ما الذي يمكن لشخصيتي "إبنزر سكروج" و"تايني تيم" إخبارنا به عن الاقتصاد

تم نشره في الثلاثاء 30 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً

ترجمة : ينال أبو زينة
ما هي الحاجة الضرورية للاقتصاد؟ كثيراً ما يبدو أن الهدف منه هو جعل العالم أكثر ثراءً.
عندما يتنامى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بشكل سريع، يبتهج العلماء المكتئبين؛ في ضوء أن قلقهم الوحيد ينبع من احتمالية تباطؤ النمو.
الوقت الراهن؛ هو الوقت المناسب للتفكير فيما إذا كان تعظيم الدخل ينبغي أن يناسب الجميع ويمثل الغاية النهائية للسياسة الاقتصادية حقاً أم لا.
ويعتبر بعض الأفراد أن الدخل الكبير غاية بحد ذاتها –مع الاستثناء الملحوظ لإبنزر سكروج، الشخصية الجشعة والشريرة في رواية "تشارلز ديكنز" القصيرة بعنوان "ترنيمة عيد الميلاد".
لكننا نشعر حقيقةً أن الدخل يساعدنا على مد يد العون لغيرنا حتى نمكنهم من قيادة معيشةً أكثر رخاءً.
وفي الواقع، يتمتع الأفراد، الذين يعيشون في الدول العشر الأغنى في العالم، متوسط عمر يفوق بـ25 عاماً متوسط عمر هؤلاء في الدول العشر الأكثر فقراً.
كما ويستطيع من يجنون مالا أكثر تحمل تكاليف تعليم أفضل، والتمتع بأنشطة ترفيهية أكثر تنوعاً وغذاء أكثر صحية، وهي أمور تحسن جميعها نوعية الحياة بطبيعتها.
ومع ذلك كله، ليس الدخل الشيء الوحيد المهم حقيقة؛ استخدمت ورقة بحثية قام عليه "ويليام إيستري"، من جامعة نيويورك، في العام 1999 بيانات تعود إلى فترة ما بين العام 1960 إلى العام 1990 للتعرف على مدى قرب العلاقة بين النمو الاقتصادي وبين 81 مؤشراً مختلفاً لنوعية الحياة.
وتبين أنه تجاوز 32 من المؤشرات الأخرى (مثل التغيرات التكنولوجية وتغيير العادات الاجتماعية) في الأهمية.
 بينما وجدت دراسة استقصائية أجريت على 43 دولةً، ونُشرت في 30 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الحالي، أن الأفراد في الأسواق الناشئة يتوسطون موقعاً ضئيلاً جداً للتعبير عن نفس مستوى الرضا عن حياتهم كهؤلاء في الدول الغنية.
إذا ما كان الدخل مفوض غير متكامل لنوعية الحياة، هل هناك أي بدائل معقولة له؟
في السنوات الأخيرة ركز الكثير من الناس على السعادة بدلاً من الدخل وقد قامت الأمم المتحدة على هذا الأساس بإصدار "تقرير السعادة العالمي" السنوي منذ العام 2012.
وتقيس الحكومة البريطانية "الرفاه الشخصي للأفراد" ضمن حدودها على أساس سنوي أيضاً ولكن لعنصر السعادة عيوبه الخاصة به، وفقاً لما صرحت به "مارثا نوسباوم" من جامعة شيكاغو.
 في حين أن سكروج وجد أمر إحصاء ثروته سهلاً، تبقى السعادة أمراً أصعب من حيث إدراك مدى استمرارها يبقى الأفراد عرضة لما يسميه الفلاسفة "التفضيلات القابلة للتكيف"، بمعنى أنهم قد يفشلون في الإخبار عن سعادتهم "الحقيقية".
ينبغي ألا يكون تايني تيم كراتشيت، البطل القديس المزعج في رواية "ترنمية عيد الميلاد"، بواقع الحال سعيداً: فهو مشلول وفقير إلى حد كبير.
 وبالنسبة إلى سكروج فهو، على الرغم من ثراءه الفاحش وصحته الجيدة (إذا ما وضعنا هلوسات عيد الميلاد جانباً)، شخصية بائسة جداً.
ولكن، وعلى الرغم من ذلك، يبدو من الغريب أن ننتهي إلى أن "تيم الصغير، أو تايني تيم " أفضل حالاً.
إذا كان قياس السعادة أمرٌ صعبٌ جداً، فما الذي يستطيع الاقتصاديون النظر إليه غير ذلك؟
يشدد أمارتيا سن، من جامعة هارفارد، على أن "القدرات" هي الطريق التي يجب على الاقتصاديين أن يسلكوه.
ويعد تعريف "القدرة" صعب غامض بعض الشيء: ولكن في أبسط ما يكون، فالقدرة هي شيء يعطي الأفراد سبباً لتقييمه وتقديره. وليس لقائمة القدرات المحتملة  نهاية بواقع الحال: فهي فرصة عيش حياة طويلة وصحية، وحرية المشاركة في الحياة السياسية أو قد ترتسم ببساطة في التغذية الجيدة.
والقدارت أيضاً، كما يقول سن، هي النهايات التي يتوجب على الاقتصاديين السعي جاهدين لتحقيق أكبر قدر منها: وليس الدخل أكثر من مجرد أحد الوسائل العديدة التي تمكننا من الوصول إلى هناك.
وهذا إنما يطرح سؤال؛ أي القدرات هي التي ينبغي على المجتمع تعظيمها؟ يقلق البعض من أن يكون نهج القدرة أبوياً بشكل عميق، خاصة في سياق تقرير الحكومات ما هو الأفضل لمواطنيها.
وقد عزز كبار المنظرين هذا التصور: حيث تذهب نوسباوم بعيداً إلى درجة أنها أوصت بـ"10 قدرات مركزية" تعد، وفقاً لرأيها، ضرورية لحياة جيدة.
وبالنسبة للاقتصاديين، الذين يميلون إلى أن كونهم عشاقا للحرية، فهذه الأمور مثيرة للجدل.
ولكن ربما يكون نهج القدرة أقل ليبراليةً مما يبدو عليه والإصرار على أن الناتج المحلي الإجمالي هو المقياس الحقيقي للتقدم الاقتصادي هو أمر في حد ذاته حكم للقيمة.
 والأكثر من ذلك، وفقاً للسيد سن والسيدة نوسباوم، هو أن يتمتع الأفراد بحرية تحديد القدرات التي  يريدون تتبعها في نهاية المطاف، فلحرية الاختيار آثارها على رفاه المرء؛ في حال أتاحت للناس فرصاً لائقة، يصبح ما يختارونه في نهاية المطاف أقل أهمية.
والشخص الذي يختار التخلي عن عشاء عيد الميلاد مع العائلة والأصدقاء (كما يفعل سكروج) أفضل حالاً من شخص لم يتلق  أساساً دعوة ليرفضها، وذلك على الرغم من أن كلا الشخصين يبدوان وأنهما سينتهيان إلى الوضع نفسه.
لا يحتاج الجميع لارتياد عشاء عيد الميلاد، على الرغم من أن العديد منهم يجنون الكثير منه.
الحياة والحرية والسعي لتحقيق قدرات
قد يكون قياس القدرات حتى أكثر صعوبة من قياس الناتج المحلي الإجمالي أو السعادة؛ مع ذلك، هناك بعض الوسائل اللائقة للقيام بالأمر.
 ربما توفر دولة ذات متوسط أعمار مرتفع لمواطنيها أشياءً مثل الرعاية الصحية الجيدة، بينما تساعد في حمايتهم من التلوث، ما يسهل عليهم أن يعيشوا حياةً أطول وصحية أكثر.
أما في دولة لا تأبه بتعليم الفتيات، ولا تعطيهن كافة الحقوق الطبيعية كالذكور، فهي لا بد أن  تفشل في أن تقدم لهن الفرصة في المشاركة الكاملة في الحياة المدنية.
بعض مقاييس النجاح الاقتصادي تستخدم البيانات من هذا النوع إذ لا يأخذ مؤشر التنمية البشرية، الذي ساعد السيد سن في وضعه خلال العام 1990، بالاعتبار الدخل فقط، إنما متوسط العمر والتعليم بوصفها عناصر التنمية والتطور (بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، تعد النرويج سادس أغنى دولة في العالم، ولكن وفقاً لمؤشر التنمية البشرية، فسكانها الأفضل في العالم).
في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) الحالي، أصدرت الأمم المتحدة أحدث نسخة من "مؤشر الثروة الشاملة" الذي يضع القيمة بالدولار على الأشياء كالتعليم والصحة.
على الرغم مما سبق، ليس رفع القدرات أسهل بأي شكل من الأشكال من زيادة الدخل؛ فعلى سبيل المثال، ما تزال مملكة بوتان، حيث قاد المفهوم سياسة الحكومة، لا تقبع في مرتبة جيدة جداً في مؤشر التنمية البشرية.
وعلاوة على ذلك، ولد نهج القدرة العديد من المقاييس، بعضها أكثر تعقيداً من أخير الذكر، إلى حد أن أصبح الناتج المحلي الإجمالي يبدو جذاباً مرة أخرى.
هل هناك رقم آخر يمكن أن يقدم تقديراً تقريبياً لائقاً لنوعية الحياة؟ حتى سكروج استطاع أن يدرك، في نهاية "ترنيمة عيد الميلاد"، أن هناك المزيد في الحياة من مجرد ناتج محلي إجمالي.
"الإيكونوميست"

comp.news@alghad.jo

 

التعليق