اتفاقية الغاز مع "العدو".. غير مبررة اقتصاديا ومرفوضة سياسيا

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً

فهمي الكتوت *

بغض النظر عن المبررات التي تسوقها الحكومة الأردنية لتغطية قرارها بالتوقيع على اتفاقية شراء الغاز مع الكيان الصهيوني لمدة 15 عاما، فإن هذا القرار يعتبر سياسيا لا يمت بصلة للمصالح الوطنية، وضمنها الاقتصادية. وهو ينطوي على مخاطر حقيقية، أقلها إخضاع البلاد للابتزاز الصهيوني والارتهان السياسي له. هذا عدا عن الاعتراف بالأمر الواقع الناجم عن اختلال موازين القوى في الصراع العربي–الإسرائيلي، والسير بالمشروع الصهيوني المبني على الحل الاقتصادي؛ المتجاهل للحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، والمتنكر لقرارات الشرعية الدولية بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
كما تأتي هذه الخطوة في ظل تغوّل إسرائيلي، وارتكاب جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني، كما اعتداءات يومية على القدس واقتحامات للمسجد الأقصى، وتدنيس المقدسات عموماً، الإسلامية والمسيحية.
إن قرار الحكومة بشراء الغاز من العدو يشكل اختراقا صهيونيا للأردن، وخطوة على طريق اندماج الاقتصاد الصهيوني بالمنطقة، الأمر الذي يشكل جزءا من المشروع الإمبريالي الصهيوني الهادف إلى إقامة شرق أوسط جديد. ويشير التقرير الذي أعده سيمون أندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى؛ وديفيد شينكر، مدير برنامج السياسة العربية في المعهد ذاته، إلى أن قيمة الاتفاقية ستكون 15 مليار دولار لمدة 15 عاما (والأكثر ترجيحا أن القيمة الفعلية، وفق الأسعار الحالية  للغاز الطبيعي، هي حوالي 8 مليارات دولار فقط). وستقوم الحكومة الأردنية بإنشاء خط أنابيب على حسابها الخاص، من حقل " ليفياثان"، والذي لن يبدأ تشغيله حتى العام 2017.
أما التبرير الذي تطرحه الحكومة لتمرير مشروع الغزو الاقتصادي الصهيوني للأردن، والتوجه نحو أسوأ الخيارات لمواجهة أزمة الطاقة، فإنه يفقد الحكومة أهليتها السياسية. إذ إن القول بأن زيت الوقود المستخدم في الأردن لتوليد الطاقة عالي التكاليف، هو أمر صحيح. لكن، من يتحمل مسؤولية عدم تنويع مصادر الطاقة، في بلد يعتمد على الغاز والنفط بنسبة 96 %؟ ومن يتحمل المسؤولية عن تقاعس الحكومات، بما فيها الحكومة الحالية التي تتولى المسؤولية منذ عامين، عن استثمار الموارد الوطنية؟ فالأردن يتمتع بمصادر محلية غنية لتوليد الطاقة، أبرزها الصخر الزيتي، والطاقة المتجددة من الشمس والرياح. ومن المعروف أن الحكومة الأردنية تلقت عرضا من الشركة الأستونية لتوليد الطاقة منذ ثماني سنوات. وعلى الرغم من الضجيج الإعلامي، إلا أن المشروع لم ير النور بعد.
إن حكومات عاجزة عن إدارة موارد الدولة، عليها فتح الطريق أمام من يستحق تحمل شرف المسؤولية. والمسؤولية الوطنية تقتضي تنويع مصادر الطاقة، والتحرك بشكل سريع لتحقيق هذا الهدف الوطني الذي طال انتظاره، عبر اتخاذ الخطوات التالية:
1 - الاعتماد بالدرجة الأولى على الصخر الزيتي في توليد الكهرباء، لتأمين احتياجات البلاد من الطاقة. ويعتبر ذلك من أفضل الحلول للأردن، استنادا لشهادات خبراء الطاقة، وفي مقدمتهم د. عبدالحي زلوم، المستشار البارز في شؤون البترول منذ أكثر من 45 عاما؛ ود. ممدوح سلامة، الخبير العالمي في شؤون النفط والطاقة، والمستشار لدى البنك الدولي لشؤون النفط والطاقة، والخبير الفني لدى منظمة الأمم المتحدة للتطوير الصناعي في فينا. وقد التقيتهما في مناسبتين، مع ثلة من الأصدقاء، لبحث مشكلة الطاقة في الأردن، وأكدا على أهمية حل هذه المشكلة عن طريق الصخر الزيتي. وقد أطلع د. سلامة رئيس الوزراء على وجهة نظره بهذا الشأن.
ويمكن التعرف على مزايا إنتاج الطاقة من الصخر الزيتي من خلال الاتفاقية التي وقعت أخيرا مع الشركة الأستونية. فبعد ثماني سنوات من الانتظار، وقعت الحكومة الأردنية، في الأول من تشرين الاول (أكتوبر) الماضي، اتفاقية توليد الكهرباء من الصخر الزيتي عن طريق الحرق المباشر، باستطاعة 470 ميغاواط، هي سدس استهلاك المملكة من الكهرباء حاليا. ويسهم المشروع في تخفيض كلفة استيراد الطاقة بحوالي 350 مليون دينار سنويا؛ أي تخفيض ثلث العجز السنوي لشركة الكهرباء الوطنية، عدا عن توفير فرص عمل للعمالة الأردنية، واستقطاب التكنولوجيا الحديثة. فيما سينتج المشروع في المرحلة الثانية النفط السائل ومشتقاته. وعند إتمام المشروع بحلول العام 2018، ستكون هذه المحطة إحدى أكبر محطات الكهرباء في المملكة، وأكبر محطة باستخدام الصخر الزيتي في العالم، بعد محطة توليد الطاقة الموجودة في أستونيا.
علما أن التكلفة السنوية لاستيراد الأردن احتياجاته من الطاقة تزيد على خمس الناتج المحلي الإجمالي، وبرغم امتلاكه حوالي 70 مليار طن من احتياطي الصخر الزيتي، وبما يجعله رابع أكبر مركز للصخر الزيتي في العالم، وفقا لمعلومات سلطة المصادر الطبيعية. كما أن المشروع سيحقق إيرادات للخزينة، بدفع الشركة الأستونية رسوما بقيمة 1.5 دينار عن كل طن من الصخر الزيتي.
ومن ثم، يسهم المشروع في تخفيض كلفة إنتاج الطاقة، وتخفيض تعرفة الكهرباء، ويضمن حماية للصناعة الوطنية وللمستهلك الأردني من آثار ارتفاع النفط عالميا. كما يخفض العجز التجاري، وعجز ميزان المدفوعات، ويعزز احتياطات البلاد من العملات الاجنبية.  وهو يوفر أيضا فرص عمل لحوالي 3 آلاف عامل خلال فترة الإنشاء، وحوالي 600-700 فرصة عمل بعد التشغيل، يفترض أنها للعمالة المحلية. ووفقا للمعلومات الرسمية، فإن المشروع يراعي الأبعاد البيئية، وهو متوافق مع متطلبات المعايير الدولية في هذا المجال.
2 - تنويع مصادر استيراد الغاز المسال من الخارج. وعلى الرغم من التأخير غير المبرر في إنشاء ميناء الغاز المسال، إلا أن المتوقع الانتهاء من إنشائه في بداية العام المقبل، ليكون جاهزاً لاستقبال الباخرة العائمة التي سيتم ربطها بالميناء، بإنشاء رصيف استقبال لبواخر الغاز، وإنشاء أذرع التفريغ، وتوفير التسهيلات الشاطئية؛ من خطوط نقل الغاز ومحطات التحكم لتأمين إمدادات الغاز من مصادر مختلفة. وهو ما يخفض كلفة إنتاج الكهرباء بشكل كبير، مع الاستغناء عن زيت الوقود عالي التكاليف، وينهي مشكلة خسارة شركة الكهرباء الوطنية.
3 - التوسع في استغلال الطاقة المتجددة؛ من طاقة الرياح والطاقة الشمسية. وضمن ذلك معالجة المعيقات البيروقراطية، وتشجيع المستثمرين على الاستفادة من الامكانات المتاحة هنا.
بإنجاز المشاريع المذكورة أعلاه، تكون البلاد قد تجاوزت أهم معضلة في معالجة مشكلة الطاقة، ومن دون أعباء سياسية واقتصادية ثقيلة؛ من دون ربط استراتيجي لإنتاج الكهرباء مع العدو، وهو ربط لمستقبل الاقتصاد الوطني بالمشروع الصهيوني. ونعرف ممارسات قوات الاحتلال بالتحكم بكهرباء قطاع غزة، ومعاقبة الشعب الفلسطيني على مواقفه من الاحتلال وخياراته السياسية بالانقطاعات المتصلة.
أما بشأن عجز شركة الكهرباء الوطنية، والذي بلغ حوالي مليار دينار في العام 2013، وأصبح ذريعة لتبرير ارتفاع المديونية بما لا يقل عن ملياري دينار سنويا، بعد المنح الخارجية التي تتلقاها الخزينة، فإن الحكومة عوضت قيمة عجز فاتورة الكهرباء من جيوب المواطنين؛ بزيادة الضرائب غير المباشرة. فقد حصدت الحكومة في العام 2013 حوالي 750 مليون دينار من رفع أسعار المشتقات النفطية، وزيادة الضرائب على الأجهزة الخلوية والملابس (بعد أن صرفت 193 مليون دينار دعما نقديا للمواطنين)؛ ولم يجر تخفيض عجز الموازنة. ومن المنتظر أن تتجاوز التحصيلات الضريبية الإضافية مبلغ مليار دينار العام الحالي 2014، بسبب زيادة الرسوم على مجموعة من السلع والخدمات بقيمة 259 مليون دينار، هي 90 مليون دينار زيادة في الرسوم على السجائر، و30 مليون دينار من رفع رسوم تصاريح العمل، و29 مليون دينار زيادة في رسوم التأشيرات (الفيزا)، و20 مليون دينار زيادة على رسوم الإقامة والغرامات، و5 ملايين دينار من الرسوم القنصلية الجديدة، و10 ملايين دينار زيادة في رسوم التخزين في المناطق الاقتصادية الخاصة، و5 ملايين دينار زيادة في الرسوم على الشاحنات العابرة للحدود، و70 مليون دينار من زيادة الرسوم على حزمة من السلع المستوردة. وبذلك، تكون الإيرادات الضريبية الإضافية قد غطت قيمة عجز فاتورة الكهرباء. أما عجز الموازنة المزمن، فينبغي بحثه بشكل مستقل؛ بالتدقيق في النفقات الحكومية، وليس فاتورة الكهرباء.

* خبير اقتصادي

التعليق