ومرة أخرى.. الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم

تم نشره في الجمعة 23 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

ندرك جيدا حجم الكراهية التي يكنها الغرب على وجه التحديد لرسول الرحمة، صلى الله عليه وسلم. وليس هذا بالأمر الجديد؛ فمنذ اللحظة التي أعلن فيها نبوته ورسالته للناس، وأنه رسول الله، ودعاهم إلى التوحيد، كان العداء العلني والسري. فهو تاريخ مليء بالأحداث التي سببها الكِبر أحيانا، والحسد أحيانا أخرى، والبقاء على الشرك والشهوات من جهة ثالثة، وهكذا. فالمشركون تعجبوا من جعل الآلهة إلها واحدا، واليهود حسدوا العرب وكيف يكون النبي المرتقب منهم، وأوصافه موجودة في كتابهم. كل أولئك وغيرهم جالتهم الشياطين. ولا ننسى مقولة حُيي بن أخطب لأخيه وقد ذهبا للتأكد من علامة النبوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ يسأله أخوه: أهو هو؟ فيقول: نعم. ويسأله ثانية: فما العمل؟ فيجيب حيي بن أخطب: عداوته ما حييت. وهو الجواب المتوقَّع من غير حيي؛ من يهود ومشركين وسواهم.
ندرك أن العداوة قديمة، وأشدهم عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا. ولا يعني النص القرآني أن غير هؤلاء ليسوا أعداء، بل عداوتهم أقل، لكن الجامع بينهم أنهم أعداء. وهذه حقيقة أيضا أخبرنا القرآن عنها، ودل التاريخ بمجرياته عليها. ولا يريد هؤلاء للخير أن ينتشر، ولا يريدون للتوحيد أن يسود.
فالله عز وجل خلقنا لعبادته، ونحن في هذه الدنيا مستخلفون ووجودنا مؤقَّت. ولا بد لنا من تبليغ وأداء رسالة الحق؛ أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأن نكون في أعلى درجات الأخلاق في تعاملنا مع أنفسنا وغيرنا، في تكريم كامل للإنسان. لكن تأبى النفوس الشيطانية توحيد الله وعبادته، وتشوّش على الناس سماع الحق. وهكذا الحياة في صراع مستمر منذ أعلن إبليس عداوته، وأمهله الله تعالى إلى يوم الدين. وهي فتنة وامتحان لنا جميعا في اتباعنا للحق وصبرنا عليه، وتضحيتنا من أجل الله تعالى.
وقد توالت حلقات الصراع؛ فكانت الحروب الصليبية، وكان الاستعمار الحديث، مع التصميم على أن لا تقوم للمسلمين قائمة. إذ واكب الاستعمار الحديث غزو ثقافي وآخر أخلاقي، وكان هناك إصرار على أن لا يكون للمسلمين كيان حقيقي ينطلقون منه؛ فتقسم العالم الإسلامي إلى دويلات، لا رابط بينها إلا مصالح سطحية لا تسمن ولا تغني من جوع، رغم وجود جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، إذ هما صور لا أكثر، والحروب مستمرة حتى بين هذه الدول، والسيطرة العامة والتوجيه بأيدي المستعمِرين. مع هذا كله، فإن نور الله تعالى لا يمكن أن يُطفَأ.
وقد انتشر الوعي الإسلامي، وتحرر المسلمون من كثير من المفاهيم المُكبِّلة لهم، وتطلعوا للحرية، وامتدت جسور من التعاون بينهم وبين العالم. كما انتشر المسلمون أنفسهم في شتى أقطار العالم، طلبة ومهاجرين، وانتشر معهم الإسلام بصورة سلمية رائعة. فهو دين الفطرة والمحبة، مشكلته أن كثيرين لم يفهموه، وأن العداوة التي أطلقها المتعصِّبون من أعدائه لم تفلح في ثني هؤلاء عن استخدام عقولهم، والتي من خلالها أدرك كثيرون الحقيقة، ودخل عدد كبير من الناس من الغرب في الإسلام. وهناك دراسات علمية تثبت أن أوروبا قد شاخت، وأن نمو السكان فيها نسبته قليلة جدا. إذ هناك عزوف عن الزواج؛ فلا يريدون تحمّل المسؤولية. وإن تم الزواج، فلا يريدون الإنجاب. وإن تم الإنجاب، فهو بعدد قليل لا يؤهل لاستمرار النمو الطبيعي للمجتمعات.. الأمر الذي لا نجده عند غالبية المسلمين الذين يزداد عددهم بشكل مطرد. فهناك المواليد، وهناك الهجرة، وهناك الأهم المتمثل في تحوّل عدد كبير من ديانته إلى الإسلام. مما يعني أن القارة الأوروبية ستصبح إسلامية يوما ما، سلما لا حربا. وهذا ما نبّه إليه الإعلام وحذّر منه، فكانت مسرحية الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. وظهرت عدة أفلام قصيرة تصوّر أوروبا وهي مسلمة، فكان التحذير من الهجرة. وتمت عدة تمثيليات لتفجيرات هنا وهناك، الهدف منها كلها إيقاف المد الإٍسلامي.
وكان ضمن هذه الهجمة ذاك الاستهتار بنبي الإسلام والرحمة صلى الله عليه وسلم. وهبّ المسلمون عالميا، وكانت المظاهرات والمقاطعة. إلا أن القوم لا يفقهون مثل هذه الانتقادات، لأنهم ظنوا أنها الحرية الفكرية؛ فهم يتكلمون حتى على دياناتهم. ولم يفلح الساسة ولا الحكماء في ترسيخ ضرورة أن يكون الاحترام بين الشعوب، وضرورة تجنب الرموز الدينية في السخرية. إذ كانت هناك محاولات وتشريعات عالمية، لكن مع ذلك استمر مسلسل الاستهزاء بالإسلام خصوصا، وبالنبي على وجه أخص، فهم يعلمون مكانته في نفوس المسلمين جميعا.
هناك عتب شديد على الحكومات الإسلامية بأنها تخوض في هذا الموضوع على استحياء وخجل. ولو كان المستهدف زعيما عربيا لانتفضت وهبت، أما وأنه رسول الله أو القرآن فالأمر لا يعني كثيرين! ولا نبحث عن الشر ولا الحلول العنيفة، بل كل الذي نرجوه من الرسميين أن يستخدموا قنواتهم السياسية، وأن لا يناقض هؤلاء مبادئهم في الحرية، فالحرية ليست مطلقة. ومن الحرية أن يسمح هؤلاء بوجود الإسلام بينهم ولا ينزعجوا منه، وأن لا تكون المعارضة لوجود الحريات حتى في عالمنا العربي؛ فهؤلاء يكيلون بمكيالين حين يسمحون بالديمقراطية -مثلا- في بلدانهم، ويحرّمونها على المسلمين في بلادهم حين تأتي بمخلصين ملتزمين! فهذه الازدواجية محرقة لكل قيم الغرب الزائفة.
نعلم حقيقة أن أيدي اليهود ليست بعيدة عن كثير مما يجري هنا وهناك، فهم الموقدون للحرب والله يطفئها: "... كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا..." (المائدة، الآية 64)، وهم الذين يريدون إفساد أي علاقة إيجابية للمسلمين حتى مع حكامهم داخل القطر الإسلامي نفسه، فلا يهدأ لهم بال ما دام هناك خير وحق. ولكن خابوا وخسروا؛ فالمستقبل للإسلام وهو وعد الله تعالى، ولا بد للباطل أن يُزهَق، وللحق أن ينجلي ويظهر. وكل الذي نريده من الحكام المسلمين
هو وقفة مع نبيهم، ومصالحة مع شعوبهم. أما الغرب، فهو متخبِّط لا يعلم مستقبله الاقتصادي ولا الاجتماعي، ولا يدرك أن الإسلام روح تسري وهو مُتَقَبَّل بين شعوبه، فما جريمة الإسلام إذا كانت الشعوب نفسها تريده؟

*أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل يعمل باخلاقه (حلا)

    الخميس 29 كانون الثاني / يناير 2015.
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد اشرف الخلق والمرسلين بابي انت وامي يا رسول الله ندافع عنه عندما نتحلى بالاخلاق الحميدة والمثل يقول القافلة تسير يعني نحن باخلاقنا الحميدة نرد عليهم هم يسبون رسولنا ونحن نحب ونمدح جيع الرسل بارك الله فيكم يا دكتور