المؤسسة الدينية وقيم الدول والمجتمعات

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الثاني / يناير 2015. 01:05 صباحاً

درج الخطاب الديني على تقديم نفسه من خلال مؤسسات علمية ومذهبية، تقدم للأفراد والمجتمعات، ثم الدول، دليلاً لفهم الدين وتطبيقه. إلا أن هذه المؤسسات انقرضت في العالم السُنّي، لتحل محلها وزارات ومؤسسات حكومية؛ ملأت الفراغ المؤسسي بكفاءة، لكنها لم تقدر أن تحصل على الثقة الكافية لاتباعها علمياً وتطبيقياً. واليوم، في ظل الحالة الدينية السائدة، فإن المجتمعات والأفراد يمضون في موجة اتباع مشغول بكل ما هو ديني في الكتب والفضائيات والمساجد. ثم لحقت السلطات بالمجتمعات والأفراد محاولة مجاراتهم، لتتحول هي الأخرى إلى دول دينية أكثر من أي مرحلة تاريخية، حتى تلك الموصوفة بأنها تمثل زمناً دينياً جميلاً ونقياً.
في ظل هذا اليقين الديني الكاسح، والقائم على مصادر وأخبار ظنية متناقضة ومتعددة، نشأت سوق دينية مزدهرة، يقودها العرض والطلب، والمزايدة. ولم يعد أحد، حتى أهل السلطة، قادراً على تحدي فكرة دينية أو مناقشتها، وصارت أي فكرة "دينية" سيفاً مسلطاً على الناس، لا يمكن ردّها حتى لو لم يكن لها أصل في الدين.
وفي ذلك يلحق ضرر كبير بالبعد الروحي للدين، وبقيم الدولة والمجتمعات المفترض أن تنشئ حياتها وأفكارها بناء على ما تحب أن تكون حياتها ومصالحها عليه. ففي فهم الدين وتطبيقه، على ذلك النحو، يتحول البشري (الفهم والتطبيق) إلى دين؛ فيُنسى الدين الأصلي، بما هو النص الذي نزل من السماء، لتحل محله "شريعة" يقدمها رجال الدين والدولة، وفق تقديراتهم ومصالحهم ومواقفهم السياسية. ويفقد التدين بعده الروحي المستقل والنزيه الذي يرتقي بالإنسان، ويمنحه السلام والرضا، ويلتبس على الناس الدّين بغيره، وتكون سلطة فئة من الناس على الدين والناس أكثر من الدين نفسه، ويتحول رجال الدين إلى وسطاء لم يأذن الله لهم بين المتدين وبين الله.
الدين ابتداء لا يحتاج في فهمه وتطبيقه إلى وساطة ومساعدة من أحد؛ فالأصل أنه يخاطب الناس فرادى، وهم يتحملون فردياً مسؤولية اعتقادهم الديني، ولا يفيدهم في العلاقة مع الخالق تدخل بشري في الفهم والاعتقاد والتطبيق.
والقيم الحاكمة للحياة تنشئها الدول والجماعات والأمم بناء على ثلاثة مبادئ رئيسة، تشترك فيها جميع الأديان والأمم والحضارات الإنسانية: الحق، بما هو التمييز بين الخطأ والصواب. والخير، بما هو التمييز بين الضار والمفيد أو تقدير المصالح. والجمال، بما هو التمييز بين القبيح والحسن. وبذلك تتشكل الفلسفة والأخلاق والقيم والثقافة والفنون والقوانين والتشريعات والعلاقات، وتظل في مراجعة وتطوير دائمين، وفق تقدير الحق والخير والجمال، وتفاعلها المتواصل مع موارد الدول والمجتمعات وتجاربها وقدرتها على استيعاب ما تقتضيه هذه التجارب، ثم إبداع مستمر ومتواصل لرؤى وتقديرات جديدة للحق والخير والجمال. ويتحول هذا الإبداع فوراً إلى منتج تاريخي، يخضع مرة أخرى للمراجعة والجدل والاستيعاب، لأجل إبداع حالة جديدة.. وهكذا في عمليات أبدية لا تتوقف. وهذا الجدل لا يمكن أن تحكمه فتاوى وتعليمات دينية، أو تديره فئة واحدة من المجتمع أو الناس، وإنما شبكة من الجدل والعلاقات تنهض بها جميع الفئات.

التعليق