في ذكرى مولد الحبيب صلى الله عليه وسلم

تم نشره في الجمعة 2 كانون الثاني / يناير 2015. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

هي الحياة نعيشها مرة واحدة، وليست هناك فرصة أخرى لنعود بعد أن نعايش الحقيقة؛ حقيقة البعث، والحساب والثواب أو العقاب. هي حياة واحدة شاء الله سبحانه لها أن تكون اختبارا للناس؛ من يصبر على الطريق ويؤدي دوره ويضحي ويكون صاحب مبدأ ورسالة، ومن المعرض والمقصر والبليد الذي لا يرى أبعد من أنفه، عرف الحقيقة وتنكبها، ورضي بالدون، حيث نعيم الدنيا الذي لا يعدل عند الله شيئا، فلموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، كما قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم.
أحببت البدء بهذه المقدمة كوننا على أعتاب عام جديد. ويحسن ونحن في دائرة الزمن أن ننبه إلى أهمية الوقت. فها هي الأيام والأعوام تمر مسرعة، وكل منا يدنو من أجله. فالإنسان عبارة عن أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضه، والسعيد من أثقل موازينه بالعمل الصالح، ومن استعد لآخرته، ومن أدى واجبه الدنيوي، حملا للأمانة وعبادة خالصة لله تعالى وقياما بشأن خلافة الأرض. فهو لم يُخلق عبثا، وحاشاه سبحانه أن تكون العبثية موجودة عنده: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ" (المؤمنون، الآية 115).
ومن هنا، فالمؤمن وحده هو الذي يحرص على وقته، ويحرص على أعماله. ومن قبل الأعمال النيات؛ أن تكون حياته كلها خالصة لله تعالى: "قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الأنعام، الآية 162)، بأن يكون منغمسا في شأنه كله في طاعة الله ورضوانه، فهمّه لله، وعمله وأمنياته وهواه كله لله وفق منهجه.
سعيد هذا الذي جعل همّه تفقد عمله من جهة، وتفقد أمته من جهة أخرى؛ فهو كبير بكبر المسؤولية، عظيم بعظم هذا الدين الذي يحمله ويعيش من أجله. وفي المقابل، فإنه لا يرضى لنفسه الدون، ويربأ بنفسه أن يكون صغيرا لا هم له إلا مصالحه الشخصية وحياته الدنيا. ومن هنا يعلمنا صلى الله عليه وسلم كيف نكون سادة في الدنيا والآخرة، حين نكون صالحين مصلحين، وحين نهتم بأمور المسلمين، بعيدا عن الأنانية الذاتية والأفق الضيق.
نعيش ذكرى مولد الحبيب محمد، صلى الله عليه وسلم، معلنين حبنا لرسول الله. وهنا محطات لا بد من الوقوف عندها في مثل هذه المناسبة. وأبدأ بأنها ذكرى وليست عيدا، والحياة كلها عبر ينبغي أن نتعلم منها. ولعل خير ما نعبر به عن مشاعرنا تجاه الحبيب صلى الله عليه وسلم، أن نستشعر لو أنه موجود بيننا، لو أنه ضيفك هذا المساء، وسيطرق بابك ويفاجئك بزيارة، فماذا أنت فاعل تجاهه؟ قطعا سيكون الحياء منه، وأننا مقصرون مع دين الله، وأننا ربما منغمسون في دنيانا بعيدون عن منهج الله.
نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ينبغي أن نعرف أن الحب اتباع وليس ادعاء: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (آل عمران، الآية 31). ولا أظن أحدا من المسلمين لا يحب رسول الله، ولكن مرة أخرى هل نحن على خطاه؟ هل تحققت الطاعة التي أُمِرنا بها؟ وهل كان الاتباع ولو في الطريق العام لمنهجه، بأن نكون مسلمين حقا، ولاؤنا للإسلام وعملنا للإسلام وهمّنا هو الإسلام؟
حين أتذكر العظماء من الصحابة، فإن ما ميّزهم عن غيرهم ليس كثرة عبادة (مع أهمية العبادة)، ولكنه ولاؤهم لله ورسوله والمؤمنين؛ الولاء الذي قادهم إلى حب حقيقي لله ورسوله والإسلام الذي دعاهم إلى أن يضحوا بكل شيء في سبيل الله تعالى.
ما الذي ميّز أبا بكر ليعدل إيمانه إيمان الأمة كلها؟ وما الذي جعل عرش الرحمن يهتز لموت سعد بن معاذ؟ وما الذي ميّز مصعب بن عمير ليكفنه النبي بنفسه ويبكي عند رأسه؟ وما الذي جعل أبا عبيدة أمينا لهذه الأمة؟ ولماذا كان عمر فاروقا؟ ولماذا تستحي الملائكة من عثمان؟.. وهكذا.
وفي ذكراه، نتذكر تضحياته صلى الله عليه وسلم، وكيف علّمنا الأخذ بالأسباب رغم توكله على الله؛ في دعوته وحركته وهجرته وغزواته ومراسلاته. وعلينا أن نسير على الطريق بثقة، بلا تردد ولا تنازل.
وفي ذكراه نتذكر أخلاقه عامة، ابتداء بالرحمة والرفق وانتهاء بشجاعته وشدة بأسه على أعداء الله وغيرته على حرمات الله، فمن الظلم أن نتحدث عن جزء من شخصيته ونترك أجزاء.
وفي ذكراه، نتذكر ما بشرنا به من انتصار لهذا الدين وانتشار له في الأرض كلها، ليكون هذا حاديا لنا في ظلمات هذه الدنيا وفتنها وتقلباتها. فالأيام دول، والحق أبلج، ولا بد أن نأخذ بأسباب العزة من جديد. ومن مبشراته صلى الله عليه وسلم أن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها. ولا بد أن نغلِّب الأمل على الألم، وأن نجعل مع الأمل شيئا من العمل، كي لا نبقى في دائرة العواطف والتنظير، فالله ناصر من نصر دينه ومنهجه: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ" (الحج، الآية 40)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (محمد، الآية 7).
ونعيش في ذكراه واقع الدعوة والمسؤولية والرحمة. وسبحان من قدّم الرحمة في كتابه أولا عند قراءتنا للفاتحة، وحين جعل من آكد صفات الحبيب صلى الله عليه وسلم: "بالمؤمنين رؤوف رحيم"، وقّدم الرحمة على العلم -وهي رسالة للعلماء والدعاة: "فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا" (الكهف، الآية 65). فلا بد من الرحمة والشعور بها قبل العلم، لأن الدين في أساسه رحمة، والمسلمون مطالبون بإظهار هذه الرحمة، وفي المقابل لا نلين مع الكفر والظلم، فالدين منظومة كاملة وشريعة تامة، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض كما فعلت يهود.
في ذكراه صلى الله عليه وسلم، نحيي أخلاقا لطالما نسيناها. وأخص الوفاء، فهو من آكد صفات العظماء؛ الوفاء مع الله وشكره والقيام بعهده، ومع النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بمنهجه، ومع الأمة التي تستصرخ أبناءها ليسهموا في صحوتها ونهضتها، ومع مقدساتنا، خاصة "الأقصى" الذي يئن ولا يسمع أنينه إلا الملتزمون الذين يستشعرون مسؤولياتهم.
نحن على العهد يا رسول الله، لا نبدل المنهج ولا نتقاعس عن المسؤولية، وندعوه سبحانه أن يثبتنا ويهدينا سواء السبيل.

*أكاديمي أردني

التعليق