إبراهيم غرايبة

الديني والإنساني في فهم الدين وتطبيقه

تم نشره في الجمعة 5 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:07 صباحاً

"إن الله خلق آدم على صورته" (رواه البخاري ومسلم)
ما الفرق في الاتباع بين ما ورد في القرآن وما ورد في السنة؟ فحتى لو كان الحديث النبوي صحيحا، هل يجب اتباعه بنفس المستوى الذي يتبع به المسلم آية من القرآن؟
لقد درجت العادة في التراث العلمي الديني على قبول الأحاديث الصحيحة كما هي، مع بناء الأحكام والأفهام إلى جملة من القواعد والأصول المنهجية البشرية التي وضعها علماء، مع تأول النصوص أو ردّ الحديث بتقدير عدم صحة نسبته الى الرسول أو السكوت. وهناك بالطبع موقفان آخران، هما قبول النصوص وفهمها وتطبيقها والتصديق بها كما هي، ويقابل ذلك "أنسنة" الخطاب؛ بمعنى أن الإيمان بالنصوص الدينية وثبوت صحة نسبتها إلى الرسول لا يغير من قاعدة النظر وبناء الفهم والأحكام بناء على اجتهاد إنساني، حتى لو تناقض مع النص. ففي المستوى التطبيقي الجماعي، ينظم الناس شأنهم وحياتهم وفق اجتهادهم الذي يدركون أنه إنساني؛ مشوب حتما بالخطأ ونقص المعرفة وعدم اليقين والنسبية. وعلى المستوى الفردي، فإن كل مؤمن يتبع ما يطمئن إليه ويرضى أن يقابل به الله ويجادل وحده عن نفسه. ولكن برغم التمييز العملي والواضح بين ثلاثة مستويات متعلقة بالرسول، والقرآن، والسنة، والرسول الإنسان كونه إنسانا يخطئ ويصيب! ثمة تردد عند جميع "المؤمنين" في فهم وتنزيل السنة النبوية، وتفضيل التأول أو التوقف أو احتمال صحة أو خطأ نسبتها إلى الرسول. ويملك السلفيون وحدهم الجرأة والوضوح للنظر إلى ما تثبت صحته إلى الرسول بأدوات الإثبات نفسها المتبعة لإثبات صحة خبر نزول القرآن. على أنه وإن لم يكن ما ثبتت صحته للرسول قرآنا، لكنه يملك قوة الحجية والاتباع والتصديق نفسها التي يملكها القرآن، وفي ذلك ليس لنا خيار سوى "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا" (الأحزاب، الآية 36)؛ "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" (الحشر، الآية 7)، برغم أن من أوجه تفسير الآية الأخيرة أنها متعلقة بالفيء والغنائم، ولكنها بطبيعة الحال تملك معنى ظاهرا واضحا يمتد إلى كل شيء!
وبرغم أن المنهج العملي المتبع في فهم وتطبيق النصوص على مدى التاريخ، كان يتضمن توسعا وجرأة إنسانية واسعة في الفهم والتطبيق والتجاهل، مثل بعض أحكام الميراث أو تأول آيات مثل "يحفظونه من أمر الله"، أو تعطيل آيات مثل "فما استمتعم به منهن فآتوهن أجورهن"، أو مسائل الرقّ والجواري، فقد كان ذلك على نحو يشي بالإحراج والخجل من النص. وفي مقابل الجرأة الواضحة التي تنال إعجاب وتأييد كثير من المتدينين في فهم وتطبيق نصوص تبدو واضحة ومحرجة، فإن أحدا من شيوخ الأزهر ووزارء الأوقاف والمفتين الرسميين لم يخالف السلفيين في ذلك.

التعليق