المنبّه اليوناني: الاتحاد الأوروبي في خطر

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً
  • مقر الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل-(أرشيفية)

سليمان قبيلات

عمان- حين أعلن قبل عامين ونصف العام، أن منطقة اليورو تواجه معضلة مفصلية تهدد وجودها بتفجر أزمة الديون السيادية، تلمست النخب الأوروبية، موطئ أقدامها خشية تشكل مناخ للتطرف السياسي من شأنه أن يعصف بالقارة وأنموذجها المهدد بالانهيار في تجميعه لدول قومية ذات سيادة.
واتفق المحللون الأوروبيون السياسيون والاقتصاديون وسواهم في حينه، على أنه من الصعب رؤية كيف يمكن لدولهم تحقيق رزمة "الإصلاحات العميقة التقشفية" في غضون أسابيع أو أشهر كما كان يحثهم الصينيون وغيرهم.
وقتذاك نشر استطلاع رأي لمركز "بيو" أظهر أن هناك أغلبيات كبيرة في جميع أنحاء أوروبا تعارض التنازل عن السيادة الوطنية لهيئة مركزية بسبب مسائل متعلقة بالميزانية.
وقال المحللون تعليقا على الاستطلاع، إن مشكلات مثل الديون السيادية التي تذكر بأزمة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، تدفع الجمهور لإظهار حس منطقي أكبر من المثقفين الذين اصطفوا لرفض الرؤية الألمانية وحلولها، وهو ما عاشته نخب إسبانيا واليونان وإيطاليا والبرتغال بصفتها بلدانا مأزومة بديون هرعت الترويكا الأوروبية بتوجيه من برلين لإنقاذها لئلا تتهاوى وحدة القارة.
ومع أن تعامل ميركل مع الأزمة لم يكن خاليا من الأخطاء، إلا أنها حققت إنجازا ضخما، بمنعها التطرف السياسي من الحصول على موطئ قدم في بلادها، التي تجاور فرنسا حيث صوّت ثلث الناخبين لمرشح من أقصى اليمين، أو أقصى اليسار للرئاسة. وفي هولندا وهي مثل ألمانيا، دولة دائنة سئمت من إنقاذ أوروبا الجنوبية احتل مرشحو أقصى اليمين وأقصى اليسار المراتب الأولى والثانية في استطلاعات الرأي. وفي النمسا، بلغت نسبة التأييد لأقصى اليمين نحو 30 في المائة.
ورأى المحللون أن لدى ألمانيا كل الظروف التي قد تؤدي إلى رد فعل مماثل. فلدى الناخبين في الدولة أسباب وجيهة للشعور بأنه تم تضليلهم بشأن اليورو. فقد وعدوا سابقا بأن العملة الموحدة تتضمن فقرة تنص على عدم الإنقاذ ستمنع دافعي الضرائب الألمان من دعم دول أخرى في منطقة اليورو. لكن كان على ألمانيا بالفعل قبول المسؤوليات المالية المحتملة البالغة 280 مليار يورو لتمويل عدة عمليات إنقاذ لأوروبا، وستكون هنالك مطالب أخرى في المستقبل. وتمويل مساهمة ألمانيا الرأسمالية في آلية الاستقرار الأوروبي زادت عجز الميزانية الالمانية العام 2012 من 26 مليار يورو إلى 35 مليار يورو.
العام 2012 شكل كابوسا لألمانيا التي تذكرها أزمات المحيط بأزمتها في ثلاثينيات القرن الماضي حين سئم الناخبون أحزاب اليمين التقليدي فذهبوا إلى اليسار الاشتراكي الذي اخفق في انقاذ البلاد من ازمة استفحلت وجد معها الناخبون أن الحل في التصويت لأقصى اليمين، وهو ما حمل الحزب النازي وزعيمه هتلر إلى السلطة.
في كانون الثاني (ديسمبر) 2009 كان الإنذار الكبير الأول من اليونان حيث استنفر الاتحاد الأوروبي بعد زيادة تقديرات العجز إلى 12،7 بالمئة من اجمالي الناتج الداخلي.
وفي أيار (مايو) 2010 لم تعد اليونان قادرة على الاقتراض نظرا لارتفاع معدلات الفائدة. وهكذا تقرر برنامج أول للقروض العاجلة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي بقيمة 110 مليارات يورو، مقابل خطة تقشف. وتم إنشاء الصندوق الأوروبي للاستقرار المالي لمساعدة الدول الهشة في منطقة اليورو.
البرنامج الأول لنجدة اليونان لم يأت بالتسوية المبتغاة مما فرض اتفاق منطقة اليورو في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 على خطة جديدة تقضي بمنح قروض بقيمة 130 مليون يورو وإعادة هيكلة الدين، مقابل فرض شبه وصاية على البلاد. وفي مطلع تشرين الأول (نوفمبر) 2011 استقال رئيس الوزراء جورج باباندريو اليوناني بعد إعلانه عن مشروع استفتاء حول الاتفاق الأوروبي، ثم تراجعه عن ذلك.
في مطلع 2010 تبنت إسبانيا خطة تقشفية لخفض العجز العام الذي بلغ 11.2 بالمئة من إجمالي الناتج الداخلي تلتها إجراءات جديدة في أيار (مايو).
اواسط 2010 أقرت إيطاليا خطة تقشف لتجنب أزمة كارثية خاصة وأنها تعاني من مديونية هي واحدة من الأعلى في العالم بمبلغ يزيد على 1900 مليار يورو.
وفي أواخر 2010 واجهت ايرلندا أزمة مصرفية وطفرة عقارية. مما استلزم وضع خطة إنقاذ من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي بقيمة 85 مليار يورو.
 2011 جاء بمزيد من الأزمات، ففي أيار (مايو) حصلت البرتغال على مساعدة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي بقيمة 78 مليار يورو مقابل إصلاحات وبرنامج تقشفي. وفي آب (أغسطس) تعرضت إيطاليا وإسبانيا لهجمات من أسواق المال. بينما اهتزت فرنسا للمرة الأولى ما دفع حكومتها إلى تبنى خطة تقشفية أولى تلتها خطة ثانية في تشرين الثاني (نوفمبر).
توالت الأزمات وكبرت ككرة الثلج المتدحرجة على سفح الجبل، ففي منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 استقال رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني وحل محله المفوض الأوروبي السابق ماريو مونتي. وفي 21 كانون الثاني (ديسمبر) قدمت قروض بقيمة لا سابق لها من البنك المركزي الأوروبي إلى مصارف في منطقة اليورو لإنقاذها من الإفلاس.
مع مطلع 2012 تم خفض تصنيف تسع دول في منطقة اليورو. وفقدت فرنسا والنمسا الدرجة الممتازة "ايه ايه ايه". في 30 كانون الثاني (يناير) عقدت القمة الأوروبية حول المعاهدة الجيدة لضبط الميزانية وبدأ تطبيق الآلية الأوروبية للاستقرار.
وكان من ضمنها قرار غالبية من الجهات الدائنة في القطاع الخاص في 9 آذار (مارس) 2012، شطب 105 مليارات يورو من ديون اليونان.
الأزمة اليونانية تخلط الأوراق
الأزمة اليونانية الاقتصادية خلطت كل الأوراق السياسية على الصعيد الداخلي، وهكذا في 6 أيار (مايو) 2012 اسقط الناخبون في الانتخابات التشريعية الحزبين الكبيرين اللذين وافقا على خطة التقشف. التركيبة السياسية الجديدة فشلت في الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية، ما فرض تنظيم انتخابات جديدة في 17 حزيران (يونيو) بدأ في أعقابها زعيم حزب الديمقراطية الجديدة اليميني انطونيس ساماراس الذي فاز حزبه في الانتخابات التشريعية، مشاوراته لتشكيل حكومة وحدة وطنية "فورا".
وكان ساماراس قد دعا إلى إبقاء البلاد في منطقة اليورو باي ثمن الا انه رأى ان عليه "اجراء المفاوضات اللازمة لخطة" التقشف المفروضة على اليونان منذ 2010.
فرنسا عرفت بدورها تحولا سياسيا ففي 6 أيار (مايو) فاز في الانتخابات الرئاسية الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي عمل على إدخال تعديلات كبيرة على مستوى التنسيق والتوجيه والتحالف مع ألمانيا فيما يخص التوجهات الأوروبية الاقتصادية، وتوجه بعد إنتخابه بأيام إلى برلين حيث تم تجنب خلاف علني. وسجل تفاهم فرنسي ألماني بشأن بقاء اليونان في منطقة اليورو ولكن بدرجة أقل بشأن "الإجراءات الفورية" لإنعاش النمو التي تريدها باريس.
في 25 أيار (مايو) ساءت أوضاع إسبانيا وطلب رابع مصرف اسباني "بانكيا" مساعدة قياسية تبلغ قيمتها 19 مليار يورو من الدولة. وفي 5 حزيران (يونيو) وبعض الانتقادات التي واجهتها من الاسواق طلبت مدريد من أوروبا "دعمها" عبر آلية لإعادة تمويل مصارفها.
وفي 7 حزيران (يونيو) تم خفض تصنيف الدين الإسباني 68.5 بالمئة من إجمالي الناتج الداخلي ثلاث نقاط. بعد يومين وفي 9 حزيران (يونيو) قررت هذه القوة الاقتصادية الرابعة في أوروبا طلب مساعدة يمكن أن تصل إلى أكثر من مئة مليار يورو.

التعليق