روسيا والغرب: من الحرب الباردة إلى الحرب الفاترة

تم نشره في الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:00 صباحاً

جيا نوديا*

تبليسي- من الواضح أن أزمة أوكرانيا حطمت عدداً من الافتراضات الغربية الأساسية بشأن روسيا. وقد تراجع العديد من المحللين وصناع السياسات عن الاعتقاد بأن تصرفات الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لا بد وأن تكون عبثية وبلا سبب، وأصبحت الافتراضات الغربية موضوعاً للشكوك وإعادة النظر. فما الذي جعل روسيا حريصة إلى هذا الحد على تقويض النظام الدولي الحالي، أولاً في جورجيا في العام 2008، ثم في أوكرانيا الآن؟
على السطح، تبدو مثل هذه الحملات وكأنها صراعات إقليمية متخلفة من العهد الإمبراطوري. ووفقاً لهذه النظرة، فإن روسيا تدرك أنها غير قادرة على استعادة إمبراطوريتها القدمية، ولذلك تستولي على أراضي بلدان مجاورة بدلاً من ذلك، مبررة أفعالها بالمفهوم الضبابي المتعلق بفكرة العدالة العِرقية والتاريخية. ومثله كمثل الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، يُلبِس بوتن العدوان في الخارج رداء الخلاص الوطني من أجل تعزيز شعبيته المحلية وتهميش خصومه ومعارضيه.
الواقع أن نهج بوتن يشبه إلى حد بعيد تلك الرؤية التي عرضها الكاتب والمؤرخ الروسي ألكسندر سولجنيتسين الحائز على جائزة نوبل في مقاله الذي نشر في العام 1990 بعنوان "إعادة بناء روسيا". ففي إشارة إلى الدول التابعة للاتحاد السوفييتي سابقاً، اقترح ترك هذه "الشعوب الجاحدة" تذهب لحال سبيلها، ولكن مع الإبقاء على الأراضي التي هي حق مشروع لروسيا، مثل شرق وجنوب أوكرانيا، وشمال كازاخستان، وشرق إستونيا، لأن سكانها ينتمون إلى عِرق روسي؛ وإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا، اللذين يشكلان امتداداً ثقافياً لشمال القوقاز الروسي.
لكن من المضلل أن نصور بوتن على أنه مجرد رومانسي وطني آخر أفلت زمامه. إنه لم يستهدف جورجيا وأوكرانيا من أجل تلبية التزام الروس عاطفياً بأوسيتيا الجنوبية أو شبه جزيرة القرم، وإنما لمعاقبة هذين البلدين بسبب علاقاتهما الودية الخطيرة مع الغرب -وخاصة طموح جورجيا للانضمام إلى منظمة حلف شمال الأطلسي، ورغبة أوكرانيا في التوقيع على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. والواقع أن ردة فعل روسيا تتسق مع خطابها المتكرر حول "الضغط عليها لإخراجها" من جيرتها المباشرة و"تطويقها" من قِبَل قوى غربية معادية.
كانت المحاولات المتغطرسة العقيمة التي بذلها الساسة الغربيون لإقناع بوتن بأن توسع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي شرقاً سوف يفيد روسيا من خلال خلق منطقة سلام وازدهار على طول حدودها ساذجة ومهينة. ليس للأميركيين أو الأوروبيين، مهما بدت حجتهم معقولة، أن يخبروا روسيا بماذا يصب في مصلحتها أو في غير مصلحتها.
من منظور النظام الروسي الحالي، فإن الإعلانات والتصريحات التي تزعم أن توسع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لا يهدف سوى إلى نشر القيم والمؤسسات الخاضعة للمساءلة والحكم الرشيد، وليس المنافسة العسكرية أو الاقتصادية، تتجاوز حدود النفاق بأشواط.
إن انتشار القيم والمؤسسات الغربية هو على وجه التحديد أكثر ما يخشاه بوتن. فمن الممكن أن يؤدي دعم الديمقراطية على حدود روسيا إلى التأثير الخطير المتمثل في انتقال العدوى، من خلال تشجيع الروس العاديين على المطالبة بالأشياء نفسها لأنفسهم. ويعتقد بوتن أن الانتفاضات الديمقراطية التي اندلعت على مدى العقد الماضي في جورجيا وأوكرانيا كانت مؤامرات غربية ضد روسيا. وقد يبدو هذا مُغرِقاً في جنون العظمة، ولكن قلق بوتن عقلاني: سيكون من شأن وضع الديمقراطية من النمط الأوروبي على حدود روسيا أن يزيد من صعوبة الإبقاء على الحكم الاستبدادي -في الداخل.
لكن الإهانة المتمثلة في محاولة توسيع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تمتد إلى جذور أشد عمقا. فبعد هزيمة روسيا في الحرب الباردة وضياع إمبراطوريتها، تحول البلد من قوة عظمى عالمية إلى قوة إقليمية ثانوية في غضون بضعة أعوام فقط، وأعقب ذلك ما يقرب من عشر سنوات من الاضطرابات الاقتصادية. وكان هذا الانهيار الجيوسياسي راجعاً في جزء منه إلى استسلام الروس (ناهيك عن "أممهم الأسيرة" في وسط وشرق أوروبا لإغراء الاعتقاد بأن الديمقراطية على النمط الغربي والأسواق الحرة كانت أحوالها أفضل). وقد عنى ذلك ضمناً أن الغرب متفوق أخلاقياً أيضا -وهي فكرة يصعب على دولة كانت موطناً لبوشكين ودوستويفسكي أن تستوعبها.
في ظل هذه العقلية، كان بوتن وأنصاره في الداخل والخارج ينظرون إلى الديمقراطية والأسواق الحرة، ليس باعتبارها مساراً إلى السلام والازدهار، وإنما بوصفها جزءاً من مؤامرة شريرة لتدمير روسيا. وما يزيد الطين بلة أن العديد من الروس لا يتذكرون أي شيء غير البؤس والإذلال عندما يسترجعون تجربة البلاد مع الديمقراطية في تسعينيات القرن العشرين.
يخدع زعماء الغرب أنفسهم إذا تصوروا أن تملق بوتن ومحاولات إقناعه بالمنطق، أو تقديم آيات الاحترام، من الممكن أن تغير هذه العقلية. ولكن تجاهل العدوان الروسي، كما فعل الغرب عندما هاجمت روسيا جورجيا في العام 2008، وتصوير الصراع على أنه صِدام بين زعيمين متهورين، ليس بالخيار المناسب أيضاً.
باختصار، في حين قد يكون من المنطقي تماماً أن يريد الغرب روسيا شريكاً له، فإن روسيا تعتبر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من الأعداء. ولا يستطيع الغرب أن يعرض أي شروط شراكة يمكن تصورها قد يقبلها بوتن. فإما أن ينبذ الغرب قيمه الأساسية أو تتغير روسيا.
يشير التاريخ إلى أن روسيا لا تتغير إلا عندما تواجه هزيمة جيوسياسية لا لبس فيها. وقد أفضت خسارتها في حرب القرم في الفترة 1853-1856 إلى إلغاء الرِق وغير ذلك من الإصلاحات الليبرالية. وكانت الهزيمة التي ألحقتها بها اليابان في العام 1905 سبباً في تأسيس أول برلمان في روسيا، فضلاً عن إصلاحات بيوتر ستوليبين. وانتهت كارثة أفغانستان في ثمانينيات القرن العشرين إلى خلق البيئة التي أدت إلى بريسترويكا ميخائيل جورباتشوف.
في نهاية المطاف، سوف يقرر الشعب الروسي ما الذي قد يُعَد هزيمة في نظره. وإذا تمكن بوتن من تصوير هجومه على أوكرانيا على أنه حملة ناجحة، فسوف تواصل روسيا استئسادها واستعراضها للقوة على الساحة الدولية. لكنه إذا اقتنع الروس بأن مغامرة أوكرانيا كانت كارثية، فقد نشهد نشوء دولة مختلفة تمام الاختلاف.

*رئيس معهد القوقاز للسلام والديمقراطية والتنمية، تبليسي، جورجيا.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق