صناعة الموقف

تم نشره في الجمعة 6 شباط / فبراير 2015. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 16 شباط / فبراير 2015. 05:54 مـساءً

د. عصر محمد النصر*

هكذا الأحداث، تأتي لتنفض غبار ما استقر في حياة الناس؛ فتطرق أبواب الفكر، وتمتحن المواقف، وتلقي الضوء على ما استقر من العادات. وقد تقرر أن الاختلاف العام، والمواقف الشديدة، والأحداث الجسيمة، ينتج عنها -ولا بدّ- خلل في المفاهيم، واضطراب في السلوك والأفعال، ما يستدعي التأني في اتخاذ القرار.
في كل حدث من الأحداث وما ينتج عنه، قدر مشترك من المواقف يمكن أن يُركن إليه ويُعتمد عليه في بناء حصانة مجتمعية، يلوذ خلفها الجميع. ففي تعزيزه -أي القدر المشترك- وإظهاره، حفظ للضروريات، ورد للشبهات والأغراض.
مثّلت جريمة استشهاد الطيار الأردني معاذ الكساسبة -رحمه الله رحمة واسعة- بتلك الطريقة، نقطة تحول في عالم المشاعر. إذ تصدعت لأجله القلوب، وذرفت العيون. وفي المقابل، تعالت لهوله صيحات، وظهرت مواقف.
وفي مثل الحدث الكبار قاسم مشترك لا ينبغي لأحد أن يحيد عنه، من ذلك:
- بشاعة الجرم، ووجوب إنكاره ورفضه على أي حال؛ فلا شرعَ يقره، ولا عقل يقبله. وهذا من العدل الذي أمر الله به وحث عليه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد". فتبرأ النبي صلى الله من فعل صاحب من أصحابه وقع القتل منه خطأ. ولا لوم هنا على الشرع وعلمائه إذ احتج المجرمون بهما؛ إذ أخرجوا نصوص الشرع من سياقاتها، وكلام العلماء من مظانه. 

أرادوا بذلك ترويج باطلهم ونشر شرهم.
ومن الجدير بالذكر هنا التنبيه على أن تنظيم "داعش" ومن ورائه التيارات الجهادية، ليس لها منظومة فقهية منضبطة واضحة المعالم، ولا تتبع مذهبا معينا أو عالِما معروفا بالعلم، بل تقوم بالفعل ثم تستدل عليه بنصوص منزوعة السياق.
- من الأمور المشتركة في ظل الحدث القائم، حفظُ معاني الدين، وصون مفاهيمه عن عبث العابثين من الغلاة الذين يروجون لباطلهم بالاستناد للنصوص الشرعية. فيجب والحالة هذه، نشر العلم الصحيح المنضبط المعبر عن ثقافة الأمة ودينها. وفي المقابل، تصان النصوص الدينية والمفاهيم الشرعية عن تحريف أتباع المذاهب المادية المنحرفة، كالليبرالية ونحوها؛ إذ اشرأبت رقاب أقوام منهم للنيل من دين الأمة والاعتداء على ثوابتها بحجة الغلو ومحاربة الغلاة.
وأنا هنا أؤكد أن حفظ الدين وصونه عن تحريف المغالين وانتحال المبطلين، من أهم عناصر حفظ المجتمع ووَحدته؛ فكلما عظمت القيم التي يجتمع عليها الناس، اشتد تماسكهم وقوي ائتلافهم. ولا شك في أن دين الإسلام الذي عاشت في كنفه الأمة قرونا، هو صمام الأمان والسبيل الرشيد الذي يجمع أبناء المجتمع. وقد تقرر أن الدين هو أعظم محفز للأخلاق الحسنة وخصال الخير، وبقدر تفويته والاعتداء عليه، يفوت قدر من هذه الأخلاق، بما يكون له آثار سلبية على المجتمع.
- من الأمور المشتركة في ظل هذا الحدث، اجتماع الناس على مصالحهم الجامعة التي تحفظ ضرورياتهم، ومن ذلك اجتماعهم على طاعة الله تعالى، فهو من ضروريات الأمن. ومن المصالح العامة حفظ الأنفس والأعراض والدماء، وإزالة كل عقبة تحول دون ذلك. ومن هذا الباب تعزيز الهوية القومية والوطنية للمجتمع، والمصالحة مع تراثه، من خلال تعزيز مقوماته، ومن أعظمها دين الإسلام. إذ إن من أعظم ما يبتلى به الناس في جريان الأحداث هي تلك الرؤى الناقصة التي تتبنى أحادية النظر أو تنطلق من مصالح خاصة.
- جرت العادة أن الأحداث عندما تموج، يركب صهوتها كثير من أصحاب الأغراض، فتَحجبُ كلماتُهم طرفا من الحقيقة التي يحتاجها الناس في حسن تصورهم للحدث وفهمهم له، بما يؤول أمره إلى اختلافٍ وضياع للأولويات. وفي المقابل، فإن لكل مجتمع قلبا نابضا يعبر عن همومه، ويرقب مصلحته ويراعي شؤونه، وتقديم أمثال هؤلاء هو وضع للمجتمع في موضعه الصحيح، سواء كان على مستوى المؤسسات أو الأفراد أو الجماعات، وسائر مكونات المجتمع. وتظهر أهمية هذا الأمر إذا علمنا أن الحوادث لا تنتهي، وهي متجددة بتجدد أسبابها.
فتوحيد الرؤى، والابتعاد عن المواقف المبنية على ردود الأفعال؛ هي لا شكّ من المطالب المهمّة في ظل الوضع القائم. وعليه، فلا بدّ لكل قرار يتخذ أن تكون له مشروعية، بحيث يعبر عن المجتمع، ويراعي خصائصه وثقافته، ويقدم أولوياته. كما ينبغي أن يراعى الوضوح في اتخاذ القرار، والارتهان للمصلحة المجتمعية دون غيرها.

*كاتب أردني

 

التعليق