موفق ملكاوي

حين ننحاز إلى التطرف!

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:05 صباحاً

الخبر الذي نقله موقع "خبرني" الإلكتروني الزميل، ويكشف عن أن إحدى الجمعيات رفعت شكوى قضائية لدى النائب العام على إدارة "سيتي مول" في عمّان، بسبب تنظيمه عرضا مفتوحا للأزياء استمر عدة أيام، يتطلب أن نتوقف عنده طويلا، وأن نتفكر في الطريق التي نمضي فيها!
أستطيع الاعتراف أنه أصابني شيء من التدين في الأشهر الأخيرة. وأنني، أيضا، غير مبهور بعروض الأزياء التي تتم الدعوة إلى أكثر من عرض لها في العام الواحد في عمان، منذ أكثر من عقد، ولذلك فهي ليست سابقة "يوصم" بها "ستي مول".
مع ذلك، فإن ما أريد التوقف عنده مطولا هو مفهوم احتكار الحقيقة الذي تمارسه جهات على كل المجتمع، أو محاولة وصم التنوع بلون واحد لا غير، من دون أن تدرك هذه الجهات أن الاختلاف حق صميم لكل فرد أو فئة أو جهة.
في الشكوى التي رفعتها الجمعية، ثمة أبوية.. بطريركية مفعمة بحب التسيّد، وتنزع إلى إلغاء جميع ما هو خارج فهمها واعتقاداتها، منطلقة من مفاهيم بدائية لنظريات عفا عليها الزمن، تؤمن بما أطلق عليه الشيوعيون يوما "الصواب السياسي"، والذي لا يمكن له أن يكون إلا بالطريقة ذاتها التي يفهما "القطيع".
في قراءة ما تحتويه الشكوى من مفاهيم سائدة لدى قطاع كبير داخل المجتمعات التي غلّفت بجلود سميكة، نقرأ؛ أولا احتكار الحقيقة والصواب، وثانيا رفض الآخر، وثالثا إنكار التعددية. تلك مفاهيم تحاول اليوم "جماعات" فرضها بدعوى القيم السائدة، والعادات والتقاليد المتعارف عليها، من غير أن يفكر أحد في أن هناك عادات وقيما وتقاليد أردنية أصيلة تعوّدنا على رفضها أو "إزاحتها" خارج إطار الصورة التي رسمناها لمجتمعنا، لا لشيء، إلا لكي نقنع أنفسنا بـ"الصواب السياسي" الملعون، أو بـ"جمعية العادات" التي لا يمكن أن تخرج عن نطاق فهمنا الضيق لما يجب أن تكون عليه الأمور، وتلك التي لا يتوجب أن توجد!
المحزن في الأمر أن المسألة لا تتوقف عند حدود جمعية رأت في عرض الأزياء حدثا خارجا عن سياق المألوف المجتمعي، بل تعدى ذلك نحو عشرات، وربما مئات الأشخاص الذين عبّروا عن آرائهم المخالفة صراحة، خصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذين لم يواتِهم "انفتاحهم" لتقبّل أمر يعتبر مقبولا وعاديا، ولربما ضروريا، لدى شرائح اجتماعية اخرى.
من خلال ما يحدث اليوم في العالم العربي والإسلامي، يحضر إلى الذهن سريعا المشهد الأوروبي بعد هزيمة الدولة الإسلامية في الأندلس الإسبانية. بداية، كان ثمة أكثر من "صواب سياسي" واحد، تحوّل بين عشية وضحاها إلى فكر أحادي يحارب كل ما عداه.
هذا المشهد يلخص بشكل واقعي الفهم الإنساني الضيق الذي يحاول أن يلغي الاختلاف، وأن ينصب نفسه، في القرن الواحد والعشرين، محاكم تفتيش جديدة، لا تحارب "البدع الهرطقية"، بل تؤلف "صوابا سياسيا" جديا لهرطقتها الخاصة، ضاربة عرض الحائط بجميع الآراء المخالفة.
لا توجد اليوم سلطة بشرية مقدسة، بل يوجد بشر لا بدّ أن يتفقوا على حد أدنى للتعايش السلمي، من دون أن يقدم أي منهم على مصادرة حق الآخر في الوجود والاختلاف؛ هكذا نفهم العالم اليوم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اتفق تماما معك استاذي (نور)

    الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    لي ان اشاركك بعض الالتزام دينيا و العزوف عن اهتمام كبير بهكذا عرض ..و كأمرأة لا ارى ان عرض ازياء كارثة ...هي أزياء نرتديها و من نشاهده ، فلماذا الاعتراض؟الإسلام لا يحارب الجمال و لا يعادي الأناقة. و قد كان نبينا انيقا في ثوبه متعطرابالمسك. صلى الله عليه و سلم.