لماذا تشكل الولايات المتحدة الأميركية أكبر تهديد للسلم العالمي ؟

تم نشره في الأحد 25 كانون الثاني / يناير 2015. 12:00 صباحاً
  • دورية لأحد قوارب قوات البحرية الأميركية - (أرشيفية)

بنيامين دانغل —  (كاونتربنتش) 19/1/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

مثل الكثيرين من الأميركيين، في المدرسة الابتدائية وفي المدرسة الثانوية، كان يترتب علي الوقوف أمام العلم الأميركي، وأنا أضع يدي على قلبي وأتعهد بالولاء للولايات المتحدة الأميركية. وبينما كان ذلك السلوك روتيناً يخلو من التفكير بالنسبة لمعظمنا، فقد كان المعنى وراء الطقس واضحاً: أن الولايات المتحدة أمة استثنائية، ومنارة للحرية والعدالة في العالم. لكنه بعد التمعن في سيل الدماء والانقلابات الذي يستمر في تعقب العلم الأميركي حيثما يرفرف، سيكون من السليم القول بأن الولايات المتحدة استثنائية في العديد من الأشياء، لكن الحرية والعدالة ليست من بينها.
خذ الإحصائيات التالية، على سبيل المثال: قتل نحو 405.000 نتيجة للعنف والضرر الذي لحق بالبنية التحتية بسبب الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في العراق. وتعد الولايات المتحدة الثانية بعد روسيا في مخزونها من الأسلحة النووية، حيث تتوافر على 7400 رأس حربي نووي (وتحتل فرنسا المرتبة الثالثة حيث تتوافر على 300 رأس حربي). وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى بين دول العالم في الإنفاق العسكري، حيث أنفقت نحو 7.6 تريليون دولار على الجيش والأمن القومي منذ هجمات 11/9. كما أن واشنطن تعتبر أيضاً تهديداً رئيسياً لمواطنيها: فالولايات المتحدة هي أضخم سجان في العالم لمواطنيها، سواء من حيث الأعداد والنسبة من السكان، حيث يوجد 2.3 فيها مليون شخص في السجون -مليون منهم من الأفارقة الاميركيين.
من الممكن ربط الكثير من العنف الدائر في مختلف أنحاء العالم اليوم بالمغامرات الإمبريالية الأميركية في الخارج. ويعزى صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" للحرب الأميركية في العراق. وفي مقال عن زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي، شرحت صحيفة نيويورك تايمز: "عند كل انعطافة، يتأطر صعود السيد البغدادي بانخراط الولايات المتحدة في العراق -فقد ولد ذلك الانخراط معظم التغييرات السياسية التي زودت قتاله بالوقود أو قاد إلى صعوده مباشرة من رحم العمل الأميركي". وفيما يتعلق بالهجوم الإرهابي الأخير في فرنسا، يكتب أستاذ التاريخ في جامعة ميتشيغان، جوان كول، أن واحداً من المهاجمين كان قد دفع إلى "نزعة الحذر والاحتراس التشددية" بسبب الحرب في العراق، وبسبب التعذيب الذي كان يُمارس في سجن أبو غريب (بالقرب من بغداد). كما تتصل موجة العنف المرتبط بحرب المخدرات التي تكتسح أميركا اللاتينية مباشرة بالدور الأميركي في عسكرة المنطقة باسم الحرب على المخدرات، وهو نزاع أودى بحيوات أكثر من 100.000 شخص في المكسيك وحدها منذ العام 2006.
من الطبيعي أن لا يكون أي شيء من هذا كله جديداً. وفي مقابلة أجريت معه في العام 2013، انتقد نعوم تشومسكي ادعاء الرئيس الأميركي أوباما بأن الولايات المتحدة ما تزال تشكل "ملاذ الأمن العالمي" منذ سبعة عقود. وقال تشومسكي:
"حقاً؟ سبعة عقود؟ وذلك يشمل، على سبيل المثال ما حدث قبل 40 عاماً في مثل هذا اليوم، عندما لعبت الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في الإطاحة بالديمقراطية البرلمانية في تشيلي، وفرض دكتاتورية وحشية سميت "11/9 الأولى" في أميركا اللاتينية. ولنعد وراء إلى أعوامٍ أبكر، إلى الإطاحة بالنظام البرلماني في إيران وفرض دكتاتورية؛ وعمل الشيء نفسه في غواتيمالا بعد عام؛ ومهاجمة الهند الصينية في أسوأ جريمة في فترة ما بعد الحرب، ما أفضى إلى مقتل ملايين الأشخاص؛ ومهاجمة أميركا الوسطى؛ والقتل –متورطة في القتل؛ في فرض دكتاتورية في الكونغو؛ وغزو العراق- بغير انقطاع. وهل ذلك استقرار؟ أعني، أن يستطيع خريج من كلية الحقوق في جامعة هارفارد أن يلفظ تلك الكلمات هو شيء مذهل للغاية، كما هي حقيقة قبولها من دون تعليق".
أعاد هذا الإرث الامبريالي مرة أخلى إلى بؤرة التركيز تقرير التعذيب الذي صدر في مجلس الشيوخ الأميركي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وقد خصت نشرة "مذر جونز" الاكتشافات التي وردت في الوثيقة الواقعة في 600 صفحة بهذه الطريقة: "كان التعذيب أكثر وحشية بكثير مما كنا نعتقد، وقد كذبت وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية بخصوصه. لكن كذبها لم ينفع، كما أنهم كذبوا حول ذلك أيضاً. وقد أفرز الأمر الكثير جداً من الأفكار السيئة إلى درجة أنها أعاقت على الأرجح أمننا القومي. وبطبيعة الحال، كذبوا أيضاً بخصوص ذلك. كذبوا على الكونغرس وكذبوا على الرئيس وكذبوا على الإعلام. وبالرغم من ذلك، نجدهم ما يزالون يدافعون عن أفعالهم".
في أعقاب نشر التقرير، قال الرئيس أوباما إنها "لا توجد أمة كاملة"، لكن "واحداً من الأشياء التي تدلل على قوتنا والتي تجعل أميركا استثنائية تكمن في رغبتنا في مواجهة ماضينا ومعالجة نقاط النقص لدينا وإجراء تغييرات وفعل ما هو أفضل". وألمح أوباما إلى أنه بسبب الاستثنائية الأميركية، فإن أولئك الذين هندسوا التعذيب المرعب لن يتعرضوا للملاحقة.
دائماً ما يتم الدفاع عن تعذيب واشنطن وجرائم الحرب والمجمع الصناعي العسكري بمعيار الاستثنائية الأميركية. وتصنع هذه النقاط السوداء والاعتقادات من الولايات المتحدة أكبر تهديد للسلم العالمي. إنها امبراطورية تعول على نزعة وطنية من دون تفكير وعلى دعم غير منتقد، بدءاً من الطلاب الذين يتعهدون بالولاء للعلم الأميركي، وصولاً إلى الرؤساء الذين يستحضرون الاستثنائية الأميركية للدفاع عن التعذيب. وسيكون فهم هذا العنكبوت من التعقيد جزءاً رئيسياً من تفكيك الامبراطورية من الداخل وإلى الخارج.

*عمل صحفياً في عموم أميركا اللاتينية، وغطى الحركات الاشتراكية والشؤون السياسية في المنطقة لأكثر من عقد. وهو مؤلف كتب "الرقص مع الديناميت: الحركات الاشتراكية والدول في أميركا اللاتينية"، وطن من النار: موارد الحروب والحركات الاشتراكية في بوليفيا". وهو مرشح الآن لنيل درجة الدكتوراة في تاريخ أميركا اللاتينية من جامعة ماكغيل.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Why the US is the Biggest Threat to World Peace

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق