في طلب السعادة

تم نشره في السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:00 صباحاً

اختلف الباحثون حول معايير السعادة، وتصنيف الدول والمجتمعات من حيث مستوى سعادتها. وذهب فريق إلى أن السعادة ليست إلا عاملا وراثيا، تستقر مفاعيله في الدماغ. وغرق هذا الفرض في أن شعوبا بعينها حصلت على هذا العامل الوراثي، أو الجين، ومنها الشعوب الاسكندنافية في اوروبا، بينما حرمت منه الشعوب العربية وأفريقيا ومناطق اخرى من العالم.
ثمة معايير تقليدية للسعادة، آخرها الذي أظهر دول الخليج العربي في مقدمة الدول الأكثر سعادة في المنطقة. وفي تقديري، فإن معيار الرفاهية والدخل والثروة، وإنفاق الدولة ودورها الرعوي، ليس دقيقا، بل العكس. فهذا النسق من الرفاه سيكون سببا في النهاية إلى دعة العيش، لكنه لن يصنع سعادة. فالحياة والسعادة أكبر من مجرد هاتف ذكي مرتفع الثمن، وسيارة فارهة من موديل 2015، أو منزل فخم يطل على البحر. إذ ثمة رضى من المفترض أن يتسلل إلى داخل المرء تحت مبررات القوة والحضور والحقوق العادلة في مجتمع منافس، القيمة الأعلى فيه للمواطنة والحرية والعدالة.
لكن العامل الاقتصادي أساسي وحاضر بقوة في أي معيار لرصد السعادة أو التعاسة. ولا يمكن فهم تدهور تصنيف دول مثل مصر واليمن وموريتانيا وسورية وأفغانستان على سلم سعادة الدول بأسباب سياسية وأمنية وحسب، بل إن حكومات هذه الدول فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أي نسبة من الرضى الشعبي المتعلق بمنسوب العدالة في الدولة. فكيف يكون الشعب سعيدا وهناك من يسرقه ويستبيح موارده ويبيع موجودات الدولة لصالح " ليبرالية" اقتصادية صممت على مقاس البعض، ممن أثرى وفتح الباب واسعا للعشوائيات والظلم والقهر!
دققوا فيما حدث اقتصاديا في دمشق والقاهرة وصنعاء وبغداد، لتجدوا أن تلاوين الفساد تناثرت بألوان قوس قزح كافة، غير أنها انتهت إلى السواد. فذاك قريب الرئيس في أقدم مدن التاريخ على الإطلاق يشارك في كل مشروع، ويعيث في الأرض خرابا. وليس أحسن منه نجل الرئيس في عاصمة تحمل حضارة تمتد لسبعة آلاف سنة. أما البلد الذي حمل صفة "السعيد" على مر العصور، فقد باع خال رئيسه الميناء الأكثر أهمية على مستوى العالم بثمن بخس. وفي درة الشرق عاصمة الرشيد، ضاع الرشد كله، وأمست البلاد تتصدر قائمة الفساد على مستوى عالمي.
وبالإضافة إلى عامل الفساد، وإخفاق الدولة ومواطنيها في صناعة المنجز الاقتصادي، فإن الطريق نحو السعادة أكثر أهمية من الوصول إليها، وهو ما ظهر جليا في الدستور الأميركي الذي تحدث صراحة عن "حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة". والمعنى مقصود هنا؛ فلم يقل المشرع الحرية والسعادة، وإنما ذهب إلى السعي وراء السعادة، أو طلب السعادة. وهو ذات المعنى الذي حمله اسم الفيلم "Pursuit of Happiness" الذي أبدع فيه النجم الأميركي ويل سميث قبل 8 سنوات، ورسم طريقا إلى السعادة سار عليه وسط الأشواك. لكن سعادته كانت في الطريق إلى المنجز الذي انتهى إليه، وليست في الملايين التي حصل عليها في نهاية المطاف. وعربيا، قال الشاعر نزار قباني: "لم يكن الوصول يوما غايتي، إنما الإقلاع".
السعادة ليست وراثة، ولا هي في الترف والكسل، أو في الاستماع إلى أغنية ساذجة لحاكم مستبد وفاسد؛ إنها حفر في الصخر، ومشي على طرقات لن تكون إلا إذا مشينا عليها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السعادة (عونى منصور)

    السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    ان توفر الظروف الانية والموضوعية لاشباع الفرد وانتاجية عالية فى ظل العدل والمساواة وتكافىء الفرص ..وحرية لا سقف لها ..حينها يجدر القول ..كن جميلا ترى الوجود جميلا ...................
  • »ماذا تقصد (علي)

    السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    أغنية ساذجة لحاكم مستبد وفاسد؛
  • »هل هذه سعادة (منذر)

    السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    أمير قطري يشتري أغلى مهرة في العالم بـ7.3 مليون دولار دبي- قد يصح القول إن رياضة الفروسية تعتبر رياضة النبلاء فعلياً، فقد قام الشيخ فهد آل ثاني من الأسرة الحاكمة في قطر، الثلاثاء، بشراء مهرة سباقات يطلق عليها اسم "جست ذا جادج" بقيمة 4.5 مليون جنيه استرليني أي 7.3 مليون دولار، ما يجعل منها المهرة الأغلى سعراً في تاريخ المزادات البريطانية.

    وهذه هي المرة الأولى التي تعرض مهرة سباقات كلاسيكية في مزاد "تاترسولز" في نيوماركت، في بريطانيا، للبيع منذ أكثر من عقدين من الزمن.

    وقد شهد المزاد منافسة محتدمة للغاية من أجل شراء تلك المهرة، التي تبلغ من العمر 4 أعوام، وقد فتحت حرب العطاءات في المزاد بقيمة 500 ألف جنيه، قبل أن يفوز الشيخ فهد آل ثاني بشراء المهرة ويحسم الأمر لمصلحته، ضد جيمز ديلاهوكي وباري ويزبورد.

    ومن المتوقع، أن تشارك "ذا جادج" في سباقات قطر، في الموسم المقبل، وتستمر بشراكتها مع المدرب تشارلي هيلز.

    وتحظى "ذا جادج" بمكانة خاصة في عالم الخيول، بعدما شاركت في خمسة سباقات وحققت 6 مراكز مهمة، وهي المهرة الأولى المتخصصة في الفوز بالسباقات الكلاسيكية.-(CNN)
  • »الجواب في الدنمارك لا هنا (بسمة الهندي)

    السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    مقال مهم. معك حق أستاذ حسن، كما قال محمود درويش "الطريق إلى البيت أجمل من البيت". ولذلك هناك من يعتقد أن صرف المال على خوض التجارب يجلب سعادة أكثر من صرف المال على الأشياء المادية؛ أنا مقتنعة بتلك النصيحة جداً ولذلك أملك القليل من الأشياء المادية والكثير من التجارب الرائعة.
    المشكلة هي في تلك الصور التي تقتحمنا يومياً وتقدم لنا أسباب واهية ومشوهة للسعي للسعادة، فالاعلانات التجارية تقنعنا بأن شراء سلعة ما يجلب السعادة، والسياسيون يحاولون اقناعنا أن النمو الاقتصادي يجلب السعادة، والمشاهير يحاولون اقناعنا أن الشهرة والأضواء تجلب السعادة...
    السعادة مذكورة حتى في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان مثل الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.
    أنا أميل إلى علم النفس الايجابي في تحديده لأسباب السعادة وهي ثلاث؛ الانغماس (أن تقوم بأعمال تنسيك مرور الزمن)، والعلاقات الاجتماعية (خصوصاً الأسرية)، وأن يكون هناك معنى لحياتك (أن تقوم بجهد يستهدف ما هو أكبر وأوسع من مصالحك الشخصية المباشرة مثل العمل التطوعي أو الدفاع عن قضية). طبعاً هناك محاولات أخرى لتحديد علامات وأسباب السعادة مثل "السبعة الكبار": الثروة، العلاقات الأسرية، العمل، الأصدقاء، الصحة، الحرية، والقيم والقناعات الشخصية. الأكيد أن اختصار أسباب السعادة في النمو الاقتصادي هو نظرة سطحية "وهبلة".
    المهم أن الدنماركيين دائماً في قمة الشعوب السعيدة، وقد يحسم الجدل أن نبحث عن الأسباب الحقيقية للسعادة في الدنمارك لا هنا. منذ بعض الوقت أتابع الأفلام والمسلسلات الدنماركية والسويدية لأفهم المجتماعات الاسكندنافية أكثر رغم أنني زرتهما.