إبراهيم غرايبة

أن ننتمي إلى العالم وأن يتقبلنا

تم نشره في الاثنين 19 كانون الثاني / يناير 2015. 01:07 صباحاً

يمكن النظر إلى مسألة المجلة الفرنسية "تشارلي إيبدو" والاعتداء عليها، على أنها أزمة فرنسية تخص الفرنسيين: الصراع بين الرفض والاندماج؛ المهمشون الذين يحاولون أن يكونوا جزءا من العالم المحيط بهم، ومركز العالم الذي يرفض الهامش ويصرّ على تهميشه. ولكن، يمكن اقتباس الحالة لنلاحظ الانتماء والمشاركة في المشهد الكلي للمجتمعات والدول.. والعالم أيضا. فالمسألة كلها، سواء في الإرهاب أو الموازنة السنوية أو الانتخابات أو بناء الطرق والجسور أو الانتحار.. هي السعي الدؤوب للانتماء إلى العالم، والسعي المقابل لرفض الانتماء. ثمة رسالة تطرق أبواب العالم كل يوم ملايين المرات: نريد أن نكون جزءا من العالم وأن يتقبلنا.
قرأت في هذا المنخفض الثلجي رواية "الخلود" لميلان كونديرا للمرة الثالثة. كانت المرة الثانية قبل ذلك بشهر وأنا راقد في مستشفى الجامعة الأردنية، وكان الجو ماطرا أيضا؛ كأن الماء بما هو الحياة يذكرنا بإلحاح بالمعنى والجدوى! وقد تعلمت من كونديرا في المرة الثالثة فكرة جديدة مؤثرة في حياتي وفي تفسير الظواهر والأحداث. وبالطبع، فإن الفكرة ينتجها القارئ ويعيد إنتاجها على نحو لا يفطن إليه المؤلف (ربما)، وإن بقي صاحب الفضل؛ إنه يغير حياتك ونظرتك إلى الحياة والأمور كلها. إن كونديرا نفسه مهاجر إلى فرنسا من تشيكيا، وظل يكتب بعد هجرته عن بلده الأصلي. وربما كانت "الخلود" هي الرواية الفرنسية الأولى لكونديرا، بعد عشر سنوات أو أكثر من هجرته إليها. وقد يبدو مفيدا لنا أن نرقب تجربته في أن يكون فرنسيا. ولكنها درس عظيم ومؤثر لكل إنسان وكل مجتمع وللعالم كله أيضا؛ كيف نعيش في هذا العالم؟ وكيف نراه؟ وكيف يرانا؟
في مشهد حواري في الرواية بين كونديرا وصديقه افيناريوس، يحاولان تفسير الانتحار، تعليقا على حدث في الرواية عندما ألقت فتاة بنفسها في الطريق السريع أمام السيارات. يقول كونديرا: لم يعد يربطها بالعالم شيء، لم تعد جزءا منه تحس به أو يحس بها... المشهد المعقد أنه في تلك اللحظة بالتحديد عبرت إنييس بسيارتها!
إنييس كانت تخطط للاعتزال، وترى أنه لا ملجأ من هذا العالم سوى الحب أو الدير، ويبدو أن كليهما لم يعودا موجودين في هذا العالم. وفي تلك اللحظة المشحونة بالتداعيات والذكريات والتحولات، وجدت نفسها في مواجهة فتاة وقفت في وسط الشارع فاردة يديها، مؤملة أن تسحقها واحدة من السيارات المسرعة. وحاولت إنييس تفادي الفتاة، لكن سيارتها انحرفت عن الطريق.. ماتت إنييس وعاشت الفتاة!
لم يقل كونديرا إن إنييس كانت تفكر في الانتحار؛ كانت تبدو راضية بعزلتها، وتخطط لها جيدا، وتملك من المال ما يساعدها على شراء بيت في قرية سويسرية، وتمضية بقية حياتها هناك. لكن كونديرا أراد أن تموت إنييس وتعيش الفتاة الصغيرة اليائسة، كأن إنييس انتحرت بالفعل في فقدانها القدرة على الاهتمام بالعالم. وربما كانت الفتاة تبعث رسالة إلى العالم: أريد أن أكون جزءا منك تتقبلني كما أتقبلك؛ أحب أن أنتمي إلى العالم، لكن يجب على العالم أن يتقبل انتمائي ومشاركتي. هل نتحدث عن الإرهاب؟ هل يبعث الإرهابيون رسالة الهامش إلى المركز في العالم؟ هل يقولون: نريد أن نكون جزءا من العالم؟ هل يقول المركز للمهمشين: إن الهامش هو قدركم ويجب أن تظلوا هناك؟ وأنه كما يقول أمل دنقل: خلف كلّ قيصر يموت: قيصر جديد! وخلف كلّ ثائر يموت: أحزان بلا جدوى.. ودمعة سدى!

التعليق