نادي القدس في مادبا يؤبن صاحب قصائد "مواكب الشمس"

الضمور: سميح القاسم ترك شعرا ينير ظلمة الليل

تم نشره في الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • بورتريه للراحل سميح القاسم بريشة الزميل إحسان حلمي

أحمد الشوابكة

مادبا -  رأى د. عماد الضمور ان الشاعر العربي سميح القاسم ترك إرثاً خصباً من شعر ينير ظلمة الليل، يلتحم بقضية الأمة العربية المصيرية بدون تملق للجماهير أو مهادنة للعدو، شعر ينبض بالحرية، والتعمّد بالدم.
واضاف الضمور في حفل تأبين القاسم الذي أقامه نادي القدس الثقافي في مدينة مادبا أول من أمس أنّ المقاومة في شعر القاسم هي مقاومة أصيلة ترتد إلى جذر حضاري راسخ، وفعل إنساني معاصر لا تحدّ منه قسوة الحياة، ولا تنال منه أيدي الغزاة، مشيرا إلى ما في قوله "دم أسلافي القدامى لم يزل يقطر مني /وصهيل الخيل ما زال، وتقريع السيوف /وأنا أحمل شمساً في يميني وأطوف /في مغاليق الدجى.. جرحاً يُغني!!".
وشارك في حفل التأبين كل من الشعراء محمد سمحان، وسعيد يعقوب، وعائشة الحطاب، ومحمد خضير والزميل الكاتب سلطان الحطاب، واداره د. يوسف أبو سرور.
وتحدث الضمور عن  المقاومة في شعر سميح القاسم، مشيرا إلى أن الشعراء يذهبون ويبقى الشعر؛ ليقرأ أو تُعاد قرأته بتعددية تلقٍ واضحة، تسمح للمتلقي بالوقف على جوانبه الفنية الموضوعية، وبخاصة عندما يكون هذا الشعر نتاج مرحلة مهمة تحياها الأمة.
وأضاف الضمور أن فلسطين العربية أنجبت شعراء مجيدين، أمثال إبراهيم طوقان، وعبدالرحيم محمود، وأبي سلمى، وفدوى طوقان، ومحمود درويش، "وغيرهم من الشعراء الذين جعلوا شعرهم عنوان مرحلة حضارية، ووجدان شعب ثائر على الظلم والاستبداد".
وأوضح الضمور أن الشاعر انضم إلى قافلة شعراء فلسطين الراحلين عن هذه الحياة بعدما أشعل في النفوس نار المقاومة، وبعث فيها حبّ الوطن، والتمسك بترابه. كما في قوله:"ونزا النزاة/غزا الغزاة/طغى الطغاة/مدججين بقيدهم وحقدهم وبويلهم وليلهم/شدّوا الحديد على يديّ/سمعتُ يوضاس العزيز يصيحُ بي:/قاوم، قاوم!"
ورأى الضمور أن القاسم هكذا فهم الحالة السياسية القائمة في المنطقة العربية، حيث شدد على "المقاومة ولا شيء غير المقاومة لاستعادة الحقوق العربية"، مبينا أن الشاعر هو "ترجمان حديث الشعوب المقهورة، ينطق باسمهم، وينبض بوهج ثورتهم".
واستشهد الضمور بما قاله القاسم في هذا الصدد:"ليغنّ غيري للسلام/وهناك ... خلف حواجز الأسلاك ... في قلب الظلام/جثمت مدائن من خيام/سكانها.../مستوطنات الحزن والحمى، وسل الذكريات/وهناك ... تنطفئ الحياة/في ناسنا/في أبرياء ... لم يسيئوا للحياة!/وهنا...!/همت بيارة من خلفهم... خيراً كثيراً/أجدادهم غرسوا لهم/ولغيرهم، يا حسرتي، الخير الكثير/ولهم من الميراث أحزان السنين!/فليشبع المتضوّرون!/وليشبع الأيتام من فضلات اللئام!/ليغنّ غيري للسلام.../فعلى ربى وطني، وفي وديانه ... قُتل السلام".
وقال الضمور إن القاسم يؤرخ لتاريخ ولادته بنكبة 1948، معتبراً هذا التاريخ هو تاريخ ولادته الحقيقي بعيداً عن أرقام شهادة الولادة، كما جاء في مقدمة مجموعته الشعرية:"أعتبر ميلادي الحقيقي سنة 1948م، لأن الصور الأولى التي أذكرها هي صور أحداث 1948 "أوّل ما أذكره من الحالات ذلك العام هو فرح العرب بدخول جيش الانقاذ إلى فلسطين، ثم دموع هؤلاء الناس حين انسحب هذا الجيش.. وعساكر الجنود الإسرائليين يخلعون الأبواب، ينهبون البيوت، ويصنفون السكان إلى مسيحيين ودروز! وكانت بداية السياسة الطائفية التي ما تزال السلطات تواصلها  حتى اليوم".
ورأى الضمور أن الشاعر يعكس أهمية نص الذاكرة، ووظيفة الذاكرة الشعريّة في صياغة النص الشعري، و"استحضار الأحداث، أو الأفكار، ونقلها من حيزها الماضوي إلبى حيّز الزمن، ومن ثم القيام بمعالجتها على وفق الوعي الآتي بها".
وأشار الضمور إلى أنّ قراءة شعر القاسم لا بدّ أن تنطلق ممّا خزنته ذاكرته من أحداث، وأي أحداث أعظم وأفدح من احتلال وطن وتشريد أهله، إنها جريمة لا تُنسى، ودم لا يُغتفر، ممّا جعل هذه الكلمات مصدر إبداع خصب في شعر القاسم، لم تفارقه مدة حياته،"ذلك أن خزان الذاكرة يمدّ المرسل بفيض غزير من الأطر للتعبير عن موقف ما، ولكنه يختار منه ما يُلائم المتلقي، ويُناسب مقتضيات الأحوال".
لقد أبدع القاسم، بحسب الضمور، في عدة دواوين ومسرحيات شعريّة: "مواكب الشمس"، في العام 1958، "أغاني الدروب" في العام 1964، "أرم" في العام 1965، "دمي على كفي"، في العام 1967، "دخان البراكين" في العام نفسه، "سقوط الأقنعة" في العام 1969، "يكون أن يأتي طائر الرعد" في العام نفسه" قرقاش" وهي مسرحية شعريّة  كتبها في السجن، مجموعات شعريّة: "قرآن الموت والياسمين"، "الموت الكبير"، "مراثي سميح القاسم"، "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم"، "لا أستأذن أحداً"، "الكتب السبعة".
بعد ذلك قرأ الشعراء مجموعة قصائد تحاكي الراحل حيث ألقى الشاعر محمد سمحان قصيدة في قال فيها "قم يا سميح وأيقظ قومك العربا/وانشر قصيدك في هذا المدى لهبا/ ما مت أنت وهل يقضي كمن سبقوا/من كان للشعر في أرض الإباء أبا".
كما قرأ الشاعر سعيد يعقوب من قصيدة "المجد للسيف" حيث قال "المجد للسيف لا للحبر والورق/فلا تثق بهما أما به فثق/ والقدس والمسجد الأقصى أحب إلى/ نفسي من الكون محمولا على طبق/ ما القدس مثل سواها من مدائن بل/إني رأيت بها ديني ومعتنقي".
وقرأت الشاعرة عائشة الحطاب قصيدة قالت "من دمعها صار شيء في ينتحب/ وحرقة الدمع في خديَّ تلتهب/ من دمعها كان حزن الورد يجرحني/لاشيء يغني ولا شوك ولا نصب".
ثم قرأ الشاعر محمد خضير قصيدة قال فيها:"قطعان غربان ووحدَك صارخا/ناديت إذ ناديت عرْبا عاجمة/لا صوت إلا ما تمخَّضه الصدى/سقطت عواصمنا وصرت العاصمة".  واختتم الحفل الزميل الصحفي والكاتب سلطان الحطّاب بكلمة عن سميح القاسم منوها بدوره في شعر المقاومة وفي التصدي للاحتلال واهميته في إذكاء روح النضال في وجدان الشعوب، مشيدا بدور سميح القاسم في تأدية رسالة الشعر المعبر عن هموم الفقراء وأحلام المظلومين وآمال المقهورين.
وفي نهاية الحفل قام د. يوسف أبو سرور رئيس نادي القدس الثقافي بتكريم المشاركين بالدروع التقديرية.
ويذكر أن القاسم أحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، وهو مؤسس صحيفة كل العرب ورئيس تحريرها الفخري، عضو سابق في الحزب الشيوعي.
ولد القاسم لعائلة درزية في مدينة الزرقاء يوم 11 أيار (مايو) 1939، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ليتفرغ لعمله الأدبي.

ahmad.alshawabkeh@alghad.jo

 

التعليق