إبراهيم غرايبة

في تجارب النهوض والفشل

تم نشره في الخميس 11 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:08 صباحاً

يمكن ملاحظة نماذج كثر في النهوض والسقوط للأمم في التاريخ والحاضر، وبرغم الإجماع في الحكم بالفشل أو النجاح فإن تفسير ذلك يبدو متعددا ومتناقضا، وقد شغلت به كتب ودراسات كثيرة، وأصبح تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية دليلا عمليا واضحا لقياس التقدم والفشل.
نهضت في بداية العصر الحديث في حوالي القرن الخامس عشر إسبانيا والبرتغال وهيمنتا على العالم متحديتين الدولة الإسلامية التي سادت في العصور الوسطى، ثم انهارتا وخلفتهما هولندا التي استطاعت أن تنشئ امبراطورية اقتصادية عالمية تسيطر على السوق العالمية، ثم ورثت بريطانيا هولندا معتمدةً على نظام سياسي مجيد يطلق الطاقات والحريات بعد الثورة البريطانية المجيدة عام 1688، وأنشات فرنسا في القرن السابع عشر قوة عظمى عالمية معتمدة على الثقافة والزراعة، وتتقدم اليوم الولايات المتحدة العالم وتليها بمسافات أوروبا واليابان والصين وروسيا وكوريا، وتبدو البرازيل والهند وتركيا دولا صاعدة.
يكاد يكون مجمعاً عليه اليوم، أن التقدم القائم تشكّل حول الثورة الصناعية وما تبعها من سلسلة تطورات هائلة في الموارد وصولاً إلى اقتصاد المعرفة وتقنياتها، ولكن لماذا لم تستفد من التقنية أمم ودول كثيرة كما استفادت دول أخرى؟
الإجابة أيضاً تكاد تكون بديهية ومجمعاً عليها في عدم التفاعل الصحيح بين المرحلة والموارد، أو الفشل في الإجابة عن السؤال البديهي والتلقائي؛ كيف تستجيب الدول والمجتمعات للمرحلة؟ كيف تلتقط اللحظة أو الفرصة السانحة؟ ففي الوقت الذي التقطت دول عدة تقنيات الطباعة في انتشار التعليم وتطوير المهن والحرف والاختراعات تعاملت معها دول ومجتمعات وأخرى برفض وعدائية، ومانزال نقرأ حتى اليوم من يحمّل مشروع محمد علي التحديثي في مصر كل الشرور والآثام، وينتقد رفاعة الطهطاوي في أن مشروعه للترجمة والطباعة كان سبب التخلف والهزائم!
والواقع أن معظم دول العالم ونخبه المهيمنة اقتبست التقنية والأنظمة الحديثة للدول المتقدمة، ولكن يمكن ملاحظة أن الفاشلة منها ظلت تدير التحديث والتقنيات على النحو الذي يعود بالفائدة على أقلية من الناس، التقنية التي تنتج التخلف والتحديث المنشئ للفقر والجهل والمرض، أو لنقل عبقرية الفشل، هذا ما يمكن ملاحظته على كثير من الدول الفاشلة.
التقنية لا تؤدي تلقائيا إلى التقدم برغم أنها شرط ضروري، وكذلك الموارد والوفرة المالية لا تؤدي إلى التقدم والتنمية تلقائيا، فقد فشلت دول غنية كثيرة في الحاضر والتاريخ برغم الموارد الهائلة التي تمتلكها.. لماذا تفشل الدول؟

التعليق