رنا الصبّاغ

ضد قرار إعادة القصاص بحبل المشنقة!

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:00 صباحاً

شكل قرار الأردن الأخير بوقف تجميد عقوبة الإعدام الساري منذ ثماني سنوات، صدمة لنشطاء وحقوقيين وساسة، رأوا فيه تراجعا آخر على مسار حقوق الإنسان، وسط إقليم يجنح صوب الانغلاق والتشدد وإقصاء الآخر.
بالطبع، يأتي القرار في سياق توجه عام، مدعوم شعبياً وإعلامياً وبرلمانياً، لفرض سلطة القانون، ومواجهة تحدي الحركات الإرهابية والفكر التكفيري عابر الحدود.
لكن تنفيذ عقوبة الإعدام بطريقة مفاجئة يوم الأحد الماضي، بحق 11 محكوماً من أصل 122 في السجون الأردنية، بعد تعليقها منذ العام 2007 بناء على ضغوط الدول الغربية المانحة، أجج شعوراً بالأسى لدى الأقلية التي تعارض في الأصل عقوبة الإعدام في الأردن والعالم، لأن حقوق الانسان منظومة عالمية وقيمية لا يجوز تجزئتها حسب الحاجة.
هذه الأقلية تقف ضد مبدأ الإعدام، لأن هناك إمكانية حصول أخطاء في إصدار الأحكام، كون البشر غير معصومين عن الخطيئة مهما علا شأنهم. ومثال على ذلك ما حدث مع أبي قتادة، عندما تمت إعادة محاكمته بتهمة الإرهاب، وثبتت براءته من عقوبة الإعدام. كما أن معارضي الإعدام يعتقدون أن ثمة أحكاما، كالمؤبد والأشغال الشاقة مدى الحياة، أشد قسوة على المجرمين من الإعدام شنقا بلف الحبل حول العنق، مثلما حصل في الأردن يوم الأحد الماضي، بتنفيذ وجبة الإعدامات الأكبر في تاريخ الأردن الحديث (في السابق، كان يتم شنق ثلاثة أشخاص كحد أعلى في كل دفعة).
فتح غرفة الإعدامات من دون إعلان رسمي عن ذلك، وبعد تجميد عقوبة الاعدام في بعض الجرائم وتعليق تطبيقها في جرائم القتل العمد والاغتصاب والأعمال الارهابية منذ العام 2007 -ووقتها أيضا من دون إعلان رسمي- يمس صدقية الخطاب الرسمي الإصلاحي الذي يروج لدولة المؤسسات والقانون. كما يضرب صورة الأردن في الخارج والداخل كدولة وسطية معتدلة، تنشد الإصلاح المتدرج الآمن في إقليم ملتهب.
المشكلة الأكبر أن قرار العودة عن تجميد عقوبة الإعدام لم يشرك فيه المواطن دافع الضريبة. إذ لم يتم فتح حوار عام حول فوائد ومضار الإعدام، بعد أن أغلقت غالبية وسائل الإعلام التقليدية أبوابها أمام الرأي الآخر، وانتقل السجال إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تسمع الرأي المؤيد والمخالف.
أدرك مسبقا أن غالبية المسؤولين والنواب لا تريد سماع هكذا مواقف رددها عشرات الساسة والنشطاء ومنظمات حقوق الإنسان الوطنية والمحلية والدولية، قبل أن يصدر بيان بعثة الاتحاد الاوروبي والدول الأوروبية الأعضاء، إضافة إلى النرويج وسويسرا، يوم أمس، بشجب تنفيذ الإعدامات، واعتبار القرار خطوة إلى الوراء، ومطالبة الأردن بإعادة تجميد عقوبة الإعدام تمهيدا لإلغائها. وأدرك أيضا أن مفهوم الإعدام في رأي كثيرين هو تنفيذ لشرع الله، والسبيل إلى القصاص من المجرمين وحماية حقوق الضحايا ومنع الجريمة. كما أن شنق المحكومين في جرائم محددة، هي طريقة فعالة برأيهم للحد من ردود الفعل لذوي المجني عليهم، ووقف عمليات الترحيل القسري (الجلوة) لعائلات وذوي الجناة، عملاً بأحكام القانون العشائري. وأعلم أن هناك الكثير ممن يعتقدون أن العودة إلى أحكام الإعدام ستحمي السلم المجتمعي، وهي ضرورة لفرض سيادة القانون واستعادة هيبة الدولة، ومحاربة الجريمة التي شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الثماني الماضية.
لكنني أخشى أن يأتي اليوم الذي يطالب فيه بعض من يدعم مبدأ الإعدامات استنادا إلى أنها إنفاذ للشريعة الإسلامية، بتطبيق كافة أحكام هذه المنظومة، بحيث تتم إضافة قطع يد السارق ورجم الزناة، وتفعيل عقوبة الجلد في الساحات العامة.
لكن من الضروري أن تخرج الحكومة برواية مقنعة للرأي العام، تظهر نوعية الدراسات التي استندت إليها بأن العودة إلى تنفيذ عقوبات الإعدام ستقلل من الجريمة. فالمسؤول الوحيد الذي استبق هذا القرار كان وزير الداخلية حسين المجالي، قبل أسابيع، عندما صرح أن الجهات المختصة تدرس العودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام، قبل أن يستفيق الأردنيون على أخبار تنفيذ الإعدامات قبل ثلاثة أيام.
ولا يكفي الاتكاء على استطلاع رأي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، أيدت غالبية المستجوبين فيه تطبيق الإعدام، والإبقاء على العقوبة في القانون لردع الجريمة في الأردن. كما لا تكفي تصريحات نقابية وحزبية مؤيدة لا تتعدى أصابع اليد. فلا بد من حوار ذكي يخلق إجماعاً وطنياً، ويسمح للرأي المعارض بالتكلم بدلا من الاعتماد على أسلوب التخويف والتلقين والتخوين، واستمرار التعامل مع المواطن وكأنه تابع.
فالجريمة في الاردن بصراحة لم تتناسل بسبب توقيف تنفيذ عقوبة الاعدام، بل زادت بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وتردي الخدمات المعيشية التي توفرها الدولة، وتنامي البطالة وتآكل المداخيل وتفاقم الفجوة الطبقية، وغياب الجدية في محاربة الفساد والمفسدين، وضعف تنفيذ الإصلاحات السياسية الجوهرية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتراجع دور البرلمان الرقابي والتشريعي.
والجريمة زادت بسبب تحديات الحداثة والعولمة، وموجات النزوح القسري نتيجة غياب العدالة في توزيع مكتسبات التنمية، كما بسبب الواسطة والمحسوبية والتراخي الرسمي في إنفاذ مبدأ سيادة القانون، بدءا بمخالفات السير البسيطة مروراً بالاعتداء على الأرصفة والطرق والممتلكات العامة والخاصة، وانتهاء بالجريمة بمختلف درجاتها.
من الضروري اليوم أن يقرر الأردنيون شكل المجتمع الذي يريدون العيش فيه. فلا نستطيع أن نتصرف يوماً بأننا نريد أن نكون جزءاً من العالم الحديث ومن المستقبل، ونريد في يوم آخر أن نكون دولة منغلقة تقارن نفسها بالماضي، وبدول عربية أخرى أقل تسامحا وانفتاحا، تسكت الشعب بهبات المال مقابل السكوت عن مطالب إصلاحية وحلم بحياة أفضل. وبالتأكيد، سترد الغالبية، وأنا واحدة منها، أنها تريد العيش في بلد آمن ومستقر، يؤمن بدولة قائمة على أسس المواطنة والحاكمية الرشيدة ومؤسسات مستقلة وإعلام يكشف الحقيقة، ويوفر المعلومات التي هي حق لدافعي الضرائب.
لكن لا أدري ما إذا كانت الغالبية تريد العيش في دولة منفتحة تتماشى مع القرن الواحد والعشرين أم منغلقة. لذلك، ربما آن الأوان لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية أن يستطلع آراء الناس حول شكل الأردن الذي نريد.
لا بد أيضا من أن يتسع صدر ما قد يصور لنا على أنه الغالبية المؤيدة لقرار تنفيذ الإعدام، لتحمل الآراء المخالفة، وإلاّ أصبحنا جميعاً مخلوقات تشبه بعضها بعضا، تعيش في دولة أحادية اللون لا تؤمن بالتعددية وبحق الاختلاف. فسهام الانتقادات طالت كل رأي مخالف، ولم يسلم منها حتى سفراء دول مانحة قرروا انتقاد القرار علانية، لأن ذلك موقف بلادهم من عقوبة الإعدام في أي دولة في العالم.
أدرك أن الحكومة قادرة على احتواء ردات فعل الغرب، خاصة أن حساسية الأردن لمسائل متعلقة بحقوق الإنسان وتراجع حرية الرأي والتعبير، لم تعد كما كانت عليه، وأن أميركا وأوروبا تقدر دور الأردن في بناء تحالف دولي عربي إسلامي لمحاربة الإرهاب والفكر المتطرف العابر للقارات، وهي مستعدة للتغاضي عن الكثير من التراجعات. لكن لنتذكر بأن خروج الأردن قوياً ومستقراً من انزلاقات "الربيع العربي"، مدعاة للتفكير بمنح مزيد من الحريات والخطوات الإصلاحية، بدلاً من العودة الى الوراء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى الكاتبة (نون)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    جميل ما كتبتي اسلوبك رائع لخصتي ما اردتي و اوجزتي وانا معك في كل ما قلتي
  • »الى كل منتقد (ابو زيد)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    الكاتبة الكريمة والمعلقين الأفاضل، من قتل والده وهو طفل او ابنه وهو شاب او عجوز وهو جد او امرأة وهي أم هل كان سيقبل بحبس المتهم فقط؟؟ ام ان النار ستشتعل في صدره ولن يعرف بعدها طعم الابتسامة ولا الحياة؟
    فقط يجب أن يمر كل منتقد لشرع الله في هذه التجربة وتأكدوا أن الجميع ان لن يطفأ نار غضبه الا القصاص.
    هل رأيتم ما حل بكل أسرة ضحية بعد تنفيذ القصاص؟ لقد تنفسوا ولأول مرة الصعداء وأطفأ الله قلوبهم من الغل والنار
    اما بخصوص موضوع هل القضاء عادل فلذلك هناك درجات من التحكيم قبل صدور القرار القطعي والذي ان كان هناك ولو شائبة واحدة لما أقرت العقوبة، كما أن المتهمين في تلك الأحكام إعترفوا ونفذوا جريمتهم أمام المدعي العام، لذلك لا داعي للحزن ، بل بالعكس فكل شخص يعرف الان انه ان تجاوز شرع الله فالقصاص بالمرصاد. وتحياتي للجميع
  • »بعيدا عن "تديين" الإعدام (اياد صالح)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    لا يجب كاتبتنا العزيزة أن توجهي النظرة لغقوبة الإعدام الى زاوية واحدة من حيث قسوة و "عدم انسانية" الإعدام!!!، لا يجب أن تتناسي الخبرات الإنسانية المتراكمة منذ أقدم العصور "قبل الإسلام" في التعامل مع جرائم القتل...من شريعة "حكورابي" التي تقول "العين بالعين" الى مختلف الشرائع والأديان التي كرمت الإنسان والروح الإنسانية حيث أشارت الخبرة التراكمية التي اكتسبها الجنس البشري الى أن شدة العقوبة تكفل إنضباط الأفراد وردعهم عن فعل المحظورات، بعيدا عن الأديان والحرب على الإرهاب التي للأسف تزجينها في معرض معارضتك للإعدام فعلم الإجتماع يقول ببساطة "من أمن العقاب أساء الأدب" وأي عقوبة يستحقها القاتل وتشفي غليل أهل القتيل؟!!غقوبة الإعدام بلا شك قاسية ولكنها ضرورية للردع وللسلم المدني، ومن هنا جاءت الآية الكريمة "ولكم في القصاص حياة": لأنه ورغم قساوة عقوبة الإعدام إلا أنها ترسل رسالة شديدة لأفراد المجتمع وقد تنقذ حياة الكثيرين دون أد ندري..
  • »التدهور (علاء المجالي)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2014.
    انا لست مع الإعدام لكل الأسباب التي ذكرتها و أضيف عليها ان مبدأ قتل القاتل هو مبدأ غير انساني و يضع المجتمع في نفس خانة القاتل.
    كان من القبيح ايضا ان يعدم ١١ من المحكومين قي يوم واحد.
    أية هيبة للقانون نتحدث عنها؟ ليس في القتل آية هيبة لأية احد. الأقبح ان يفهم الكثيرين ان هذا هو " الانتقام" ، هل من الحكمه ان ننشر مثل هكذا ثقافه و نعززها في المجتمع؟؟ ..
    كان من المؤلم ان اقرأ تعليقات الناس على مواقع التواصل الاحتماعي. هذه التعليقات تستحق من الكل ان يتوقف للحظه للتفكر. الفئه العمريه لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي لا تخفى على احد. نحن نتحدث عن "الشباب" ...عن المستقبل
    الى أين نحن ذاهبون اجتماعيا و انسانيا و ثقافيا و دينيا ؟؟ لغة الاكثرية اصبحت مؤشرا واضحا لمدى "التدهور" الانساني, الاخلاقي, المجتمعي و تدهور القيم و المبادىء لمجتمع يبدو انه بعيد كل البعد عن العالم الحديث و بعيد كل البعد عن "مستقبل افضل"..مجتمع بعيد كل البعد عن " النيه" لخلق مجتمع و مستقبل افضل. ما يحدث الان يتحمل مسؤوليته قيادات المجتمع و الاسر و التعليم و الاعلام و و انا و انت..

    شكرا لمقالك