إبراهيم غرايبة

يبقى الاستبداد وتزول منافعه

تم نشره في الجمعة 12 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:08 صباحاً

حسبت قيادات سياسية وحاكمة في التاريخ أن المصادرة تحمي الدولة ونظامها. لكن التاريخ أثبت أن الدول التي تحمي المُلكيات والحقوق هي التي تتقدم. ففي ظل هذه الحماية، يبادر جميع الناس إلى العمل والإبداع والمحاولة، وهم مطمئنون إلى أن العدالة والقوانين القائمة تضمن لهم الانتفاع بنتيجة عملهم ومبادراتهم.
هكذا انهارت المنظومة الشيوعية، كما انهارت من قبلها، للسبب نفسه، إسبانيا والبرتغال عندما صادرتا أموال وممتلكات العرب واليهود. لقد فتح الاتحاد السوفيتي، ومن قبله إسبانيا والبرتغال، المجال واسعاً لهروب وتهريب الأموال والكفاءات! وكانت هذه الموارد أساس النجاح والتقدم في الدول المستقبلة لها، والراعية والضامنة للحقوق والممتلكات المهاجرة كما المتوطنة، وحدثت النهضة في هولندا وبريطانيا وإيطاليا وسواها.
وأدى الظلم والاستبداد إلى التمرد وضياع سلطة القانون؛ فتوالت الخسائر والكوارث على الدول والناس. وفي المقابل، فإن العدل وسيادة القانون شكّلا مظلة للعمل والازدهار واستقطاب الأموال والاستثمارات؛ فالأفراد والمجتمعات تتحرك بتلقائية وراء الاستقرار والأمن، وتنشأ المدن والأسواق حول سيادة القانون، فلا مدن بغير العدل والقانون. ومن المعلوم أن المدينة في جذرها اللغوي الآرامي "دين"، تعني العدل أو القانون؛ ويوم الدين في القرآن الكريم يعني يوم العدل والحساب! وكأن الدين والمدينة كليهما يقومان على "العدل".
لقد استطاع الاتحاد السوفيتي بعد الثورة البلشفية إنشاء نهضة صناعية وزراعية واسعة. لكن القيادة الشيوعية لم تستطع مواصلة زخم النمو بعد أربعين سنة من الثورة، وبدأت منذ الستينيات تشهد تراجعا واسعا في الإنتاج والسيولة النقدية، بل وبدأت تستورد القمح والغذاء! لأنه، وببساطة، لا تستطيع الدولة أن تحافظ على عنفوانها وزخمها من غير أن ترتبط بسياساتها وأهدافها مصالح حقيقية وراسخة للناس والمجتمعات والأعمال والأسواق. ففي هذه الفجوة بين الدولة والسوق، يفقد الإنتاج والتصنيع والعمل قدرتها على الاستمرار والتواصل.
الأسواق هي التي تضمن هذا التواصل؛ ففي مصالح الشركات والأعمال وتطلعاتها إلى النمو والتوسع، ترعى الإبداع والابتكار، وتدعم منظومة العدل والثقة، وينشأ بطبيعة الحال تكامل بين الدولة والسوق. فالدولة تقلل الإنفاق والمجهود على مجالات كثيرة، مكتفية بحماية العدل والقانون والحقوق، وتتكلف الأسواق نيابة عنها بتأمين الخدمات والسلع. وفي الضرائب والموارد العامة، تستطيع الدولة أن تضمن قدرتها على تطبيق سيادة القانون وتواصل الأسواق تطورها. ثم في هذه العلاقة بين الدولة والمواطنين، القائمة على الضرائب، تنشأ الديمقراطية والحريات! لأن المواطنين يمولون السلطة بأموالهم وضرائبهم لتمثلهم وترعى حقوقهم ومصالحهم. لا حرية ولا ديمقراطية، في واقع الحال، من غير تصحيح العلاقة بين جباية الضرائب وواجبات الدولة. فالسلطة لكي تزيد مواردها، يجب أن تزدهر الأسواق؛ ولكي تضمن هذا الازدهار، فإنها تلتزم بالعدل والحريات والديمقراطية.. وهذا هو ببساطة العقد الاجتماعي المنشئ للنمو والازدهار.

التعليق