إبراهيم غرايبة

الخروج من الدوامة اللعينة

تم نشره في الاثنين 29 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:07 صباحاً

تكرر القول، على سبيل الانتقاد والذم لتجربة "الإخوان المسلمين" السياسية، أنه لا خبرة لهم. وفي ذلك يؤكد خصوم "الإخوان"، من حيث لا يريدون، جانباً أساسياً في الصراع السياسي القائم في المنطقة اليوم؛ إنه في غالبه صراع بين من يملكون الخبرة والفرص ومن لا يملكونها. وتؤكد النخب في تكرارها هذه المقولة طبيعة الصراع والخطيئة التي تضع نفسها فيها؛ الشعور بالأفضلية والعجرفة المستمدة من هيمنتها على الفرص والموارد، والحقد على المحرومين، وكأن جريمة المحرومين أنهم كذلك، وكأن فضيلة النخب في التسلط والاحتكار والفساد.
ولا يخطئ المتابع العام للجماعات الإسلامية السياسية ملاحظة التحالف الاجتماعي القائم بينها وبين فئات اجتماعية واقتصادية مهمشة، في مواجهة الأوليغارشية المهيمنة. يبدو ذلك واضحاً في التحالف بين العرب السُنّة في سورية والعراق وجماعات "القاعدة"؛ من "النصرة" و"داعش" والإسلام السياسي بعامة، وبين العرب والطوارق مع "القاعدة" في مالي، وبين البشتون وطالبان في أفغانستان وباكستان. كما تمكن ملاحظة الظاهرة نفسها على مدى التاريخ الإسلامي في ثورات وحركات الزنج والخوارج والحرافيش والعيارين والصفارين والقرامطة. إذ كانت هذه الجماعات، على الدوام، تستلهم المصادر الإسلامية وجوانبها الاجتماعية والاحتجاجية، لتشكيل منظومة جامعة للناس، واكتساب الشرعية السياسية والدينية.
وقد أدهشني وأنا أطالع في أدب الخوارج أن كثيراً من عباراتهم وأشعارهم ومصطلحاتهم تمثل، أيضاً، نماذج وأمثلة تردد في صفوف "الإخوان" وخطابهم، من دون أن يلاحظوا على الأغلب أنها للخوارج. ذلك أنهم لا يفتأون ينتقدونهم ويتبرأون منهم، ولكنهم في استلهامهم التراث التاريخي والأدب العربي وجدوا أن أدب الخوارج أفضل ما يعبر عنهم.
ما أظهرته حوادث السنوات الأربع الماضية هو أن الطبقة "السوبر" التي هيمنت على الدولة والموارد والمجتمعات، وأورثت الفرص ووزعتها في عملية احتكار وإغلاق قاسية، لا تجد لها فرصة للبقاء والاستمرار إلا في حرب على المجتمعات والطبقات والناس، مهما كان الثمن، بل عدم الاكتفاء بالانتصار على الخصم الذي هو المستضعفون والمهمشون. فما حدث ويحدث عمليات إخضاع نفسية، وكسر لإرادات الشعوب والمجتمعات، وتنكيل بها وبضمائرها أيضاً، في استعادة حرفية شغوفة لما فعله الخليفة الأموي الأندلسي الحكم بن هشام مع الصناع المحتجين على الظلم والإهانة، عندما قتلهم وأحرق بيوتهم وصلب المئات منهم في شوارع قرطبة وأسواقها.
وبالطبع، فإن الكاتب لا يجد نفسه في صف الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي، فضلاً عن السلفيات المتطرفة. لكن يجب القول إن فئة واسعة من المجتمعات لا تجد نفسها في الصراع القائم بين فسطاطي الهيمنة والاحتكار أو الإسلام السياسي والعنف والتطرف، وأن الفسطاطين متفقان أو متواطئان على نحو ما على أن الديمقراطية مثل زائدة دودية يجب استئصالها. فالنخب تجدها خطراً على مصالحها، والمجتمعات لا تربط بها مصالحها وأولوياتها.
وتبدو الطبقات الوسطى اليوم غير معنيّة بما يدور، أو غير قادرة على التأثير في اللعبة، إن كان ثمة لعبة بالفعل؛ بمعنى صراع تنظمه قواعد وحدود ونتائج، فلا خيار أمام هذه الطبقات سوى الانسحاب بصمت أو التحالف مع النخب المهيمنة. وليس من مخرج من هذه الدوامة اللعينة سوى مشاركة واسعة لجميع الفئات الاجتماعية والاقتصادية، وفي توزيع عادل للفرص، ومؤسسات وبرامج خدماتية تستهدف جميع الناس على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم، ولا تدع محروماً واحداً من ثمار التنمية والإنفاق العام!

التعليق