د.أحمد جميل عزم

صناعة الوحش

تم نشره في الجمعة 6 شباط / فبراير 2015. 01:03 صباحاً

هذا واحد من مقالات بدأت فيها مراراً على مدى سنوات، وكنت دائماً أتركها ولا أكملها. في واقع الأمر، أردت أنّ أهرب من الحديث عن العنف، فالعنف تجارة؛ هناك أفلام عنف ورعب، وهناك توظيف للكتابة عنه كتوظيف الجنس لكسب القرّاء والمشاهدين وتبرير العنف المضاد.
عندما كنّا صغارا، وكانت الحركة الإسلامية في صعود سريع، مشفوعة بتسهيل من الحكومات العربية المحافظة والقريبة من الغرب، لأسباب منها الوقوف في وجه اليسار وتجنيد المجاهدين للقتال في أفغانستان بعيداً عن فلسطين، كان هناك كتاب يروّجه أساتذة وأشخاص من تيار الحزبية الإسلامية، اسمه "قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله". وأكثر ما كان "يشد" في الكتاب مشاهد التعذيب، خصوصاً عن حقبة محاكم التفتيش في إسبانيا إبّان التواجد الإسلامي.
لم أفهم حتى اليوم لماذا انتشرت رواية عبدالرحمن منيف، شرق المتوسط، التي تصف مشاهد التعذيب في سجون عربية هذا الانتشار، ولم أكملها. لم أستطع تكملة رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة الواقعية عن التعذيب الذي تعرض له في سجون النظام السوري. 
فوجئت بمشاهد التعذيب التي كتبها كارل ماركس عن كنائس بروتستانتية، كانت تدفع مبلغاً ماليا لقاء سلخ فروة شعر رأس كل هندي أو هندية حمراء في أميركا الشمالية، مع سعر مختلف بين الطفل والرجل والمرأة. ولكني فهمت منه وتأملت حقيقة ما ذكره بأنّه عندما حدثت ثورة أميركية من أصحاب الأصول الأنجلوساكسون وغيرهم، حرّض المستعمرون الإنجليز الهنود الحمر من أجل الانتقام، وجز فروة رأس أحفاد البروتستانت المؤسسين (الأجداد الحجاج)، وقيل في نقاشات البرلمان في إنجلترا إنّ الكلاب الدموية وسلخ فروة الرأس "وسائل وضعها الرب والطبيعة بين أيدينا".
قرأت عند الكاتب آلان بابيه في كتاب "الفلسطينيون المنسيون"، كيف وقعت مجزرة كفر قاسم في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 1956؛ عندما قرر الاحتلال فجأة تغيير موعد منع التجول من التاسعة إلى الخامسة مساء، فسأل الجنود الصهاينة ضابطهم: ماذا سيحدث للذين يعودون  بعد الموعد، ولا يعرفون بتغيير الموعد؟ قال الضابط بعربية مكسّرة: "الله إرحمهم". ووقعت المجزرة، وبدأ القتل الساعة الخامسة إلا خمس دقائق، وكانت النتيجة مقتل 49 من سكان القرية، منهم 12 شابة، و10 مراهقين ذكور، و7 أطفال.
في محاولتي البحث عن تحليل نفسي للعنف وحب الحديث عنه، كنت كلما تذكرت ما يقوله عالم النفس اليهودي النمساوي سيغموند فرويد، أتذكر المستوطنين الإسرائيليين. فهو يعتقد أنّ من طبيعة الإنسان السعي إلى العدوانية، ويقول: "من الذي يجرؤ على إنكار هذه الطبيعة العدوانية الوحشية للإنسان، في حياته الشخصية وفي التاريخ؟ هذه السلوكيات تظهر عند الاستفزاز، أو حتى لتحقيق أهداف كان يمكن تحقيقها بوسائل أكثر نعومة وتهذيبا. وتظهر العدوانية في بعض الظروف بوجه سافر، إذا ما سقطت طاقة القوى الأخلاقية التي كانت تكبح مظاهر العدوانية وتكفها وتقمعها، فتأتي مناسبات تميط عن الإنسان اللثام، فيظهر الوحش المفترس الذي لا يكترث بغيره". ويقول فرويد عن "الإنسان الغريب" إنّه إذا "ما اقتضت مصلحته إيذائي لن يتردد في ذلك، حتى من دون التساؤل إذا كان حجم كسبه يتناسب مع حجم الضرر الذي سيسببه لي. بل قد يضرني، ويهزأ بي، ويؤذيني من دون فائدة يحققها، وفقط لأنه يجد لذة ومتعة في ذلك، حتى لو بغرض التباهي بقوته فقط. وستزداد احتمالية فعله ذلك بازدياد ثقته بنفسه وبقوته".
لا أسلّم بمقولات فرويد، وأعتقد أنّ هناك كثيرا من الثوّار والأحرار في التاريخ يشكلون الوجه الآخر.
الآن، ومع تنظيم "داعش" في سورية والعراق، يراد لنا أن نصدق فرويد أكثر. فبينما درسنا في المدارس، مثلا، عن وصايا أبي بكر الصديق للجيوش الاسلامية بعدم قطع شجرة وعدم إيذاء عابد وغير مقاتل، يراد الآن وعلى خلفية الجريمة بحق الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، جعل أبي بكر والصحابة مرجعاً للحرق وقطع الرؤوس.
لا يتشابه قتلة كفر قاسم والهنود الحمر ومحمد أبو خضير والنازية و"داعش" وحسب، بل وينصرون منطق فرويد على كل ثورات الإنسان الحقيقية ويشككون في حدوثها.

التعليق