إنا هنا باقون: ذات صباح في فلسطين

تم نشره في الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • أطفال فلسطينيون فوق ركام منزل هدمته القوات الإسرائيلية في سلوان شرق القدس - (أرشيفية)

ماتس سفينسون* – (كاونتربنتش) 2/12/2014

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ينهض من نومه مبكراً. كل شيء ما يزال معتماً. يوقظه صوت حوافر جواد توقع الخطوات على حجارة رصيف الشارع. وهو يعرف ما يعنيه ذلك. أصبح يألف هذا الصوت الذي يتكرر كثيراً. قبل بضع سنوات، ربما كان ذلك يحدث مرة في الشهر. أما الآن، فقد أصبح يحدث كثيراً. إنه شيء مثل مصيدة تطبق عليك ببطء. ويصبح التنفس أصعب، والنوم، والضحك.
لقد حدث الكثير جداً في الآونة الأخيرة. في المرة السابقة التي قُصفت فيها غزة، كان ما يزال طفلاً. كان عادة ما يشاهد الأخبار، خاصة في محطتي "بي بي سي" و"الجزيرة". وكان يركض على مدار الساعة متجولاً مع أصدقائه ويلعبون معاً لعبة الحرب. كانت لديه بندقية بلاستيكية صغيرة يمكن حشوها بالمفرقعات النارية.
مرت بضع سنوات. وقُصفت غزة مرة أخرى. استمرت الغارات 51 يوماً. وتقدمت القوات البرية، وظلت أكثر الطيور الأتوماتيكية تعقيداً تطير فوق معسكر الاعتقال هذا على مدار اليوم. وهناك، يستطيع أن يرى الناس العالقين المحاصرين بقوات البحرية الإسرائيلية، والقوة الجوية الإسرائيلية والقوات البرية، محاطين بالجدران العالية، وهم يحاولون الاختباء، ويبحثون عن ملجأ في مدارس وكالة الغوث. لكنه ليس ثمة مأوى. لا شيء يساعد. لا أحد يساعد. كل شيء تحول إلى هدف. المشافي، عيادات ومباني الأمم المتحدة. العالم يدين ويشجب، وحتى رئيس الولايات المتحدة نفسه يعرب عن القلق، ولكنه يرسل المزيد من السلاح، والرصاص، والمعدات للجيش الإسرائيلي.
الآن، لم يعد يمارس ألعاب الحرب القديمة تلك مرة أخرى. لم يعد مضطراً إلى ذلك. الآن، أصبح يفكر بدلاً من ذلك في الانضمام إلى الحرب الحقيقية. والشيء الذي غالباً ما يحتل أفكاره في هذه الأيام هو كيف يتحمل المسؤولية. كيف يستطيع أن يحمي أشقاءه الأصغر منه سناً، والجد والجدة، والأقارب والأصدقاء.
صوت حوافر الحصان كسر هدأة الصمت، وأيقظه. ينظر بحذر من النافذة. غرفته في الطابق الأعلى. وقد عاشوا هنا طوال أجيال. ويقعد البيت فوق قمة التل وفي مواجهة الوادي. إنه يعيش في سلوان.
مكان جميل طيب، يمكنهم أن يروا منه إلى مسافة بعيدة. أعلى قليلاً إلى اليمين، يرى الجدار الذي يحيط بالمدينة القديمة. ويقع البيت قريباً من مركز الأحداث. كثيراً ما تملكه شعور الفخر بالعيش هنا، لكن ذلك الفخر أصبح الآن أكثر امتزاجاً بالخوف، واليأس والقنوط.
اليوم، تمر ثلاثة أحصنة فقط في الجوار، وإنما يجيء عدد أكثر بكثير من الجنود. هذه المرة، يتوقف الجنود في مكان قريب جداً. يسمع أصوات الصرخات والصيحات. ينكسر باب ويتهاوى. يعرف أي باب هو، وأي بيت هو. لطالما لعب حول ذلك البيت. أفضل أصدقائه يسكن هناك، وهو بعمره هو نفسه. كانا قد ولدا في السنة نفسها قبل 17 عاماً. عائلتان احتفلتا معاً بمناسبات الزفاف، وحزنتا معاً كلما توفي أحد الأحبة من أي الأسرتين.
يرى من نافذته كيف أُجبر صديقه على الخروج من البيت. يرى كيف يتمكن من الدخول مرة أخرى، كيف يحمل إلى الخارج قطع الأثاث، والكتب، وسلال الغسيل، والألعاب. يقف جندي بجوار الباب بسلاح أتوماتيكي نصف مشرع. تحت الأدراج ثمة ثلاثة جنود آخرين. وعلى بعد خمسين متراً من البيت، تحت نافذته، يصنع ثمانون جندياً آخرون دائرة حول المنزل.
كل الطرق أُغلقت. والآن، لا يستطيع أحد الوصول إلى البيت. أما كل من هو هناك، فسوف يبقى هناك.
يرى كيف تخرج والدة صديقه وحفيدها بين ذراعيها. كيف يحمل الأب السجادة الحمراء، السجادة المفروشة دائماً في الغرفة الصغيرة "الكبيرة".
لا يعرف ماذا يفعل. ما إذا كان ينبغي أن يبقى بجوار النافذة أو أن ينزل إلى صديقه. لا يعرف ماذا يقول، لا يعرف أين سيذهب صديقه. لا يعرف لماذا يجبرونهم على الرحيل.
كل ما يعرفه هو أن البيت سُرعان ما سيُسوى بالأرض. يعرف أن كل شيء سوف ينتهي في بضع ساعات. ربما سينتظر حتى ذلك الحين. سوف يحتاج صديقه إلى المساعدة في التنظيف تحت الجدران المدمرة. ويبحث عن الذكريات، والكتب، والرسومات، وشراشف المائدة، والألعاب، والرسائل. كل ما لم يكن لديهم الوقت لينقذوه قبل أن تأتي الآلات وتدمر المنزل.
ينظر إلى المكان الذي كانوا قد هدموا فيه منزلاً في بداية العام الماضي. يرى البيت الجديد الذي بُني هناك. يرى علماً إسرائيلياً مرفوعاً عليه. بناية حديثة، فظيعة. الذين كانوا يقطنون هناك حاولوا طويلاً بناء طابق ثانٍ. وإنما عبثاً. الآن أصبح الوضع مختلفاً. استولى أشخاص آخرون على المكان. وكل الأوراق جرى ترتيبها سريعاً وانتقلوا إلى هنا في سنة واحدة.
لا يريد أن يفكر بكل شيء يحدث في سلوان، والقتل في غزة، وجدار الإذلال الذي يجري بناؤه حول بيت لحم، بحيث أن خاله القاطن في أبو ديس، على بعد كليومتر واحد، لم يعد يستطيع أن يأتي ليحضر الأعراس هنا. لا يريد أن يفكر في المستقبل، في اليوم التالي، في الساعة المقبلة. إنه يريد فقط أن يختفي، يريد أن يفعل شيئاً ما.
هو في السابعة عشرة. وقد خبر تقريباً كل شيء، وعانى أكثر من المعظم. أصبح مليئاً بالخوف، والغضب. أصبح حزيناً في غالب الأحيان، ولكنه لا يبكي أبداً. نادراً جداً ما رأى أحداً يبكي. أحياناً يسمع أمه تبكي بصمت. وإنما ليس عندما يكون ثمة ضوء. أحياناً يستيقظ على أصوات الحزن في الغرفة المجاورة. وعندما يستيقظ بعد دقيقة، يجد أن الأصوات قد ذهبت. وإذا لم توقظه حوافر الخيول، فإن أمه هي التي توقظه.
أمه لا تضحك، وإنما لا تكشف عن أي حزن أيضاً. تكون قد خططت لليوم مسبقاً. حضّرت الإفطار، وخبزت العجين. وتتحدث الأم عما سيفعل إخوته، وما سيفعله أبوه.
ذلك هو الوقت من اليوم الذي يشعر فيه بالراحة أكثر ما يكون. لفترة وجيزة فقط، يبدو كل شيء طبيعاً، ويبدو كما لو أنه يسيطر على حياته. كل شيء مغلق في الخارج. أما هنا، قبل أن يخطو خارجاً إلى الشارع، فإنه يكون ممتلئاً بالدعَة.
أما اليوم، فسوف يذهب ليرى صديقه. لن يكون لديه الوقت ليذهب إلى المدرسة. الجميع يفهمون. الكل يعرفون، الكل يدعمون، وهم يعرفون أنه يمكن أن يكون منزلهم هم غداً.
كلهم يضمون قبضاتهم في جيوبهم. ثمة قرار جماعي تم اتخاذه منذ وقت طويل -إننا هنا باقون.

*دبلوماسي سويدي سابق عمل مع فريق الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي، وهو يتابع حالياً الاحتلال المستمر في إسرائيل.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: We're Staying: Morning in Palestine

ala.zeineh@alghad.jo

alaeddin1963@

التعليق