اتفاقية الغاز الإسرائيلي المصري الفلسطيني الأردني تطبيع مجاني

تم نشره في الثلاثاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • منصة لاستخراج الغاز "الاسرائيلي" في عرض البحر الأبيض المتوسط - (وكالات)

عبد الحي زلوم*

كتبت هذا المقال قبل أن تنقل "الغد" في عددها صباح السبت الموافق 13 /12  /2014 عن الصحافة الإسرائيلية أن صفقة الغاز هي سياسية بامتياز قبل أن تكون اقتصادية وأن الولايات المتحدة رعتها من "الألف إلى الياء".
وجاء في جريدة "الغد" أن "صحيفة ذي ماركر الاقتصادية الإسرائيلية" كشفت النقاب عن المداولات خلف الكواليس بين الحكومتين الإسرائيلية والأردنية حول الصفقة والدور الأميركي العميق فيها.
كنت قد نأيت بنفسي عن ملف صفقة الغاز الإسرائيلية الأردنية حتى أني لم أتابع ما دار حولها من داخل البرلمان الأردني أو من خارجه عدا ما جاء من عناوين الصحف بدون إجهاد النفس بقراءة أي تفاصيل، وذلك لقناعتي بأن الأمر أكبر من دولة واحدة بعينها (وما باليد حيلة).
وأثار نقاش البرلمان الأردني مع الحكومة في البرلمان اهتمام الجمهور الأردني.
في اليوم التالي لنقاش مجلس البرلمان الأردني مع الحكومة عن ملف اتفاقية الغاز، التقيت ثلة من الأصدقاء من النخب الأردنية والذين خدموا في مراكز مهمة في القطاعين العام والخاص وتبوأوا أعلى المناصب في الدولة الأردنية.
وعندما كان يسألني أحد عن رأيي كخبير في قطاع النفط والطاقة كان جوابي مختصراً بأن الموضوع "سياسي أولاً واقتصادي عاشراً"، لكنهم قالوا "إن ذلك يحتاج الى أكثر من هذه العبارة العابرة ويحتاج الى برهان فبدأت بكتابة هذا المقال".
أما أن الأمر سياسي بامتياز، فهذه بعض الأدلة؛ كتبت جريدة "وول ستريت جورنال" الأميركية في 3 / 9/ 2004 ما يلي "لقد صرحت الشركة الإسرائيلية "لاحظ الاسرائيلية" أنها ستزود الأردن بصفقة من الغاز كميتها 45 مليون متر مكعب من حقل ليفيثان البحري (Leviathan) خلال 15 سنة قيمتها حوالي 15 مليار دولار وكذلك لأغراض توليد الكهرباء في الأردن".
ونلاحظ أن الخبر جاء من الشركة الإسرائيلية بدون غطاء أميركي أو أي مواربة؛ فالشركات الاسرائيلية تمتلك أكثر من 60 % من مشروع الغاز وشركة نوبل هي المشغل والمالك لأقل من 40 % منه.
وتضيف الصحيفة "رحبت الحكومة الاسرائيلية بالصفقة؛ إذ وصفها وزير الطاقة الإسرائيلي سلفان شالوم بأنها صفقة تاريخية والتي سوف تعزز العلاقات السياسية والاقتصادية بين "إسرائيل" والأردن".
ونلاحظ هنا أن تعزيز العلاقات السياسية سبق الاقتصادية وتقدم عليها في الأولويات.
في 3 /9/ 2004 كشفت أيضاً جريدة "ذي "اسرائيل" تايمز" أن الولايات المتحدة رعت المحادثات والمفاوضات الأردنية الاسرائيلية لإنجاح هذه الصفقة الى درجة أن المبعوث الأميركي آموس هكستاين حضر جلسة توقيع مذكرة التفاهم الأردنية الإسرائيلية وبحضور ممثلين عن الشركات الاسرائيلية صاحبة أغلبية الملكية في حقل ليفيثان البحري.
وهنا نتساءل؛ لماذا كل هذا الاهتمام الأميركي بصفقة غاز بين بلدين كالأردن و"إسرائيل"؟
لو أن مصلحة الأردن هي المقصودة لكان أولى بالولايات المتحدة أن تهمس في آذان بعض حلفائها المنتجين للنفط والغاز بمنح الأردن أسعاراً تفضيلية أو منحة وهم أنفسهم من استمعوا الى همساتها لتقديم مليارات الدولارات لقتل مئات الآلاف من الأشقاء (الألداء) وتدمير بلدانهم وبنيتهم التحتية؛ علماً بأن هبوط سعر النفط دولارا واحدا للبرميل يكلف دول الخليج 7 مليارات دولار في السنة؛ فأي عبء يُمثل هذا على تلك الدول؟
أما المقصود من صفقات الغاز هذه الإسرائيلية المصرية الفلسطينية الأردنية فهو تطبيع مجاني وسلام اقتصادي إقليمي مع دول الاعتدال كافة وبدون مقابل.
وتقول صحيفة "ذي "اسرائيل" تايمز": "جاءت صفقة الغاز هذه بعد أن صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن نشوء أفق دبلوماسي جديد وتمتين الروابط في المنطقة؛ فالصفقة الإسرائيلية الأردنية هي جزء من صفقة شرق أوسطية لزيادة الروابط الاقتصادية والأمنية بين "اسرائيل" ودول الاعتدال في حلف استراتيجي غير معلن تساعد الاضطرابات في المنطقة والعمليات العسكرية على طمس معالمه".
ماذا عن الصفقة الفلسطينية والمصرية للغاز؟
كان من بين حجج مؤيدي اتفاقية الغاز الأردنية أن فلسطين ومصر قاما بمثل هذه الاتفاقية، فلماذا هذا حلال عليهم وحرام علينا؟.
إن وجه المقارنة معدوم؛ إلا من الناحية السياسية؛ والمقارنة بين اتفاقية فلسطين ومصر مع الاتفاقية الأردنية فهي تماماً كما يقارن الفجل بالبطيخ.
الاتفاقية مع فلسطين؛ لا يمكن أن نقارن دولتنا الأردنية المستقلة ذات السيادة العضو في الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالسلطة الفلسطينية التي تقع تحت أسر الاحتلال والذي لا يستطيع ما يسمى برئيسها مغادرة مكتبه في رام الله الى مدينة أخرى في فلسطين أو خارجها بدون إذن كتابي رسمي يصدر عن شاويش في جيش الاحتلال.
هذه سلطة بدون سلطة تقايض بقاءها على عروشها مقابل تقديم خدمات أمنية واستخبارية ضد شعبها وللعدو المحتل لأراضيها وتقتيل شعبها بل وزرائها.
كان أول اكتشاف غاز في شرق البحر الأبيض المتوسط قبالة الشواطئ الفلسطينية في غزة العام 2000؛ قبل اكتشاف الغاز الإسرائيلي وهو غاز فلسطيني مسروق في واقع الأمر.
كان شرط "اسرائيل" للسماح لشركة بريتش غاز British Gas المطورة لحقل غزة بيع الفائض منه الى "اسرائيل" وعندما تم الاكتشاف وقبل بدء الإنتاج تفاوضت شركة بريتش غاز مع "اسرائيل" على سعر شرائها للغاز الفلسطيني وأصرت "اسرائيل" على تبخيس السعر بحيث أصبح المشروع بدون جدوى اقتصادية وبذلك عطلت تطوير إنتاج غاز غزة.
أما في مصر؛ بداية يجب علينا أن نعلم أن احتياطي الغاز المصري يزيد على ضعفي الاحتياطي الاسرائيلي؛ فالمشكلة كانت بكل بساطة سوء التخطيط.
التزمت مصر بعقود أكبر من سرعتها في تطوير حقولها المثبتة للغاز، وذلك باتفاقيات غاز مع "اسرائيل" والأردن بل ومع شركات أميركية وبريطانية وإيطالية وإسبانية لتسييل الغاز لتصديره.
نتيجة لذلك أصبحت غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها نحو الأطراف كافة.
الاتفاقية مع مصر هي بالأساس لتغذية الصناعات المصرية المعتمدة على الغاز وأهمها منشآت تسييل الغاز مثل مشروع شركة بريتش غاز في مصر
وUnion Fenosa Gas الايطالية الاسبانية ومنشآتها لتصدير الغاز بعد تسييله.
المُحزن هنا أن صفقة الغاز المصري الى "اسرائيل" كانت السبب المباشر في تطوير حقول الغاز الاسرائيلية.
وكان امتياز اكتشاف وتطوير أي حقول نفط وغاز تحت مياه الأبيض المتوسط الى شركة بريتش غاز ومنها حقلا "تمار" و"ليفيثان". وبعد أن قامت "بريتش غاز" باكتشاف الغاز مرة أخرى تفاوضت مع "اسرائيل" العام 2004 على سعر الغاز المنتج من حقل تمار مع شركة الكهرباء الاسرائيلية.
بخّست اسرائيل بالسعر مرة أخرى؛ مدعية أن لها عرضا لشراء الغاز المصري بـ2.75 دولار لمليون وحدة حرارية بريطانية، وبذلك أجهضت مصر المفاوضات البريطانية الاسرائيلية، وقامت شركات اسرائيلية بالتعاون مع شركة "نوبل" بتطوير الحقول بعد أن أثبتت شركة "بريتش غاز" أن احتياطياتها كبيرةً جداً.
ونحن ما نزال نتكلم عن النواحي الفنية، فلا بد أن أشير الى أن هناك ما يجعل الغاز الاسرائيلي حبيسا لا يمكن بيعه الا الى دول الجوار فقط؛ فليس لديه محطة تسييل الغاز يسمح بالتصدير وهي مكلفة جداً تحتاج الى مليارات الدولارات وإلى العديد من السنين. ولا تستطيع أن تبيع قدما مكعبة واحدة من الغاز خارج دول مصر والأردن وفلسطين.
المُحزن أن "اسرائيل" تحاول أن تعوض نقصها هذا باستغلال منشآت تسييل الغاز المصرية، علماً بأن مصر لديها من الغاز والذي سيبدأ انتاجه قريباً كما في حقل شركة بريتش بتروليوم (BP) والذي سيكون انتاجه قرابة 950 مليون قدم مكعبة يومياً والمتوقع دخوله الإنتاج خلال شهور.
وتجدر الإشارة إلى أن حقل "ليفيثان" ما يزال في طريق التطوير ولن يبدأ الإنتاج قبل العام 2018 وأن أي تزويد بالغاز حالياً سيكون من حقل "تمار" والذي سيكون أكثر إنتاجه لتغطية حاجتها المحلية لتوريد الطاقة في "اسرائيل"، ولو بدأ الأردن بإنتاج محطتين أخريين من الكهرباء باستعمال الصخر الزيتي الأردني لدخلت الإنتاج مع أو قبل حقل "ليفيثان"! وأن بداية العزف على مقولة جدوى هذه المحطات بأسعار النفط الحالية هي اسطوانة مشروخة ومشبوهة.
الغريب حقاً أن "اسرائيل" تنوي استعمال خط الغاز المصري الأردني باتجاه عكسي، مما يجعل تصدير الغاز المصري الى الأردن مستحيلاً.
تحدثنا عن الملفات المادية والفنية فماذا عن الأمور الأخرى؟
هناك خيارات عديدة لو كان الأمر يتعلق بالاقتصاد فقط، لكان الأمر ليس كذلك؛ يبدو أن الأمر قد حسم وانتهى وما لنا إلا أن نقول (لا فائدة؛ غطيني يا صفية).

*خبير في قطاع الطاقة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعتذر عن الخطء المطبعي (عبد الحي زلوم)

    الخميس 18 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    ردا على الدكتور كمال غرايبه فان السنة هي ٢٠١٤ في المرتين.
  • »الغاز الاسرائيلي (اد كمال غرايبة)

    الأربعاء 17 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    الاخ عبد الحي هل تاريخ المقالة في وول ستريت جورنال في العمود الاول هو 3-9-2004 ام 3-9-2014 وبنفس العمود هل تاريخ مقالة ذي اسرائيل تايمز هو3-9-2004 ام 3-9-2014 الرجاء الاجابة لاهمية الموضوع
  • »this is the truth (mohammad)

    الثلاثاء 16 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    Excellent article, this is the truth , now go tell the prime minster and his minsters to "F" them self for laying once a gain