زليخة أبوريشة

تحفيظ القرآن الكريم والفلتان الإشرافي

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015. 01:04 صباحاً

في صغري كان القرآن الكريم أوّل كتاب تأدّبنا عليه، تلاوةً وحفظاً. فقد كان أبي، يرحمه الله، يوجهنا نحو حفظ سورة قصيرة أو ثلاث آيات وحديث شريف كلّ يوم، فخرجنا جميعنا -إخوتي وأنا- بلسان عربيّ مبين، وكان هذا، وبعدَه التراثُ الصوفيّ والشعري، عدّتنا في استخدام القلم والنهوض إلى عالمَيْ الفكر والكتابة. غير أنّ أمرَنا في التأدّب على البلاغة والإعجاز لم يقتصر على الكتاب المجيد فحسب، فقد أُضيف إليه التراث الشعريّ والتراث الصوفيّ اللذان جعلانا على مقربة من تذوّق الأدب، رفيعه ورائقه، والتجرّؤ على إنتاجه، حتى دخلَت بلاغة القرآن الكريم والقراءاتُ الأولى في نسيج تفكيرنا وروحنا.
والحقّ أنّ هذا اللون من التعليم لم يكن أمراً لم يعرفه أحدٌ من قبلنا، بل كانت مؤسّسة "الكُتّاب" التي عرفتها أجيالٌ قبلنا تأخذ على عاتقها تحفيظ القرآن وتعليم فكّ الخط. ولم يُشاكل خطةَ التعليم آنئذ هدفٌ آخر غير التحفيظ وتعليم مبادئ القراءة والكتابة والحساب. ثم أتت المدرسة الحديثة، فاختفت الكتاتيب، وحلّت محلّها مراعيةً تطور العصر وتقدّم أدواته. غير أنّ الأيام التي عِدّتها نصف قرن صعدت فيها حركاتٌ لبست ثوب الدين، انتبهت إلى أهميّة المسجد في التأثير على الناس، وجذبها إلى قرصها الأيديولوجيّ، فاخترعت دروس الجمعة ودروس ما بعد العشاء، هذا للكبار، أما للأطفال فاخترعت دروس تحفيظ القرآن، مدّعية أنّها تُحيي سُنة قديمة، كما كانت في الكُتّاب. ولكن الحق أن الكُتّابَ الذي كان يقوده -غالباً- معلّم غليظ القلب، طويل العصا، لم يكن ليقدّم أفكاره "العظيمة" عن الإسلام، ولا قراءته الخاصة التي تفرزها عقيدته الحزبيّة. فقد كانت الناس بسيطة، وأفكارها عن الدين فطريّة، بعيدة عن الفذلكات التي تصدّع رؤوسنا صبح مساء. بينما أنّ هذا الكُتّاب الجديد ليس سوى مسرح لتنشئة عقائديّة، لربما أنّها في كثير حالاتها تنشئةٌ يتبوّأ فيها العنف الفكريّ مطرحه من عقول النشء وعاطفته. فبدل عصا التأديب ابتُكرت عصا التكفير التي سرعان ما ستتحوّل إلى سيف يقصّ الرقاب حقيقة لا مجازاً.
ولأظنّ أنّ حبل الإشراف على هذه الكتاتيب الجديدة التي أنشأتها أموال مريبة، منقطع أو يشوبه التقصير الفاضح، إن وُجِد. فالأعداد الهائلة التي تفقّسها تدابير سريعة وكفاءات لا تثير الإعجاب تشكّل عبئاً على وزارة الأوقاف التي تتولى حتى الآن الترخيص، في حين أنّ طبيعة هذه المراكز تربوية تعليميّة، مما يعني أنها من صميم عمل وزارة التربية والتعليم. 
فمع الاحترام الشديد لوزارة الأوقاف، فإنها ليست هي التي ينبغي أن تكون مخوّلة لترخيص هذه المراكز والإشراف عليها. إذ إنّ مجرّد كون الكتاب الذي يقرأه ويحفظه الأطفال والشبان هو كتابُ المسلمين الأول لا يعني أن تنفردَ به وزارة لا علاقة تقنية لها بالتربية والتعليم. فحتى ينضبطَ تعليم الطفل بين منهج مدرسيّ وآخر غير مدرسيّ، لابدّ من أن تكون الكلمة لمن بها أُنيطت التربية، وعليها عُقدَّت الآمال لتنشئة سويّة عفيّة. فآلاف مراكز تحفيظ القرآن في المملكة تنتظرُ إصلاحاً من ذاك الذي تقترحه الثورات البيضاء، لتصحيح مسارها الذي غالباً هو في الاتجاه المعاكس!
دعونا لا نفقد الأمل...!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وزارة الأوقاف هي من ألغى الكتاتيب (روحي ابو طبنجه/امريكا)

    الأربعاء 18 آذار / مارس 2015.
    كنّا نبدا بالقران الكبير فألغوه وجابو جزء عّم
    والآن اصبح كتاب الدين بعض الآيات فقط
    هناك من يخطط لابعاد الناس عن القران
  • »سبحان الله (يوسف شمالي)

    الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015.
    في صحيح مسلم : ((أنا تاركٌ فِيكم ثَقلينِ: أوَّلهما: كتابُ الله، فيه الهُدى والنُور؛ فخُذوا بكتاب الله، واستمسِكوا به، فحثَّ على كِتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهلُ بَيْتي، أُذكِّركم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّركم اللهَ في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهلِ بَيتي)). أخر قلعة من قلاع الاسلام هو كتاب الله وهناك من يريد هدمها او تجهيل الناس بها كي يصبحوا كالانعام بلا هدى ولا علم يسيطر عليهم الجهل ممن هب ودب. الحذر الحذر من دس السم بالدسم.
  • »كلام معقول جدا (Sami)

    الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015.
    اؤيدك في كل ما قلت!
  • »يا ولية إتق الله (سعيد)

    الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015.
    هذه الدعوة للإصلاح تأخذ الصالح في عروى الطالح. فهذه المراكز فيها الخير وفيها غير ذلك والتعميم غير علمي ولا موضوعي.
    والمسألة في النهاية اكبر من طرحك. المسالة اننا بحاجة الى حركة إصلاح ديني. ولا اقصد إصلاح الدين بل إصلاح المتدينين وإصلاح قراءتهم للدين. وهذا لا نصل اليه بزيادة الرقابة والإشراف على مراكز تحفيظ القران يا سيدتي.