أضواء على سياسة الطاقة الأميركية في ظل ثورة الوقود الصخري

تم نشره في الخميس 11 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:00 صباحاً

 لهب عطا عبدالوهاب*

عندما ترشح باراك أوباما عام 2008 عن الحزب الديموقراطي لخوض غمار الانتخابات الرئاسية الأميركية؛ فإن تحديات الطاقة الماثلة امامه تمحورت حول حقيقة مفادها أن "إحلال الطاقة المتجددة بدلاً من الوقود الاحفوري سيستغرق عقوداً لتنفيذه بالاضافة الى أن ضمان التدفق الآمن للإمدادات سيبقى هاجساً ملازماً لسنوات طوال".
وكان الرأي السائد في حينه هو أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز آخذ في التراجع أسوة بالاحتياطي العالمي من النفط. كما أن الشعور العام السائد لدى جمهور المواطنين هناك هو أن "الاحتباس الحراري" أضحى قضية لا بد من وضع حلول ناجعة لها.
وجاءت الازمة المالية التي شهدتها الولايات المتحدة (أزمة الرهن العقاري عام 2008) والتي مكّنت الرئيس أوباما من تخصيص 80 مليار دولار ضمن برنامجه لتحفيز الاقتصاد ولتطوير مصادر الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.
ولم تمض سوى سنتين على تولي باراك أوباما سدة الرئاسة ليصبح جلياً ان صناعة النفط والغاز قد حققت نجاحات كبيرة في انتاج الغاز الصخري والنفط المحكم  Tight oil.
وبخلاف الفترة التي سبقت عام 2008 إذ كان الرأي السائد هو ضرورة التوسع في استيراد الغاز الطبيعي المسال LNG واستمرار الزيادة المطردة في الاعتماد على النفط المستورد؛ فإن الفترة الممتدة من عام 2008 – 2014 تشي بحدوث انقلاب حقيقي في مخرجات الطاقة تجلت في بناء موانئ لتصدير الغاز الطبيعي المسال ناهيك عن حدوث تراجع حاد في درجة الاعتماد على النفط المستورد نتيجة لزيادة انتاج النفط المحكم خلال السنوات الخمس المنصرمة بما يربو على 4 مليون برميل يوميا أو ما يعادل انتاج كل من العراق أو ايران.
من الجدير بالذكر أن عدد الآبار الصخرية التي تم حفرها في الولايات المتحدة منذ عام 2010 يزيد على 20 ألف بئر أي عشرة أضعاف ماتم حفره في السعودية وهو الامر الذي أفضى الى زيادة الانتاج فيها بمقدار الثلث ليقترب من 9 ملايين برميل يومياً أي أقل بمليون برميل فقط عن الانتاج السعودي.
إلا أن تراجع الاسعار التي فقدت حوالي 40 % من قيمتها منذ حزيران( يونيو) الماضي؛ يثير تساؤلات عدة حول مستقبل الوقود الصخري والذي لن يصبح ذا جدوى اقتصادية إذا نزلت الاسعار الى ما دون 70 دولاراً للبرميل بالرغم من أن التقنية المتطورة كتقنية التكسير الهيدوليكي Fracking والحفر الافقي الثلاثي الابعاد يمكنها من التقليل من آثار الانخفاض في الاسعار بما يعمل على الحد من درجة التراجع في هذه الحقول لاسيما حقلا Eagel Ford في ولاية تكساس وحقل Bakken في ولاية نورث داكوتا والتي يصل مدى التراجع في مكامنها الى أكثر من 60 % سنوياً.
إن تراجع الواردات النفطية الأميركية الى نصف حجمها منذ عام 2008 كان له تأثير ايجابي على أسعار النفط العالمية، وليس هناك أدنى شك بأن الأسعار كانت ستصبح أعلى بكثير لولا الزيادة في الامدادات الاميركية، بيد أن الانخفاض في الواردات لم يتوزع بشكل متساوٍ جغرافياً؛ إذ يلاحظ أن الانخفاض الاكبر، حوالي 50 %، كان من دول نفطية خارج أوبك، في حين تراجع اعتمادها على نفط أوبك بما في ذلك النفط الخليجي بحوالي 40 %، في حين شهدت وارداتها من السعودية تراجعاً بلغ نسبته 13 % خلال الفترة 2008 حتى 2013.
إن الاختلاف في الأحجام المستوردة بين دول الخليج ودول أخرى في شمال أفريقيا مثل نيجيريا مرده الاختلاف في درجة الكثافة والمحتوى الكبريتي، وأن الزيادة في الانتاج الاميركي تصنف ضمن ما يعرف بالنفوط الخفيفة ذات محتوى كبريتي منخفض (حلو) light sweet والتي حلت محل نفوطها المستوردة من دول داخل اوبك وخارجه.
اما النفط الخليجي فيصنف ضمن النفوط الثقيلة heavy sour ذات محتوى كبريتي مرتفع (حامض او مُرّ) والتي تعد من النفوط المفضلة والتي يمكن معالجتها بسهولة لدى مصانع التكرير المتطورة في ولاية تكساس (عاصمة النفط الاميركي).
من الجدير بالذكر ان المملكة العربية السعودية تمتلك جزءا من مصفاة Motiva الاميركية (وهو مشروع مشترك بين ارامكو السعودية وشركة شل) والتي تصل طاقتها الانتاجية الى 600 ألف برميل يومياً والتي تعتمد على النفط الخام السعودي كلقيم feed stock.
المحددات الأخرى للإنتاج
إلى ذلك؛ فإن إنتاج الولايات المتحدة من النفط التقليدي من "خليج المكسيك" سيعمل كذلك على تخفيض صافي الواردات الاميركية بدرجة أكبر خلال السنوات القليلة المقبلة.
أوبك تبقي على سقف الإنتاج دون تغيير
 كما هو معلوم، أبقت الامانة العامة لمنظمة الاقطار المصدرة للبترول، أوبك، كما كان متوقعاً على سقفها الانتاجي دون تغيير عند 30 مليون برميل يومياً وذلك في اجتماع وزارء نفط أوبك الأخير الذي عقد في العاصمة النمساوية فيينا أخيرا.
وجاء القرار المذكور إدراكاً من المنظمة والتي يمثل انتاجها 30 % من الانتاج العالمي البالغ 90 مليون برميل يومياً.
إن أي خفض في الانتاج سيتم تعويضه من قبل دول منتجة أخرى خارج اوبك (روسيا والنرويج والبرازيل وكندا والولايات المتحدة) ما يعني فقدانها لحصتها السوقية.
وهوت الأسعار جراء القرار المذكور الى ادنى مستوياتها مع وصول مزيج خام برنت المرجعي الى مادون 70 دولاراً للبرميل في الاونة الاخيرة.
انخفاض الأسعار والإنتاج الأميركي
إن الهبوط الحالي في الأسعار لاسيما سعر خام غرب متوسط تكساس WTI بأكثر من 40 % مقارنة بالسعر السائد في شهر حزيران (يوينو) الماضي يثير التساؤلات حول مصير إنتاج الولايات المتحدة من "النفط المحكم" لاسيما اذا ما هيمنت الاسعار المنخفضة للنفط الخام لسنوات عديدة آخرى.
إلا ان الاجماع لدى العديد من المراقبين هو ان الانتاج الاميركي من النفط المحكم الصخري سيواصل ارتفاعه وإن كان بمعدلات أدنى، كما ان الانخفاض في الاسعار قد يؤثر كذلك على الانتاج الرملي الكندي Tar Sand Oil والذي يصدّر مباشرة للولايات المتحدة.
إلا أن هناك قدرا من الضبابية يحوم حول مستقبل النفط الصخري للفترة ما بعد عام 2020 ، إذ الرأي السائد هو ان الانتاج سيصل ذروته ثم يأخذ بالتراجع اواخر العقد القادم.
ونظراً للفروقات النوعية بين النفط المحكم الأميركي (المصنف ضمن الخفيف الحلو) وبين نظيره الشرق الاوسطي المصنف صمن النفوط الثقيلة المُرّة، ستبقى الولايات المتحدة معتمدة على وارداتها الخليجية وان بدرجة اقل من معدلاتها السائدة في العقد الماضي.
التحولات الاستراتيجية المحتملة
ويستمر تراجع اعتماد الولايات المتحدة على نفوطها المستوردة من الخارج ما يجعلها أقل عرضة للانقطاع المفاجئ في الامدادات بخلاف نظرائها الاوربيين والآسيويين.
وكانت كل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي تعتمد على دول الشرق الاوسط بما نسبته 20 % من اجمالي وارداتها، بيد ان نصف الواردات الاوروبية اليوم تأتي من الاتحاد السوفيتي السابق ما يجعلها عرضة للتهديدات الروسية بوقف الامدادات لاسيما بعد تفاقم الازمة الاوكرانية وضم روسيا الاتحادية لشبه جزيرة القرم.
في المقابل؛ تعتمد آسيا في نصف وارداتها النفطية على دول الشرق الاوسط، في حين ان اكثر من 75 % من نفوط دول الخليج العربية والعراق وايران هي ذات وجهة آسيوية وفي مقدمتها الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند.
نلخص مما ورد أن النمو المتسارع في انتاج الوقود غير التقليدي في الولايات المتحدة وتراجع اعتمادها على الواردات الاجنبية، سيعزز دون ريب من الامن القومي الاميركي بيد أن هناك مخاطر ما تزال قائمة لاسيما وأن أسعار النفط لا تحددها الولايات المتحدة بل الاسواق العالمية.
 كما ان اوبك، وعلى وجه التحديد المملكة العربية السعودية، لها دور مؤثر في تحديد مسار الاسعار بزيادة او خفض انتاجها لما تتمتع به من طاقة انتاجية فائضة ما جعلها تلعب لسنين ما يعرف في ادبيات الطاقة دور "المنتج المرجح" Swing Producer، إلا ان السعودية قد تخلت مؤخراً عن هذا الدور خشية خسارة حصتها في الاسواق مع تخمة المعروض من دول نفطية منتجة خارج منظومة الدول الخليجية.
على الصعيد الآخر فإن القلاقل السياسية التي تعصف بالمنطقة مع خطر تمدّد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) وسيطرة الحوثيين على أجزاء من اليمن واستمرار الحروب الداخلية بين المليشيات المسلحة في ليبيا؛ كل هذه التطورات مجتمعة عملت على الحد من النمو في انتاج هذه الدول.
وهذه تطورات تشي، مالم يتم احتواؤها سريعاً؛ بانقطاع الامدادات دون سابق انذار.
إن الولايات المتحدة بالاشتراك مع التحالف الدولي ضد الارهاب ستبقى معنية بالحفاظ على أمن النفط والغاز من دول الخليج العربي من خلال تواجدها في المنطقة (الاسطول الخامس في البحرين والقاعدة الجوية في عيديد القطرية )، حفظاً لمصالحها الاستراتيجية والحيوية في المنطقة والتي لن تحيد عنها بغض النظر عن من هو جالس في كرسي الحكم في المكتب البيضاوي في واشنطن سواء كان ينتمي للحزب الديمقراطي ام الحزب الجمهوري.

* اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق