الحلقة السادسة من سياسي يتذكر

بدران: صمود النظام الأردني وسط فوضى الجوار كان أبرز التحديات

تم نشره في السبت 31 كانون الثاني / يناير 2015. 01:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 12 شباط / فبراير 2015. 03:10 مـساءً
  • رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران يتحدث لـ"الغد" ضمن سلسلة "سياسي يتذكر". (تصوير: محمد ابو غوش)
  • الامير محمد بن طلال يتوسط مضر بدران ومحمد رسول الكيلاني وعددا من الضباط

*  حكومة وصفي التل الأولى تركت بصمات تنموية وإدارية واضحة لكن حكومة التلهوني اللاحقة نسفت كل قرارات التل

* المخابرات كانت تساعد التنظيمات الفلسطينية بالتسليح لأننا كنا نؤمن بأنها لا تريد سوى قتال إسرائيل

* الرجل الثالث في المخابرات أحمد عبيدات اعتقله فدائيون في 1970 ومشهور الجازي ابلغني لاحقا بالإفراج عنه

* قبل حرب 67 صادرنا الأسلحة من المواطنين.. وبعد الحرب أعدنا توزيعها على المنظمات الفدائية لكي تشن حرب كر وفر ضد اسرائيل

* كانت علاقتي بقائد الجبهة الشعبية القيادة العامة علي بشناق جيدة وبها ثقة وبعد تسلم أحمد جبريل انقطعت العلاقة

عمان- في الحلقة السادسة من يوميات "سياسي يتذكر"، التي تنشرها الغد، يؤكد رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، بانه وأثناء عمله مديرا للمخابرات العامة نهاية ستينيات القرن الماضي، تراجع الاهتمام بالشأن الداخلي أمام أولوية رصد العدو الإسرائيلي وإضعاف جبهته.
ويؤكد بدران الذي تسلم إدارة جهاز المخابرات في 1968، بأن الأردن كان يساعد التنظيمات الفلسطينية بالتسليح لمقاتلة اسرائيل.
كما يؤكد بأن كل عمليات الجبهة الشعبية- القيادة العامة، التي كانت تعلن عنها داخل الضفة الغربية، كانت صحيحة، ولم تبالغ في تقدير أي خسائر تكبدتها إسرائيل.
ويشير إلى أن المنظمات الأخرى، كانت تنشط على الحدود مع الضفة الغربية، لكنها لم تدخل في العمق ولم تنفذ عمليات نوعية.
وكان بدران قد تحدث في حلقة أمس من "سياسي يتذكر" عن قدرة المخابرات في اختراق المخابرات السورية، وأن المخابرات العامة وزعت أعمالها على أقسام وفروع، كقسم حزب البعث وقسم الشيوعيين، وقسم المنظمات والفصائل، ولم يكن هناك قسم لجماعة الإخوان المسلمين.
ويستكمل بدران اليوم، حديثه عن التحديات الأمنية في الأردن، نهاية ستينيات القرن الماضي، ويؤكد محاولة الصاعقة السورية اقتحام مقر مديرية الشرطة في عمان، حيث دخلوا إلى عمان بأسلحتهم وسياراتهم.
ويزيد بأن حراسات دائرة المخابرات، التي كانت عبارة عن سرية، بعدد لا يتجاوز الـ100 عنصر، هي من قامت بصد الهجوم على مديرية الشرطة، وأن 25 عنصرا قاموا بصد الاقتحام واعتقال عدد من فصيل الصاعقة السورية.
لكن بدران اعتبر أن الهجوم الأخطر، كان الذي تم تنفيذه على قيادة البادية، وأراد الفدائيون عبره احتلال القيادة، وأصيب في الاعتداء عدد من ضباط الجيش والمخابرات.
ويؤكد بدران اليوم قصة خطف الرجل الثالث في الجهاز ضابط المخابرات أحمد عبيدات، حيث تم تحديد مكان اختطافه ومكان تواجده في مخيم الوحدات، ويروي بدران تفاصيل شيّقة عن رحلة الإفراج وعودته.
وعن طبيعة تلك المرحلة يقول بدران: لم نكن نملك ترف الوقت للتفكير ببناء الدولة، على أسس مدنية وحضرية، فالأهم تثبيت النظام السياسي وحفظ أمن الدولة، وكان هذا المعيار الأهم لدى القيادات العسكرية والأمنية والسياسية.
ويزيد: لا نستطيع أن نلوم النظام على ظلمه، في وقت هو يتعرض فيه للظلم أصلا، نتيجة الظروف الإقليمية الملتهبة من حولنا، فالتحدي الأهم كان تثبيت أركان النظام السياسي، وحماية أمن الوطن من كل محاولات الفوضى من حولنا.

وفيما يلي نص الحلقة

*كنا نتحدث عن طبيعة مهام جهاز المخابرات، وتوقفنا عند سؤالك، حول ما إذا انصرف عمل الدائرة في تلك المرحلة فقط الى العمل الخارجي، ولم تنتبهوا للوضع الداخلي؟
-بالنسبة لي كنت مصرا على أن عدونا إسرائيل، وجبهتنا الداخلية متحدة أمام مواجهة هذا العدو. طبعا كان للزملاء الفضل في السيطرة المعلوماتية على كل شيء يجري في الداخل، لكننا فعلا تركنا كل همومنا الداخلية، واتجهنا نحو رصد العدو وإضعاف جبهته.
طبعا الأحزاب السياسية في تلك المرحلة انخرطت هي الأخرى بالعمل المسلح مع فصائل المقاومة الفلسطينية.
وأذكر بأننا في المخابرات، ومنذ تسلم محمد رسول الكيلاني الدائرة، كانت تساعد التنظيمات على التسليح، وكنا نعرف بأن المنظمات الفلسطينية لا تريد سوى قتال إسرائيل، وكنا متأكدين من ذلك، فنحن وهم عندنا ذات الأهداف.
وهنا؛ أتذكر جيدا، بأن كل عمليات الجبهة الشعبية- القيادة العامة، التي كانت تعلن عنها داخل الضفة الغربية، كانت صحيحة، ولم تبالغ في تقدير أي خسائر تكبدتها إسرائيل.
أما المنظمات الأخرى، فكانت تنشط على الحدود مع الضفة الغربية، لكنها لم تدخل في العمق ولم تنفذ عمليات نوعية، لقد أثبت مقاتلو الجبهة الشعبية قدرة عالية في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وكانوا، عندما تعلو مياه نهر الأردن بالشتاء، يقطعونه بالحبال، ويمرون تسللا للداخل.
كنا نتعامل بطريقة جيدة مع الجبهة الشعبية، وكنت على علاقة فيها ثقة مع رئيس القيادة العامة للجبهة الشعبية علي بشناق، قبل أن يتوفاه الله بالمرض، وبعد أن استلم أحمد جبريل، ما عدت أعرف تماما عنهم، لأن ليس لي علاقة بجبريل، الذي كان مساعدا لبشناق، لكن أستطيع التأكيد بأنه تسلم منا أسلحة بـ"التركّات" (شاحنات متوسطة)، خصوصا وأننا كنا صادرنا الأسلحة قبل حرب الـ67 ، ثم أعدنا توزيعها على المنظمات، لكي نبدأ بحرب الكر والفر مع الاسرائيليين.
*لكن الفصائل الفلسطينية المسلحة مارست أعمالا مستفزة للسلطة الأمنية، وبقيت تستعرض نفوذها في شوارع المدن الرئيسية؟
-قلت لك، إن علاقتي كانت جيدة بعلي بشناق رئيس القيادة العامة للجبهة الشعبية، أما مساعده أحمد جبريل، فلم أكن أعرفه، وبظني، جبريل كان لا يثق بالمخابرات الأردنية أصلا.
وسلوك جبريل استمر حتى بعد أن زودنا مسلحي الجبهة الشعبية بكل السلاح اللازم، من ألغام أرضية وقنابل يدوية واسلحة اتوماتيكية.
تعبت وأنا أحاول إقناع الفصائل المسلحة، بأهمية العمل داخل الضفة الغربية، وليس داخل المدن الأردنية، وهم كانوا يريدون إثبات وجودهم في عمان، خشية من انقلاب السلطات الأمنية عليهم، ويخشون من طردهم فجأة. حاولت معهم كثيرا، للتأثير واقناعهم بنزع هذه الفكرة، لكن لم أنجح.
طبعا، لم يعجبهم تحريضي لهم بضرورة العمل داخل الضفة الغربية، تحديدا حركة فتح، أما الفصيل التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، فصيل الصاعقة السورية، فلم أكن أثق به، وبقدراته أصلا.
كانت الجبهة الشعبية وحدها التي تنفذ عمليات ناجحة، وكنا نعرف جيدا بالأمر.
وفي احدى الأيام، حاولت الصاعقة السورية اقتحام مقر مديرية الشرطة في عمان، كان ذلك في العام 1968، وفعلا دخلوا إلى عمان بأسلحتهم وسياراتهم، وكنت أعرف جيدا بأن الشرطة لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام هذا الوضع غير الآمن.
كانت حراسات دائرة المخابرات عبارة عن سرية، بعدد لا يتجاوز الـ100 عنصر، كان أسسها أبو رسول قبلي، وأنا تسلمتها منه، وكانت لها مهمات أمنية محددة.
استعنت بهم لصد الهجوم على مديرية الشرطة، وفعلا قام 25 عنصرا بصد الاقتحام واعتقال عدد من فصيل الصاعقة السورية.
لكن الهجوم الأخطر، كان الذي تم تنفيذه على قيادة البادية، وأراد الفدائيون احتلال القيادة، وكان هناك مكتب لدائرة المخابرات العامة، مكون من ضابط منتدب، وهو الرائد في وقتها عبد الرحمن العدوان، وكاتب عسكري ومأمور مقسم لاسلكي ومراسل، وبدأت الأخبار تصلنا من خلال جهاز اللاسلكي، وكنا نتابع بالمناظير من على سطح دائرة المخابرات خيوط الدخان المنبعثة من حول الموقع.
وفجأة انقطع الاتصال لمدة تجاوزت الساعتين، وفعلا خشيت أن يكون حصل ما نكره لهم.
عندها اتصل معي الراحل الملك الحسين، وكان في مكتبه بالقيادة العامة، وعزّاني بوفاة كل من في مبنى قيادة البادية، هنا "عقلي طار"، وصرخت بصوت مرتفع: أين الجيش يا سيدي؟
عندها قررت أن أعمل دفاعات خاصة بدائرة المخابرات العامة، لاني شعرت بأني كدائرة مخابرات، سأكون مستهدفا في أي وقت.
بعد ذلك، بدأت الرسائل تعود من الجهاز اللاسلكي، وركض نحوي شباب المقسم اللاسلكي، ويقولوا عاد الاتصال، وأن الوضع مختلف تماما عما قاله الراحل الحسين، فسألناهم لماذا انقطع الاتصال؟ وأجاب أحدهم، نحن نوفر بطارية جهاز اللاسلكي، لأننا لا نستطيع شحنها بالكهرباء.
وسألت عن الوضع عندهم، فقالوا: اصيب العدوان، ومدير قيادة البادية ذياب العلاوي، وقتل اثنان.
قبل ذلك، كان شقيق ذياب علاوي ضابطا في المخابرات، وهو مذيب علاوي، ولما عرف بنبأ قتل شقيقه، جاءني على المكتب وقدم استقالته، وسألته عن السبب؟ فأجاب بأن الدائرة اليوم ليست مسؤولة عن تصرفاته وهو مدني، ويريد أن يثأر لشقيقه.
بعد الاتصال، طمأنت مذيب علاوي بأن شقيقه بخير، وعدت للراحل الحسين، وابلغته بأن المعلومات التي بحوزته ليست صحيحة، وإني سأرسل سيارة إسعاف لنقل المصابين من قيادة البادية.
كانت علاقتي جيدة بقائد العمليات في "الكفاح المسلح" الفلسطيني (اشبه بالشرطة العسكرية)، وهو ما يزال يسكن لليوم في عمان، وهو سمير الخطيب، وأبلغته بأني سأرسل سيارة الإسعاف، وعليه تأمين دخولها وخروجها، من وإلى مقر البادية، فتجاوب معي، ثم أبلغت سيارة الإسعاف بإخلاء الجرحى، وأن يأتوا لي بباقي عناصر مكتب المخابرات في البادية، وهذا ما حصل.
أذكر في احدى المرات، كنت متوجها من مكتب في المخابرات إلى بيت أهلي في اللويبدة، وكان معي سائق، وفجأة خرج أمامنا أحدهم، يحمل بندقية، ويأمر السائق بالتوقف، فتوقف السائق جراء خوفه، فصرخت بالشاب، الذي أمامي، وإذ به يهرب مسرعا، وبعدها عدت بالسائق للدائرة، وأعطيته اجازة مفتوحة، وصرت اتنقل بسيارتي الـ"بيجو" الصغيرة وحدي ومعي بندقية رشاش.
وقلت بخاطري، إن قتلوني سأموت وحدي، ولن يكون معي شخص آخر.
وفي مرة أخرى، وقبل أن أصل منزل أهلي بقليل، بدأ إطلاق النار، واشتد قبل أن أصلهم بنحو بسيط، ترجلت من السيارة ومشيت باتجاه المنزل، وإذا خلفي نحو 11 مدنيا، يتبعوني يريدون الأمان، حتى يتوقف إطلاق النار، وكان من بينهم امرأتان، ولدى دخولي المنزل، طلبوا أن يتصلوا مع ذويهم ويطمئنوهم، وفعلا هذا ما جرى.
بعد أن جلست بينهم، وهم لا يعرفون من أنا، فلم يكن معروفا شكل مدير المخابرات، إذ منعت ظهور المدير بالصور الصحفية أو التلفزيونية، ولم يكن يبدو عليّ أي مظهر من مظاهر حراسات الشخصيات المهمة، وكنت لا ارتدي سوى البنطال والقميص العاديين. وجلسوا ليناقشوا تداعيات الأوضاع الأمنية، وأجمعوا على ان الحل لن يكون إلا بتدخل الملك، وأن "الملك من يصنع الأمن"، ولك ان تتخيل بأن هذا الاجتماع كان عبارة عن عينة استطلاع للرأي ممثلة، لأن فيهم الشرق أردني والفلسطيني، والمسلم والمسيحي والشركسي، ومن كل مناطق المملكة.
*وهل كان هذا الوضع الأمني مقبولا من طرف الأجهزة الأمنية؟
-طبعا لا؛ لقد أبلغت الراحل الملك الحسين بكلام المدنيين، الذين جلسوا في منزل أهلي، حتى هدأت الأوضاع وتوقف إطلاق النار، وقلت إنهم يقولون "الملك من يصنع الأمن"، لكن في تلك الأيام، كنا في طور بناء المؤسسات الأمنية، والجيش العربي ما يزال مشتبكا على الحدود، في حالة من الطوارئ مع الإسرائيليين.
فوضعنا الداخلي كان ملتهبا، بسبب هذه الظروف. في احدى المرات اتصل بي سمير الخطيب قائد عمليات الكفاح المسلح، وأبلغني بأن رجال المخابرات قتلوا أحد الفدائيين بسيارته، عند جريدة الدستور، ونفيت ذلك تماما، لأن أمر إطلاق النار من اسلحة المخابرات، هو أمر أنا من يتخذه، وليس أحد سواي، وأن جماعتي أكدوا لي وجود إطلاق النار وبكثافة، لكنهم لا يشاركون في ذلك.
لكنه عاد ليؤكد لي بأن إطلاق النار كان من طرف المخابرات، وليس من طرف الجيش.
اتصلت بمساعد مدير الشرطة، وكان طلال الرافعي، وقلت له إن عليه أن يوقف إطلاق النار عند شارع جريدة الدستور، فقال بأنه غير قادر على ذلك، نظرا لغزارة إطلاق النار.
مباشرة، ركبت سيارتي وانطلقت من منزلي باتجاه جريدة الدستور، وقطعت مقر مديرية الشرطة، وتجاوزت مبنى المخابرات، ووصلت قرب مبنى جريدة الدستور، ووجدت أزمة سيارات، وسمعت إطلاق النار، ترجلت من سيارتي، وبدأ إطلاق النار نحوي، ركضت إلى أن دخلت مبنى الجريدة القديم، وفعلا سمعت اطلاق النار من جهة جماعة المخابرات، الذين كانوا يتواجدون في ذات الموقع، وطلبت من مقسم جريدة الدستور أن يتصلوا لي مع الدائرة، واتصلت مع قائد سرية الحراسات في المخابرات عبدالله هلال، وقلت سمعت أن إطلاق النار منا، فرد عليّ بانفعال: لقد رأيناك تدخل جريدة الدستور، ورأينا أنك كنت على بعد طلقة من الموت، وهاجمني بانفعال بالغ، وسألني إن كنت أعتبره ورجاله من الرجال أم غير ذلك.
فسألته بحزم: من أين مصدر إطلاق النار وهذا الأهم؟. طبعا قبلها أردت أن أتأكد بنفسي، فصرخت بالمتمركزين خلف ستائر ترابية ويطلقون النار، من على بعد نحو 40 مترا، وإذ بهم يرفعون رؤوسهم، ورأيت أنهم يرتدون "بوريهات" الجيش، فعرفت من يطلق النار.
وفعلا، فقد قال لي بعدها عبدالله هلال، بأن الفدائيين أطلقوا النار باتجاه أحد ضباط الشرطة في جبل الحسين وقتلوه، ولما رأى ضباط جهاز اللاسلكي، الذين يستمعون لكل مجريات الحدث في جبل الحسين، سيارة كفاح مسلح، تمر بقربهم، أطلقوا عليها النار انتقاما لزميلهم.
كان يتابع كل تلك التفاصيل سائق جمعة حماد (رئيس تحرير الدستور حينها)، الذي كان متواجدا في جريدة الدستور، وهو كان قد حماني دون أن أعلم، فقد كان يختبئ في بيت درج الصحيفة فدائيان اثنان، وكانا على وشك اطلاق النار باتجاهي عن قرب، لكنه منعهما، وقال لهما بأن هذا الرجل يساعدهم ولا يريد أن يقتلهم.
بعدها اتصل بي جمعة حماد، معاتبا على تصدري للخطر، ودخل عندي أحد الضباط الكبار في الدائرة، وقال لقد أبلغه مصدره من الفدائيين بتواجدي، وقال لي بأن ما قمت به كان سيحرج دائرة المخابرات، لو وقع أي مكروه لي.
بعد ذلك، كما قلت لك؛ حمينا المخابرات بشكل جيد، وجهزنا الدفاعات الخاصة بنا، فقد كنا نخشى على المعلومات، التي في حوزتنا، وأسماء وعناوين مصادرنا، الذين نعتمد عليهم، ولو وقعت تلك المعلومات بأيدي أشخاص سوانا، لتعرضت حياة الكثيرين للخطر.
وكنا قد هيأنا نظام حماية خاصا في حال تم احتلال المبنى، وهو نظام حرق كل مكاتب الدائرة بساعتين، وهو أمر يعود فقط لمدير المخابرات العامة، ولا أحد يعرف بالأمر سوى القائمين عليه.
كما استعنا بخبرة علي الحياري العسكرية، التي كنت أثق بها كثيرا، ونصحنا باستراتيجيات الدفاع الذاتي، وتحصين المواقع المهمة داخل دائرة المخابرات.
*وهل تم اختطاف الضابط أحمد عبيدات أيضا في تلك المرحلة؟
-نعم؛ أحمد عبيدات كان يسكن في جبل التاج، وكانت منطقة سكنه تعج بالفدائيين، سمعت بخبر اعتقاله فصعقت، فقد كان ضابطا مهما في دائرة المخابرات، وكان الرجل الثالث في الجهاز، بعد مساعد مدير المخابرات أديب طهبوب.
بعد التحريات، عرفنا بأن الجبهة الشعبية هي من قامت باختطافه، واستطعنا تحديد مكان تواجده في مخيم الوحدات، فقد كانت مصادرنا جيدة داخل الجبهة الشعبية، وهي مصادر رفيعة المستوى.
مباشرة، ذهبت لقيادة الجيش، وكان مشهور حديثة قائد الجيش، وقلت له إن الفدائيين يعتقلون أحد ضباطي، وأنه بالنسبة لي أهم من مشهور نفسه، وأنتم كجيش مسؤولون عن تأمين عودته وبالسرعة الممكنة.
عدت لمكتبي، ولم أعد احتمل، فقد انهارت اعصابي فعلا، لأن الأمر كان بالنسبة لي جريمة كبرى.
اتصلت بسرية الحراسات، وطلبت منها تجهيز 6 سيارات من الدائرة، وفي كل منها 4 عناصر مسلحة، وقلت لهم، وظيفتنا تحرير أحمد عبيدات، وسأكون في مقدمة المهمة.
وأبلغني قائد السرية، بأن ليس من اختصاصي الخروج معهم، في مثل هذه العمليات، وأن قائد العملية فقط، يجب أن يكون فيها، وليس مدير المخابرات، لم أقتنع بكلامه، وذهب ليبلغ نذير رشيد بالأمر، فجاءني مسرعا، وقال بأنه سيقود العملية لأنه عسكري أصلا، وأنا لم أخدم بالجيش كمقاتل، وأنه لا يقبل بأن يكون مدير المخابرات قائدا لعملية ميدانية، ففي الأمر إساءة لكوادر الدائرة.
تجادلت أنا ونذير رشيد، ولم أوافق على طرحه، ثم قطع حديثنا اتصال من قيادة الجيش، وكان مشهور حديثة الجازي، رحمه الله، على الهاتف، يبلغني بأنه تم إطلاق سراح عبيدات، وأنه عرف بنيتي الخروج للوحدات، وأني بفعلتي تلك، كنت سأتسبب بمعركة كبيرة، لا أحد يستطيع تقدير نتائجها الوخيمة.
*قبل أن نبتعد بالأحداث، متى التقيت الراحل الملك الحسين رحمه الله لأول مرة؟
-رأيته وأنا ملازم أول في الجيش، وكان أول لقاء يجمعني بالحسين خلال اجتماع لمدراء فروع القيادة.
كنت مساعدا للمشاور العدلي في القيادة العامة، وبعدها تسلمت كما قلت لك سابقا، مشاورا عدليا بالوكالة، في هذه الفترة تبلغت باجتماع لمدراء فروع القيادة، حيث سيترأس الاجتماع الراحل الحسين، في تلك الأيام كنت أحمل رتبة ملازم أول بنجمتين، أما مدراء الفروع فكانوا من "القبات الحمر" كما كنا نسميهم، من عميد وعقيد، فقد كانت الرتب قليلة في ذلك الزمن.
فمدير هيئة الأركان كان هو الأعلى رتبة، بعد الفريق في وقتها حابس باشا المجالي القائد العام، أما بقية رتب فروع الإدارات في القيادة فكانت عميدا أو عقيدا.
في ذلك الاجتماع كنت أنا الوحيد الذي يحمل رتبة منخفضة، ملازما أول.
حضر الملك الحسين رحمه الله، وتحدث في مواضيع كلها داخلية، وذكر خلال ذلك الاجتماع بأنه سيكلف وجوها جديدة برئاسة الحكومة، وأنه لن يعود للوجوه التقليدية، وأسهب في شرح رؤيته للمرحلة المقبلة.
بعدها بفترة قصيرة، تم تكليف وصفي التل رحمه الله، بتشكيل حكومة جديدة، وكان شابا متحمسا، ونشطا في اللقاءات العامة، وامتلك كيمياء خاصة، جعلت الناس يحبونه على عفويته وجديته في العمل، فرحمه الله، كان مبادرا وخلاقا في الأفكار والمبادرات، وجريئا في الرأي.
وبدا وصفي فعلا بترك بصمات واضحة له في الإدارة العامة، وبدأت عجلة التنمية في البلاد تدور، ويدفعها نحو الأمام.
لكن، بعد سنة وثلاثة أشهر استقال وصفي التل، وتفاجأنا بعودة بهجت التلهوني، ونسف رحمه الله، كل ما قام به التل، وألغى كل قرارات وصفي، حتى أن وصفي كان قد أحال 57 رجلا من القيادات الحكومية إلى التقاعد، فأعاد التلهوني 58.
كنا نعيش فترة سياسية وأمنية صعبة، وكان المتنفذون في الحكومة يتجبرون بالمواطنين، وكان تصنيف (إللي مش معي ضدي) هو معيار الحكم في مظلمات المواطنين.
في تلك المرحلة، كنت مشاورا عدليا للأحكام في القيادة العامة للقوات المسلحة، وكنت أعمل ليل نهار؛ كما قلت لك، حتى لا أتقاعس عن القيام بدوري ووظيفتي، وحقوق الناس عندي.
لكن هذا الدور صغير، مقارنة بالأدوار التي كان المواطنون بحاجة إليها، فهم يريدون دولة ترعى مصالحهم، بكل مجالات الحياة الحيوية، وما المشاور العدلي سوى مهمة صغيرة من سلسلة مهام، وواجبات تحتاج للقيام بها بأمانة ومسؤولية.
طبعا، علينا أن نتذكر، بأننا في ذلك الوقت، لم نكن نملك ترف الوقت للتفكير ببناء الدولة، على أسس مدنية وحضرية، فالأهم تثبيت النظام السياسي وحفظ أمن الدولة، وكان هذا المعيار الأهم لدى القيادات العسكرية والأمنية والسياسية.
ولا نستطيع أن نلوم النظام على ظلمه، في وقت هو يتعرض فيه للظلم أصلا، نتيجة الظروف الإقليمية الملتهبة من حولنا، وما صمود النظام السياسي في الأردن وسط دول الجوار، التي تعرضت لمسلسل اغتيالات وانقلابات عسكرية، إلا دلالة صمود وتحد أمام هذا الوضع المتأزم من حولنا. أضف الى كل ذلك، جوارنا الغربي، الذي تعرض للنكبة العام 1948 والنكسة بعد احتلال الضفة الغربية العام 1967.
فالتحدي الأهم كان تثبيت أركان النظام السياسي، وحماية أمن الوطن من كل محاولات الفوضى من حولنا.

تنويه

رئيسة تحرير الغد المحترمة
الأستاذة جمانة غنيمات
أود بداية ان اشكر صحيفة الغد، وان اشكرك شخصيا على ايلاء موضوع التاريخ السياسي للمملكة من خلال المقابلات التي تجريها الصحيفة مع السياسيين الاردنيين، وفي مقدمتها الحلقات التي تنشر تباعا مع دولة مضر بدران.
لقد جاء في الحلقة الثالثة من مذكرات مضر بدران، المنشورة في جريدة الغد يوم الثلاثاء 27-11-2015 بان "وفاة شيوعي شركسي خلال التحقيق دفع حكومة سمير الرفاعي (الجد) لالغاء الاحكام العرفية مطلع الستينيات، وانه-اي دولته- لا يعرف اسم هذا الشخص، وانه كان يقطن جبل التاج. واود ان انوه ان هذا الشخص هو الاستاذ عبد الفتاح تلستان، والذي كان يدرس في مدرسة العباسية في منطقة راس العين، وكان يقطن في حي المهاجرين وليس جبل التاج.
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام.
د. محي الدين توق

التعليق