الكساسبة وأبو خضير شهيدان بنيران البهيمية المتوحشة

تم نشره في الخميس 5 شباط / فبراير 2015. 01:00 صباحاً

كنا بحاجة إلى قوة أعصاب فوق العادة، لاستراق النظر إلى بعض مشاهد جريمة استشهاد البطل الأردني معاذ الكساسبة، والتي سمح بعض المواقع لنفسه بنشرها، هذا في الوقت الذي ما تزال فيه مشاهد تخيلناها قبل نحو سبعة أشهر، لاستشهاد الفتى المقدسي محمد أبو خضير، حرقا بأيدي عصابة مستوطنين يهودية إرهابية. فمعاذ ومحمد استشهدا بنيران بهيمية متوحشة، ليلتقي الإرهابيون في الجريمتين، على عدائهما للإنسانية ككل.
فقبل ما يزيد على سبعة أشهر، كان الفتى محمد أبو خضير في طريقه لأداء صلاة فجر في أحد أيام شهر رمضان الفضيل، فاختطفته عصابة من المستوطنين اليهود الإرهابيين، ليعذبوه وهو ابن 16 عاما، أبشع تعذيب، ثم ليصبوا عليه المادة الحارقة، وهو ما يزال حيا، ويشعلوا به النيران التي أكلت جسده، متروكا في أحد أحراش القدس المحتلة.
وها هو معاذ البطل، ينطلق مدافعا عن الوطن، وليوقف واحدة من أخطر الجرائم ضد الإنسانية. فيقع في أيدي وحوش لا يختلفون عن أولئك الوحوش الحاقدين الذين اختطفوا الشهيد أبو خضير. ويقف معاذ أمامهم في لحظات هزت العالم ككل، شامخا، وهو يواجه الموت بأبشع الوسائل التي لا يمكن لعقل إنساني سليم أن يستوعبها، فيرتقي شهيدا أيضا، يُمجدّه شعبه والإنسانية جمعاء.
خيوط التشابه بين العصابتين عديدة. فأولئك في القدس وفلسطين، ينفون حق الوجود والحياة لكل من هو ليس منهم؛ هم "شعب الله المختار"، وكل من عداهم مستحق للموت! وأولئك الإرهابيون نشأوا في بيئة غذت هذه العقلية، فها هو الاحتلال يشد الخناق على أهل المدينة المقدسة، ويحرمهم من ممارسة حياتهم اليومية الطبيعية، ويشدد القيود عليهم حتى في إيمانهم ودينهم.
وها هم "الدواعش" ينطلقون من العقلية ذاتها؛ عقلية رفض الغير أياً كان. فكل من ليس منهم كافر مستحق الموت، ولا يرتدعون في ذلك عن القيام بأبشع وسائل التعذيب والقتل، والتنكيل بالبشر الذين يقعون تحت سلطتهم؛ فيسرقون من الضحايا حريتهم، وأبسط حقوقهم الإنسانية، ثم يدعي أولئك الإرهابيون تقيدهم بدين هو منهم براء. وما هذه الجرائم الإرهابية التي يرتكبونها يوميا، إلا تعبير عن عقلية رفض الآخر، بأبشع الوسائل.
ليس صدفة أنه فور شيوع نبأ استشهاد البطل معاذ الكساسبة، ورد إلى أذهان الناس اسم محمد أبو خضير. وإن كانت النيران لحظة الالتقاء الأولى، فإن الكثير من التفاصيل الأخرى كانت مبررا لهذا الاستذكار؛ فأولئك يحتمون بدولة تدعمهم سرا، وأولئك على الطرف الآخر أعلنوا عن أنفسهم دولة مبنية على العقلية ذاتها.

التعليق