعد أفريقي آخر شغل المنصب لفترة واحدة، اختير لفترتين متعاقبتين). ومع التناوب على المنصب منذ العام 1971 بين أوروبا الغربية وأميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا -بان كي مون، الذي يشغل منصب الأمين العام لفترة ثانية حالياً قادم من كوريا الجنوبية- فإن منطقة واحدة من مناطق الأمم المتحدة لم تمثل بعد: أوروبا الشرقية.
الواقع أن عدداً من المرشحين المحتملين من أوروبا الشرقية ظهروا بالفعل، ويُقال أن بعضهم بدأ مسبقاً التماس الدعم بنشاط. ويُعَد رئيس سلوفينيا السابق، دانيلو تورك، الذي شغل منصب مساعد الأمين العام للشؤون السياسية في عهد أنان، أحد أصحاب الحظ الأوفر منذ وقت مبكر. وهناك أيضاً حديث عن المديرة العامة الحالية لمنظمة اليونسكو، إيرينا بوكوفا، البلغارية، وعن مرشحين من سلوفاكيا، وزير الخارجية ميروسلاف لاجاك، وسلفه يان كوبيس اللذين يدخلان السباق. وأخيراً، هناك وزير خارجية رومانيا السابق، ميرسيا جيوانا، الذي يحظى بقدر كبير من الاحترام بين حكومات الدول الخمس الدائمة العضوية.
إن الشهرة التي يتمتع بها هؤلاء المرشحون الخمسة في الأوساط الدبلوماسية، فضلاً عن الخبرة المباشرة التي يتمتع بها أربعة منهم في الأمم المتحدة، تدحض الإشاعة القديمة التي تزعم أن أوروبا الشرقية ليس لديها مرشح يتمتع بالمصداقية الكافية. (من أجل الصراحة الكاملة: فإن المرشحين الخمسة من أصدقائي، وأنا أعتبرهم مقتدرين ومناسبين تماماً للمنصب).
لكن هناك عقبة: إذ يتعين على أوروبا الشرقية أن تتجنب استفزاز الفيتو الروسي. والواقع أن هذا ربما كان العامل الرئيسي الذي يقلل من فرص وزير الخارجية البولندي السابق راديك سيكورسكي. وإذا استخدم الكرملين، كما يخشى البعض، حق الفيتو ضد كل المرشحين من أوروبا الشرقية، فقد يحظى مرشح من أوروبا الغربية والمجموعات الأخرى، مثل رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة ووكيلة الأمين العام الحالي هيلين كلارك، وخاصة في ضوء جاذبية اختيار امرأة، بهذا المنصب أخيراً.
ولكن، هل يحظى جمهور العالم بالفرصة للاطلاع على قدر كبير من أحداث هذا السباق؟ الواقع أن انتخابات 2006، التي كنتُ قد حللتُ فيها ثانياً بفارق بسيط بعد الأول بين سبعة مرشحين، شهدت مستوى غير مسبوق من التعرض العام، مع التقاء المرشحين مع المجموعات الإقليمية في الأمم المتحدة، ومخاطبة قمة الاتحاد الأفريقي السنوية، بل وحتى المشاركة في مناظرة على قناة البي بي سي. كما ظهرت مواقع على شبكة الإنترنت، لا لشيء غير تحليل السباق. وقد مثل كل ذلك خطوة مهمة إلى الأمام. ونظراً لأهمية رؤية الأمين العام للأمم المتحدة، فلا بد أن يحظى المرشحون بالفرصة لتبادل الأفكار والأهداف علناً، وهذا ما كنت ملتزماً به.
ولكن في نهاية المطاف، لا تؤثر الحملات العامة كثيراً على النتائج، وهو ما تجسد في حقيقة أن بان كي مون لم يشارك في مناظرة البي بي سي. وبالرغم من أن الجهود التي قد يبذلها المرشح لعرض رؤاه قد تمنحه دعماً واسعاً، فإنها قد تمنح منافسيه نفس الشيء. وفي انتخاب الأمين العام للأمم المتحدة، يستطيع أعضاء مجلس الأمن التصويت لأي عدد من المرشحين يحلو لهم.
هذا لا يعني أن السباق لا يساهم في تشكيل النتائج. ففي العام 2006، أطلقت كوريا الجنوبية حملة جيدة التمويل وواسعة النطاق دامت عاماً كاملا واستهدفت البلدان الأعضاء الخمسة عشر في مجلس الأمن بالزيارات في عواصمها، وكانت كثيراً ما تعد بمحفزات ثنائية كبيرة، وهي اللفتات التي لم يكن لدى المرشحين الآخرين لا الوقت ولا الموارد اللازمة لتقديمها. والواقع أن كوريا الجنوبية كانت الدولة العضو الوحيدة في مجلس الأمن التي تدير مثل هذه الحملة.
الاستنتاج الواضح هو أن السباق على منصب الأمين العام للأمم المتحدة لا يدور حول الرؤية ولا السيرة الذاتية الأفضل، ولا المهارات اللغوية، ولا القدرة الإدارية، أو حتى الكاريزما الشخصية. بل هو قرار سياسي يتخذه في الأساس الأعضاء الخمسة. (ومن غير المرجح على أي حال أن يفوز أحد المرشحين بدعم الأعضاء الخمسة ثم يفشل في الفوز بالأغلبية في مجلس الأمن، وذلك نظراً لخيار الإدلاء بعدد غير محدود من الأصوات).
النتيجة هي أن المرشح "الذي يحظى بأقل قدر من عدم القبول" هو الذي يحصل على الوظيفة. ولا يوجد سبب يجعلنا نعتقد أن ظهور وسائل الإعلام الاجتماعية، أو تغطية القنوات الفضائية، أو الصحافة الأكثر تطفلاً، قد يغير هذه الحقيقة الجوهرية.
في العام 2016، سوف يكون الرهان الذكي على مرشح من أوروبا الشرقية يحظى بقبول الدول الخمس الدائمة العضوية، وخاصة روسيا. وبوسع أي شخص أن يخمن كيف قد يتم الاتفاق على مرشح بعينه. بيد أن الأمر الواضح هو أن أي مرشح لا يناسب ذلك الوصف سوف يدخل السباق وفي مواجهته عقبة كأداء، ولكنها ليست بالضرورة لا تُقهَر.

*نائب سابق للأمين العام للأمم المتحدة، ووزير دولة سابق في الحكومة الهندية لتطوير الموارد البشرية ووزير دولة للشؤون الخارجية. وهو حالياً عضو في الكونغرس القومي الهندي، ورئيس اللجة البرلمانية للشؤون الخارجية.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق