مفهوم جديد للفقر

تم نشره في الأحد 25 كانون الثاني / يناير 2015. 12:00 صباحاً

حسني عايش*

يوجد فرق هائل بين ما كان عليه الأردن في الأمس القريب وبين ما هو كائن عليه اليوم، ولكن كثيراً من السياسيين والمعلقين والكتاب والإعلاميين له ينكرون، ربما لأنهم رافقوا هذا الفرق وألفوه، فصاروا به لا يشعرون ولنصف الكأس الممتلئ لا ينظرون.
قارن الأردن كما هو عليه الآن بما كان عليه ليس قبل خمسين عاماً بل قبل خمسة وعشرين عاماً، تجد أنه ما من قرية أو بادية فيه بدون طريق معبد إليها يربطها ببقية المملكة والإقليم والعالم، أو بلا مدرسة وبريد وهاتف، أو بلا ماء وكهرباء، وثلاجة وغسالة وفرن غاز.. وتلفزيون وخلويات في كل بيت.
كما لا يوجد قضاء أو لواء بدون مركز صحي أو ثقافي أو رياضي، أو محافظة بدون مستشفى أو كلية أو جامعة، أو سوق للمؤسسة الاستهلاكية المدنية أو العسكرية، وشوارع مضاءة ليلاً من العاصمة إلى المطار، ومن العاصمة إلى إربد، ومن العاصمة إلى البحر الميت.. وقلما تجد شخصاً - أو حتى طفلاً - بدون هاتف خلوي وإنترنت، أو أسرة بدون سيارة، نجح تخلف النقل العام في جعلها ضرورية.
والأردني (ملخوم) من كثرة السلع وتنوعها على أرفف الحوانيت والأسواق والمولات، فمن أجل خاطره يستوردون له التفاح والعصير وحتى طبيخ البندورة من أميركا، والليمون والأناناس من جنوب افريقيا.. واللحوم من رومانيا وأستراليا والأرجنتين. والثوم من الصين والبصل من الهند... 
ثم انظر في إعلانات الوفاة تجد أنه ما من أسرة إلا وبعض أبنائها وبناتها وربما جميعهم دكاترة وأطباء وطبيبات وصيادلة وصيدلانيات ومهندسون ومهندسات.. فما بالك إذا أضفنا إلى ذلك التأمين الصحي شبه الشامل، والضمان الاجتماعي الساعي لتغطية الجميع.
عندما حررت الحكومة أسعار المشتقات النفطية زاد إقبال الناس على شراء السيارات. وعندما أعلنت عن تعويض الفقراء جراء هذا التحرير اعتبر كثير من الناس أنفسهم فقراء يستحقون التعويض.
وإذا أردت المزيد من الأمثلة فانظر كيف اتسعت عمان لتضم أكثر من مائة ضاحية مزينة بعمران لا مثيل له في العالم، وكيف تحولت بقية قرى الأردن ومدنه إلى ورشة بناء وتطوير يميزها بعدم وجود عشوائيات (Slums) من أي حجم. كما هو الحال في معظم عواصم العالم بما في ذلك العالم المتقدم. وطالع إعلانات الصحف والمواقع الإلكترونية تندهش من السياحة الخارجية اليومية للأردنيين إلى مختلف أقاليم الأرض وأصقاعها.
إن البنية التحتية في الأردن وخاصة الطرق الخارجية والخدمات الشاملة في القرى والبادية أفضل منها في أغنى البلدان العربية؛ حيث لا تتجاوز العاصمة هناك، كما أنها تضاهي أفضل البنايات في العالم، فلماذا لا نرى نصف الكأس الممتلئ؟
في تفسير ذلك يرى بعض علماء النفس مثل دانيال كانمن الحائز على جائزة نوبل (Thinking Fast and slow ,2011) أن العقل البشري - كما يبدو - مبني على التركيز أو على الانتباه لما هو سلبي أو سيئ أكثر منه على ما هو إيجابي أو جيد ". (Bad is Stronger than good).
وأقرب مثال عليه عندنا الهجوم الشديد على الأمين والأمانة عندما قررت تطوير الدوار السابع ووضع إشارات مرور فيه. ولما تبين أن البديل أفضل سكت المهاجمون ولم يشد أحد منهم بما تم. أما الدليل على صحة ما كشف عنه كانمن فيتجلى في الدرس الأول لطلبة الصحافة والإعلام حين يدهشهم الأستاذ بقوله: لو جاء صحفي بخبر إلى جريدته أن كلباً عض رجلاً لما كان للخبر أي وقع أو قيمة، لأن الكلاب تعض الناس كل يوم. أما لو كان الخبر بالعكس أن رجلاً عض كلباً لكان مثيراً ووضع في الصفحة الأولى.
 وقد أكد علم الاقتصاد العصبي (Neuroconomics) هذه المسألة، وضرب الباحث فيه بول رزون مثلاً بحشرة زاحفة (مثل أبو عباه) على فواكه تملأ صحناً، تجعلنا نقرف الفواكه بينما لا تجعلنا حبة من الفواكه فوق صحن مليء بالحشرات ميالين إليها.
ويضيف: "إن للعواطف السيئة والوالدين السيئين، والتغذية الراجعة السيئة.. تأثير أكبر على الانتباه من الحسنة منها، وأن الصداقة (أو الزواج) التي احتاجت إلى سنوات كي تتعمق وتدوم قد تنهار جراء فعل سلبي واحد". ومثلها مثل الشخص الذي تتحدث الصالونات عن بطولته لأنه ناكف الرئيس في اللقاء الفلاني وإن كانت مناكفته سخيفة.
يتحدث اليوم علماء الاقتصاد الاستداميون والمستقبليون عن الازدهار بلا نمو (Prosperity with out growth) محذرين من انهيار هذا الازدهار أو وصول النمو والتنمية إلى طريق مسدود بنضوب المصادر، ومن ثم تدمير حياة الأجيال المقبلة، التي قلما يفكر بمصالحها أحد منا. والمحافظة على الازدهار تكون باقتصاد يحارب التلوث وانهيارات التربة وقطع الغابات، وانقراض الأنواع.. وسوء التوزيع ودعم الآداب والفنون وإشاعة المحبة والصداقة والعلاقات الاجتماعية الدائمة.. بين الناس، فهي ما يجعل الإنسان سعيداً أو راضياً، فالاستحواذ والركض وراء الاستهلاك لا يجعلان الإنسان سعيداً.
 فعلى سبيل المثال تبين المسوح الدورية للسعادة في أميركا أن نسبة الذين قالوا في استبيان إنهم سعداء جداً لم تتغير كثيراً بزيادة الاستهلاك وارتفاع مستوى المعيشة المادي، ففي سنة 1972 قال واحد وثلاثون منهم إنهم سعداء جداً، وفي سنة 2004م قال ثلاثون منهم إنهم سعداء جداً ( Capatalism 3.0,2006) ولكن الرأسمالية الأميركية المتوحشة التي لا يعنيها شيء سوى الربح، والتي تهيمن على العالم الآن بالعولمة والخصخصة، تحول السلعة إلى حاجة (Need) بالدعاية والإعلانات التسويقية المثيرة كما يقول إيفان إليش، وتوافر السلع والخضار والفواكه بالزراعة الحديثة ووسائط النقل التي قضت على الفصول وجعلت المرء (يتشهون) ويتوقع ويطلب الخضار والفواكه طيلة العام، ويغضب ويحتج إن قلت أو اختفت. وإلا لماذا تقوم وتركض لتبيع سيارتك القديمة المؤدية لوظيفتها (وتتداين) لشراء سيارة جديدة؟ ولماذا (تتداين) لشراء تلفون خلوي جديد مع أن تلفونك الراهن يسد الحاجة؟
لقد أدت الرأسمالية الجديدة التي يزيد إنتاجها عن الطلب، وألاعيبها الدعائية والإعلامية التي تبرمج العقول وتلعب بالنفوس وتوجه الرغبات، إلى شعور معظم الناس بما يسمى في علم الاجتماع بالحرمان النسبي ( Relative Deprivation) أو الحرمان المقارن كما أحب أن أسميه فالسعار الاستهلاكي (أو متعة التسوق) مطلب الرأسمالية الأول الذي يقيسون في أميركا النمو الاقتصادي به.
لا يؤدي الحرمان المقارن إلى الحسد والغيرة من الأخ والزميل والجار وغيرهم إلى محاولة التفوق عليهم بالاستهلاك التظاهري غير اللازم بل إلى اللجوء إلى الانحراف أيضاً لمزيد من التفوق.
 وإذا أردت أن تعرف عنه فادخل أحد الأسواق الكبرى وانظر في عربات المتسوقين الفائضة عن سعتها بالسلع والبضائع التي تجعل الإنسان المعاصر أو المتعولم لا يختلف عن الإنسان البدائي في الالتقاط والجمع من أرفف البضاعة التي تعج بالتنوع الشديد حتى في السلعة نفسها المتنافسة على عقله وجيبه (تِقدرْ تقاوِم؟!).
 غير أن الحرمان النسبي كثيراً ما يؤدي إلى ارتكاب كل أنواع الجريمة لإشباعه. إن الإنسان الذي لا يجعل القناعة غايته أو فلسفته في الحياة لا يشبع، مما يجعله غير سعيد أبداً.
لقد صار الإنسان المعاصر يُقدر ويُوزنْ - للأسف - كمياً لا نوعياً، أي بمقدار ما يملك أو ما يبدو أنه يملك، ولكنه مع هذا لا يشعر بالسعادة، فالسعادة تأتي من القناعة والمحبة والصداقة والقراءة والثقافة والفنون، "فالغني ليس غنياً لكثرة ما يملك، بل لقلة ما يطلب، والفقير ليس فقيراً لقلة ما يملك بل لكثرة ما يطلب".
لا توجد في الأردن ظاهرة فقر كما يدعي الإحصائيون والاقتصاديون فقلما تجد أسرة بدون مدخنين، أو هواتف خلوية، أو سيارة.. لكن يوجد فقراء كثر نتيجة الشعور بالحرمان النسبي أو المقارن ( Relative deprivation) الذي يطاردهم طردياً مع شدة الشعور به أو شدة المقارنة بالغير. وربما شكلوا 99.9 % من الناس. فإذا كنت من هؤلاء الناس فستظل تعاني حتى وإن كنت ثرياً جداً أو مليونيراً، ما دمت تقارن نفسك بغيرك، وتعلم أطفالك عليه.
أغرب ما في هذا الموضوع أنه عندما تعلن الحكومة عن توزيع مساعدات ما، يصبح معظم الناس فقراء أو شحادين و لكنهم - عندما تقع "طوشة" أو تطلب يد عروس، أو يزورهم مسؤول كبير - يصبحون أغنياء فجأة.
نعم، توجد قلة من الفقراء الذين يمكن انتشالهم من غائلة الفقر بتوزيع فلوس صندوق المعونة الوطنية عليهم، فموزانته كافية لانتشال ثلاثين ألف أسرة معدمة بمعدل ألفي دينار سنوياً لكل منها.
للتخلص من الفقر أو الفقراء يجب على صندوق المعونة الوطنية وصندوق التنمية والتشغيل، وتنمية المحافظات مخاطبة عوامله البنيوية لا الوقوف عند نتائجه فقط. إنها تشخص المشكلة ولكنها تتجاهل عواملها. وربما تزيد من عدد الفقراء بمعاييرها وهم قاعدون وإلا فلتطلعنا على التغيرات التي تحدث في قائمة الفقراء المستفيدين منها بين سنة وأخرى. وللفقير والعاطل عن العمل نقول تستطيع زيادة دخلك بنفسك والمحافظة على كرامتك بالتوقف عن التدخين الذي يكلفك الكثير سنوياً، أو بالاكتفاء بخلوي واحد للأسرة، أو بخفض استخدامه، وبتقليل حركة سيارتك بالمقدار المالي الذي يحسن وضعك، فلا تنتظر ولا تطلب إحساناً من الغير.
يجرنا الحديث عن الفقر إلى الحديث عن معنى الفقر، فهو مادياً النقطة التي تبين الدخل اللازم لمعيشة الكفاف، أو حد الفقر مالياً. وبما أن هذا الخط يرتفع أو ينخفض حسب قيم الذين يرسمونه فهو يزيد عدد الفقراء أو ينقصهم برفعه أو بخفضه.
 ولكن وضع الفقراء لا يتحسن أو يسوء بالإحصاء. كما أن الدخل ليس دخلاً أو مالاً فقط: إنه متعدد الأبعاد كما يفيد عالم الاجتماع والاقتصاد (شوشتال) الذي يجعل له سبعة أبعاد وهي:
1.الدخل  2. الثورة  3. التعليم 4. الخدمات 5. المهارات أو المعرفة 6. المكانة المهنية
7. الاحترام الذاتي.
إذا قلبنا أو فهمنا الفقر بهذا المعنى فإننا سنكتشف أنه يخترق جميع الفئات والطبقات.
لقد بينت أبحاث متواترة في الفقر أن كثيراً من الفقراء ليس فقيراً لأنه معدم، بل لأنه يعيش تحت الخط أو المستوى الذي حدده لنفسه. ولأن دخله لا يكفي للحصول على جميع السلع التي يرغب فيها، فإنه يعتبر كل مساعدة تأتيه بمثابة تقليل من الخسارة لا مكسباً لأن المساعدة تكفيه لشراء سلعة وتحرمه من شراء سلعة/ سلع أخرى يرغب فيها، فما بالك إذا فقرت الدولة وانقطعت المساعدات، وصار عليه أن يشمر عن ساعديه ليأكل؟!
ربما يتوقع القارئ أن أقول: ولكن هذا التغيير أو التقدم الباهر في الأردن لم يقابله تغيير أو تقدم في العقول أو القيم، فكثير من الناس الذين يركبون أرقى السيارات تطوراً لا يحترمون الأصول المرورية. ويلقون القناني والكاسات الفارغة والمناديل الورقية الوسخة.. في الشارع  أو على الأرصفة وأمام البيوت ما يدل على التفاوت القيمي بين السيارة وسائق السيارة. فما بالك عن استمرار الثأر والجلوة وقتل المرأة بحجة الدفاع عن الشرف وبدون دليل وخارج نطاق القانون، وممارسة الطلبة للغش في الامتحان، وتشجيع ذويهم عليه، وحمل السلاح لفرضه في قاعات امتحان الثانوية العامة، والعطوة الأمنية المبتكرة التي أضعفت هيبة الدولة والقانون؟!.
توجد إذن هوة كبيرة بين التقدم المادي الذي وصلنا إليه ولم نحصل بأنفسنا او بإنتاجنا عليه، والعقل الذي يضيق ويصغر.
ما ذكر بداية في هذا المقال لا يعني الدعوة إلى المدح والثناء أو النفاق للمسؤول أو كل سياسة رسمية، فذلك واجبه ولا شكر على واجب. بل أدعو إلى النقد بالمعنى القوي للكلمة، وإلى محاربة الفساد ليس المالي فقط، بل الإداري أيضاً، كما في إسقاط بعض الناس بالبراشوت على مركز أو وظيفة عليا، أو إطلاقهم من القاعدة بالصاروخ ليهبطوا عليها، وفي الكوتات والاستثناءات في القبول الجامعي التي تمزق القيم وتقضي على الانتماء والولاء عند أكثر من 70 % من الخاسرين بسببها، مما يجبر كل مواطن على الانحراف لأنه لا يستطيع أن يسير مستقيماً في طريق معوج (ولكنه لا يعوج في طريق مستقيم).
 إن الواجب يتقدم على الحق، لأن الحق في نهاية التحليل ضرب من الاستهلاك، والواجب في نهاية التحليل ضرب من الإنتاج، والاستهلاك غير ممكن بدون إنتاج. وهو سر المشكلة والأزمة الخفي.
إنما أقول رفقاً بهذا البلد، فقد انتهى دور الدولة الأبوية أو الريعية وإن ظلت تواصله. ولم يعد الأب (الدولة) قادراً على الصرف على الأولاد والبنات الذين كبروا. صار عليهم الصرف عليه بالقيام بالواجب كاملاً وبالعمل الجاد الجيد والإنتاجية العالية، وبالتحرر من سطوة الدعاية والإعلان الاستهلاكية التي تزيد الشعور بالحرمان النسبي أو المقارن.
إن استقلال أي دولة في العالم يساوي نسبة القيمة المضافة إلى إنتاج السلعة أو الخدمة. وتساوي عندنا عُشر أو رُبع أو نصف الكأس الذي نراه. هذا هو مربط الفرس والكل "شايف" الضبع، ولكنهم يفتشون عن مغارته.

التعليق